آخر الأخبار

معارض بلا أبواب.. جداريات تروي تاريخ الأردن وهويته

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

الزرقاء – لم تعد جدران المدن الأردنية مجرد كتل أسمنتية أو حجرية تفصل بين الشوارع والمباني، بل تحوّل بعضها خلال السنوات الأخيرة إلى صفحات مفتوحة تروي حكايات المكان والإنسان، وتستعيد محطات من التاريخ والتراث والهوية الوطنية.

ومن صور مقاتلي الجيش الأردني إلى ملامح لاعبي المنتخب الوطني، مرورا بالقلاع والقصور الصحراوية والتراث الشعبي، باتت الجداريات إحدى الأدوات التي تُكتب بها السردية الأردنية بالألوان.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 مسجد تسينغوني في مايوت.. عراقة معمارية توثق أقدم حضور إسلامي في الأراضي الفرنسية
* list 2 of 2 حياة الجنود خلف الأسوار.. أسرار من عوالم الطبخ والعبادة والزينة داخل حصن “الأبقعين” end of list

وفن الجداريات ليس اتجاها حديثا في جوهره، فقد ارتبط منذ القدم بمحاولة الإنسان توثيق معتقداته وانتصاراته وحياته اليومية، وتطورت موضوعاته مع تطور المجتمعات لتشمل الأبعاد الدينية والتاريخية والأسطورية والاجتماعية. واليوم، انتقلت هذه الوظيفة إلى فضاءات المدن الحديثة، حيث أصبح الجدار مساحة للتعبير عن قضايا المجتمع وهويته وذاكرته.

وفي الأردن، اكتسب هذا الفن حضورا متزايدا، خصوصا مع خروج الفنان من حدود المعرض التقليدي إلى الشارع. ففي العاصمة عمّان، على سبيل المثال، أصبحت الجداريات جزءا من المشهد البصري في مناطق مثل وسط البلد وجبل اللويبدة (وهي من أقدم وأعرق أحياء العاصمة التي تمثل قلبها الثقافي والتراثي)، حيث كسرت ألوانها نمط العمارة الحجرية، وقدمت للمارة أعمالا فنية لا تحتاج إلى تذكرة دخول أو زيارة صالة عرض.

لكنّ تجربة محافظة الزرقاء (وسط المملكة) أخذت اتجاها يرتبط بصورة مباشرة بتوثيق السردية الأردنية، وتحويل الفضاء العام إلى ما يشبه معرضا دائما للذاكرة الوطنية.

مصدر الصورة جدارية الشاعر الأردني تيسير السبول في محافظة الزرقاء (الجزيرة)

معرض لا يغلق أبوابه

يقول رئيس جمعية الفن التشكيلي والمدرس في معهد فنون وزارة الثقافة بمديرية ثقافة الزرقاء أمين الدومي لـ"الجزيرة" إن فكرة التوسع في تنفيذ الجداريات برزت بعد جائحة كورونا، حين أصبح تنظيم المعارض والأنشطة الفنية التقليدية أكثر صعوبة.

إعلان

ويوضح أن الفنانين كانوا يشاركون قبل ذلك في معارض تقام بالتعاون مع وزارة الثقافة، لكنّ ظروف الجائحة والقيود المرتبطة بساعات العمل دفعت إلى التفكير في بديل يستطيع الوصول إلى الجمهور من دون أن يكون محصورا داخل قاعات العرض.

ومن هنا، جاءت فكرة الجدارية بوصفها "معرضا دائما للمجتمع"، وفق الدومي، لتبدأ تجربة ركزت بصورة أساسية على موضوعات مرتبطة بالسردية الأردنية. ويضيف أن الفنانين أنجزوا خلال هذه التجربة عددا من الأعمال التي تناولت شهداء الجيش العربي (القوات المسلحة الأردنية) والمنتخب الأردني والترابط الأردني الفلسطيني، إلى جانب جداريات تستحضر التراث الأردني والقصور الصحراوية (وهي قلاع تاريخية أموية تنتشر في البادية التابعة لمحافظة الزرقاء).

مصدر الصورة الرسام أمين الدومي خلال رسمه إحدى اللوحات في محافظة الزرقاء (الجزيرة)

وهكذا، لا يعود المتلقي مضطرا للذهاب إلى المعرض، بل يأتي الفن إليه في طريقه إلى العمل أو المدرسة أو السوق. ويصبح الجدار نفسه مساحة لحفظ الذاكرة واستعادة قصة أو شخصية أو رمز وطني أمام آلاف العابرين يوميا.

من شهداء القدس إلى "النشامى"

إحدى هذه الجداريات خُصصت لمقاتلي الجيش الأردني الذين صمدوا على أسوار القدس ودافعوا عن المسجد الأقصى، لتقدم عبر الرسم استعادة بصرية لمحطة راسخة في الذاكرة الأردنية.

ونفذت مديرية ثقافة الزرقاء، بالتعاون مع جمعية الفن التشكيلي وبلدية الزرقاء، أعمالا جدارية في مواقع عدة، بينها مدينة الملك عبد الله بن عبد العزيز (المعروفة بـ "مدينة الشرق") وأوتوستراد الزرقاء/عمّان قرب مبنى المحافظة ومدخل لواء الرصيفة.

وفي تجربة أحدث، حضرت كرة القدم بوصفها جزءا من اللحظة الوطنية الراهنة، عبر "جدارية النشامى" (اللقب الشعبي الذي يُطلق على المنتخب الأردني) التي نُفذت على مساحة تقارب 800 متر مربع دعما للمنتخب وطموح الأردنيين في الوصول إلى نهائيات كأس العالم 2026.

أشرف على تنفيذ الجدارية الدومي، بمشاركة الفنان أسامة النجار وعدد من الكوادر العمالية، واستغرق إنجازها 45 يوما. وحوّل العمل الجدار المحاذي لمنطقة جبل طارق على الأوتوستراد الصحراوي إلى لوحة ضخمة تجمع الرموز الوطنية وملامح لاعبي المنتخب ومشاهد الحماس والانتصار.

وبذلك، تجمع الجداريات بين التاريخ والراهن؛ فالجدار الذي يستعيد في مكان تضحيات الجيش العربي، يحتفي في مكان آخر بإنجاز رياضي معاصر، بينما تستحضر أعمال أخرى التراث والعمارة والتنوع الاجتماعي، لتتشكل من مجموعها سردية بصرية متعددة الطبقات.

مصدر الصورة جدارية من التراث الأردني على أحد أسوار محافظة الزرقاء (الجزيرة)

كيف تُصنع جدارية بهذا الحجم؟

خلف الصورة النهائية التي يشاهدها المار عمل فني وتقني قد يستمر أسابيع. يوضح الدومي أن لكل جدارية خطة خاصة ترتبط بمساحتها والتصميم وكمية التفاصيل الموجودة فيها.

ويقول إن مساحة بعض الجداريات الخارجية تتجاوز 200 متر مربع، وقد تصل إلى نحو 800 متر مربع، ويستخدم الفنانون في تنفيذها تقنية الرش الهوائي أحيانا، إلى جانب ألوان الأكريليك.

ولا ينتهي العمل عند اكتمال الرسم، إذ تُضاف طبقة حماية أو "تشميع" للمساعدة في مقاومة تأثير العوامل الجوية والمحافظة على العمل. أما المدة، فتتفاوت بصورة كبيرة؛ فالجدارية التي تتجاوز مساحتها 500 متر مربع قد تحتاج إلى أكثر من شهر، بينما يمكن إنجاز لوحة بمساحة 25 مترا مربعا خلال نحو أسبوع، مع بقاء حجم التفاصيل عاملا حاسما في تحديد الوقت والجهد.

مصدر الصورة جدارية شاعر الأردن مصطفى وهبي التل (عرار) في محافظة إربد (الجزيرة)

الزرقاء تروي تنوعها

ولا تقف السردية التي تحملها الجدران عند الأحداث والرموز الوطنية، بل تمتد إلى المجتمع نفسه. ففي الزرقاء، يجري توظيف الفن لإظهار التنوع الثقافي والاجتماعي الذي تشكلت منه المدينة، عبر جداريات تستحضر مكوناتها المختلفة وتقدمها في صورة فسيفساء واحدة.

إعلان

وتسعى مديرية ثقافة الزرقاء من خلال هذه الأعمال إلى تحويل الفضاءات العامة إلى منصات تحمل رسائل عن الهوية والانتماء والتعايش، بمشاركة فنانين محليين وطاقات شابة.

ويقول مدير مديرية ثقافة الزرقاء محمد الزعبي لـ"الجزيرة" إن الفن التشكيلي يمثل حلقة تواصل بين الفنان والعمل الذي يقدمه، ووسيلة للتعبير عن قضايا المجتمع وأحداثه، فضلا عن دوره في التنمية والصناعات الثقافية وتحويل مداخل المدن ومخارجها إلى أعمال تعبر عن ثقافة المجتمع.

ذاكرة مرسومة في الشارع

ورغم جاذبية الجداريات، فإن تنفيذها ليس سهلا دائما، إذ تتطلب بعض الأعمال تراخيص، خصوصا عند استخدام الآليات الثقيلة أو العمل على المباني العامة، كما أن تكلفة الألوان والبخاخات والفرش ومعدات الحماية تفرض أعباء إضافية على الفنانين.

ومع ذلك، تبدو التجربة الأردنية آخذة في نقل الفن من مساحة المشاهدة المحدودة إلى المجال العام. فالجداريات هنا لا تؤدي وظيفة تجميلية فحسب؛ إنها محاولة لجعل المدينة نفسها حاملة لذاكرتها.

وبين مقاتل مرسوم على جدار، ولاعب يحمل حلم الوصول إلى كأس العالم، وقصر صحراوي يستعيد تاريخ المكان، وملامح تراثية تحفظ صورة الأجيال السابقة، تتشكل حكاية الأردن قطعة بعد أخرى. حكاية لا تُقرأ هذه المرة في كتاب، وإنما على جدران يمر أمامها الناس كل يوم.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار