في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في سياق حراك التاريخ، ومع اقترابنا من اكتمال العام الثالث للحرب على غزة، تأتي لحظات حاسمة تتوقف فيها حركة العقل والاجتماع لاختبار أسس العالم الأخلاقية والمعرفية "المفترضة". هذا ما أظهرته لحظة الإبادة الطاحنة بغزة؛ إذ أتاحت للعالم فرصة كاشفة لمحاكمة أولويات الفكر الإنساني، ووضع شعارات الحضارة الغربية على محك النقد الأخلاقي وصلاحية الاستمرار.
من قلب هذه اللحظة، يبرز كتاب "ما بعد الوحشية" للمفكر الإيراني حميد دباشي، كنداء فكري يعتبر غزة "نقطة الصفر" لتاريخ ما بعد نهاية العالم. هنا، ينكشف اعتلال "الحضارة الغربية" أخلاقيا وعقليا، وتُدفن ادعاءات سلطتها الأخلاقية تحت أنقاض "الخراب العظيم" في غزة.
تُفكك تأملات دباشي العابرة للتخصصات أسس "المركزية الأوروبية"، وتفضح الانحياز الفادح لأقطاب الفلسفة الغربية نحو الإبادة واستمرار "هيمنة الافتراس" الإمبريالي لخمسة قرون، وصولاً إلى رؤية جذرية تعتبر إسرائيل "التجسيد المادي للاستعمار".
يدعو دباشي إلى تأسيس معرفي حقيقي ينطلق من تحت أنقاض غزة، وصياغة قواعد أخلاقية جديدة بين من رفضوا الاختفاء من الوجود. مُخاطباً "الأغلبية العالمية" في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ويُعلن دباشي حتمية تحرر الفكر من الوصاية الفلسفية الغربية.
يكشف الكتاب، المكتوب في خضم الإبادة، الإفلاس الأخلاقي للفلسفة الغربية وتكريسها لطمس هوية المُستعمَرين؛ فعداد القتلى المتصاعد في غزة ليس مجرد أرقام باردة، بل يمثل مجتمعات بأكملها سُحقت تحت وطأة الاستعمار الاستيطاني.
بشاعرية غاضبة وسيّالة، يُعرّي دباشي الجذور العنصرية للفلسفة الغربية، مُطالبًا بتجاوز وهمها الخبيث. وبدلًا من القول إن "الغرب" منح "إسرائيل" ضوءًا أخضر للإبادة، يُصرّ على فهم إسرائيل باعتبارها "جوهر هذا الغرب".
وإذا كانت إسرائيل هي الغرب، فإن فلسطين هي العالم. ومتمسكا بلمحات من أعمال ثورية، يجادل بأن بؤساء الأرض بحاجة إلى الشعر بعد الهمجية، وأن فلسطين هي أرض الخيال المتحرر.
وهو صاحب مؤلفات بارزة منها "عن إدوارد سعيد"، و"نهاية وهمين". وقد وصفته صحيفة "كرونيكل التعليم العالي" بـ"منارة الدراسات الإيرانية"، فيما يراه المفكر الأمريكي كورنيل ويست: "أحد ألمع وأشجع رواة الحقيقة في عصرنا الكئيب، بكلمات تلهم كل من يرى نفاق الغرب ويسعى للعدالة".
أحدث الكتاب صدى واسعاً في الأوساط النقدية؛ فبينما عدّته مجلة "بابليشرز ويكلي" إدانة لاذعة للوضع الراهن، رأت "ذا بريس" أنه يثبت أن الحضارة الغربية نتاج تبادل دائري مع الشرق والجنوب، وأن ادعاء النقاء الغربي "أسطورة لتبرير السلطوية".
وتوالت القراءات التحليلية للمشروع؛ إذ رأت رامونا وديع في "ميدل إيست مونيتور" أن الكتاب يكشف تجليات الوحشية الاستعمارية الغربية في إسرائيل، واعتبره موقع "ميدل إيست آي" "شهادة واستراتيجية تحت عباءة الفلسفة تطلب من القارئ المخاطرة من أجلها".
كما وصف موقع " برلين اليسار" قراءة الكتاب بأنها "فقدان لرفاهية البراءة، واستعادة للأمل بوجدان أخلاقي جديد تتشكل بوصلته في غزة". في حين حث موقع "forsea.co" أنصار التحرر على قراءة الفلسفة الغربية "قراءة أنثروبولوجية ناقدة بدلاً من تلقيها كحقيقة مطلقة".
وفي السياق ذاته، لفتت مجلة "تقرير واشنطن لشؤون الشرق الأوسط" إلى تحليل دباشي لـ "مهمة الغرب الحضارية" كمخطط فلسفي صُمم لإقصاء الجنوب العالمي.
أكاديمياً، تلقف كبار الباحثين طروحات دباشي باهتمام بالغ حيث كتبت مقررة الأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيز : "يُعد كتاب "ما بعد الوحشية" ينبوعًا من الحجج والأدلة التي تتجاوز الانتقادات الموجهة إلى "الغرب وبقية العالم" وتُضفي عليها معنى كاملا، والانتقادات الموجهة أيضا إلى مؤيدي المحو الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي لوجود الشعب الفلسطيني. فلسطين كاشفة للحقائق، إذ يفضح دباشي العنصرية المتأصلة الكامنة وراء موقف "الحالة العالمية" الذي تتبناه الأقلية العالمية (ما يُسمى بـ"الغرب")، لكنه يُظهر أيضًا الطريق نحو التحرر الجماعي من نظام الفصل العنصري والإبادة الجماعية الناجمة عنه. لقد دفعتنا الإبادة الجماعية في فلسطين إلى مفترق طرق حاسم. فبينما نحن معلقين بين الهاوية والأمل، لدينا خيار الحفاظ على ما تبقى من الإنسانية وإعادة بناء غزة وبقية فلسطين من رماد هذه الفظائع".
أما المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، أبرز المؤرخين الإسرائيليين الجدد ومدير المركز الأوروبي لدراسات فلسطين بجامعة إكستر البريطانية، فيرى منهجية الكتاب على هذا النحو: "استنادًا إلى دراسة معمقة للقصائد والأدب والمقالات الفلسفية، يكشف حميد دباشي كيف أن الإبادة الجماعية في غزة تجسد تاريخًا طويلا من العنصرية وكراهية الإسلام والاستشراق، الذي أنتج النظام العالمي الاستعماري وما بعد الاستعماري، وأثّر في أشهر مفكري أوروبا الذين اعتبروا أنفسهم، للمفارقة الساخرة، منارات الإنسانية. كتاب دباشي عملٌ ثاقب يثير القلق، لكنه مقنعٌ تمامًا".
أما الأكاديمية الإسرائيلية أتاليا عومر، أستاذة الاجتماع الديني بجامعة نوتردام، مؤلفة كتاب "أيام الرعب: إعادة تصور هوية يهودية متضامنة مع الفلسطينيين"، فكتبت: "يُسلّط كتاب "ما بعد الوحشية" الضوء على الأسباب التي تجعل الإبادة الجماعية في غزة تكشف عن الوحشية الجوهرية لمشروع الحداثة الأوروبية، الذي تُعدّ الصهيونية جزءًا لا يتجزأ منه. ويتمحور الكتاب حول التساؤل عمّا ندين به للفلسطينيين، متجاوزين دلالاتهم المجازية في نضالهم ضد الاستعمار. فبدلاً من استغلال معاناة الفلسطينيين بشكلٍ أنانيّ لإعادة تأهيل السلطة الأخلاقية "المفترضة" للغرب الحديث، أو تبرير براءة اليهود بوصفهم "منفيين"، كما يفعل العديد من المؤلفين في سياق كتابة ما بعد الهولوكوست وما بعد غزة، يجترح كتاب دباشي تحركاً مذهلاً نحو التحرر من الاستعمار، من خلال تأمّل شعريّ في وجدان متضافر يُزعزع منطق الإبادة الجماعية في الحداثة».
ويتقاطع هذا مع قراءة عزمي بشارة الذي يرى أن التضامن مع فلسطين، وفق دباشي، يمثل تحرراً عالمياً يكشف ضيق أفق الفلسفة الغربية. فيما يرى مهند عياش أن الكتاب يضع فلسطين في قلب نضال عالمي للتحرر من عصر الاستعمار الأوروبي، ويؤكد الفيلسوف ريموند غيوس (كامبريدج) أن غزة أصبحت، في تحليل دباشي، مثالاً لمحاولة الغرب إبادة كل من يُعرّفه كـ"آخر".
هذا الثقل الفكري جعل صحيفة "الغارديان" تحذر من أن الصدام الكبير بين الأيديولوجيات سيحدث بشكل متزايد في الغرب بوجود مفكرين أمثال دباشي.
فيما يشير موقع "الصوت المعارض" إلى غزارة التخصصات التي يغطيها الكتاب من الوجودية إلى صناعة الأفلام، بأسلوب أكاديمي وحواشٍ دقيقة.
لا يعزل دباشي إبادة غزة عن التاريخ؛ بل يقرأها كامتداد للمحرقة اليهودية وعمليات الطمس الاستعماري، معتبراً الصهيونية امتداداً منطقياً للفاشية الأوروبية. يكتب صراحة: "إسرائيل ليست دولة ولا وطنًا.. بل مستعمرة استيطانية، وانحطاط أخلاقي خلقه الغرب.. تُمثّل إسرائيل خلاصة الغرب". ومع هذه الخلاصة، لُخّص تاريخ العالم، وكل عنفه الاستعماري، في فلسطين.
يتساءل دباشي عن تضمينات الكينونة الفلسطينية وسط هذا الشتات؛ أين يجد الفلسطينيون مكانهم في السياسة والأدب والفن؟ هل مفهوم العالم خاضع تماماً لنظرة الغرب لإقصائهم؟ بل يطرح تساؤلاً شائكاً: هل يُمكن اعتبار الأدب الفلسطيني أدبًا وطنيًا، في حين أن تشكيل الأمة الفلسطينية تعرّض لانقطاع عنيف من قِبل المشاريع ذاتها التي نظّرت لفكرة "الأدب العالمي"؟
للإجابة، يغوص دباشي في إظهار الترادف بين "إسرائيل" و"الغرب"، موضحاً أن "غير الأوروبيين، ببساطة، لا وجود لهم في الوجدان الفلسفي الأوروبي، من كانط إلى هيغل إلى ليڤيناس". (وهي مفارقة تكشف كيف أن هؤلاء الفلاسفة، الذين يُعدون أعمدة "عصر التنوير" والأخلاق الحديثة، صاغوا نظرياتهم حول "حقوق الإنسان" لتشمل الإنسان الأبيض حصراً، مستبعدين شعوب الشرق وأفريقيا ككائنات لا تستحقها، مما وفر غطاءً فلسفياً لاستعمارهم وإبادتهم). هذا الإقصاء جعل الفلسفة حكراً أوروبياً، وربط ممارسات الإبادة في فلسطين بتلك التي حدثت في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا.
لتفسير هذا التشابك، يطرح دباشي مفهوم "دولة الحامية العسكرية" (Garrison State) كنموذج تفسيري للمشروع الصهيوني؛ وهو مصطلح سياسي يُقصد به الدولة التي تُزرع وتُصمم وظيفتها الأساسية لتكون "قاعدة عسكرية متقدمة" تخدم مصالح إمبراطورية خارجية، أكثر من كونها وطناً طبيعياً لمواطنيها.
فإسرائيل، وفق دباشي، دولة حامية شديدة التسلح، وفلسطين مخيمات لاجئين ترزح تحت عنفها منذ النكبة. هذه الدولة تمارس سلطة مطلقة تلغي أي حاجة للشرعية الأخلاقية. هذا النموذج يفسر مقولة الغرب: "لو لم تكن إسرائيل موجودة لتحتم إيجادها"، لتفادي نشر عشرات حاملات الطائرات في الشرق الأوسط. وهو ما تفاخر به قادة إسرائيل؛ إذ اعتبرها نتنياهو "حاملة طائرات أمريكية"، بينما رفع أرئيل شارون قيمتها لتعادل "10 حاملات طائرات".
يخلص دباشي إلى أن الغرب الجماعي لم يكن يساعد إسرائيل فحسب، بل "قادت إسرائيل الغرب في ارتكاب الإبادة". ورغم كل الثمن الباهظ، فإن إبادة غزة غيّرت التصور العالمي، وكشفت المسار الكامل للعنف الاستعماري الأوروبي عاريا بدون أقنعة، في نقطة لا عودة منها إلى ما قبل غزة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة