في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لندن- لم تتجاوز أعداد المشاركين العشرات في المسيرة العنصرية -التي حملت شعار "لا للشريعة" ونظمت مساء أمس السبت بدعوة من ما سمي حزب استقلال المملكة المتحدة "يو كيه آي بي" (UKIP) اليميني المتطرف- رغم الانتشار الأمني المكثف الذي رافقها انطلاقا من "إدجوير رود" بالعاصمة البريطانية وهو الشارع المعروف بوجود كبير للجالية العربية والمسلمة.
وعلى امتداد مسار المسيرة، أحاطت الشرطة بالمتظاهرين واتخذت إجراءات مشددة للفصل بينهم وبين المارة وأصحاب المحال، مع انتشار عناصر من شرطة المنطقة وأخرى جرى استقدامها من خارجها.
وقالت شرطة العاصمة البريطانية إنها فرضت شروطا بموجب قانون النظام العام على مسيرة نظمها حزب استقلال المملكة المتحدة، يوم السبت 29 أغسطس/آب، بهدف منع حدوث "اضطرابات خطيرة" أو "التعطيل الخطير للمجتمع".
وخلال فترة الاحتجاج، أعلنت الشرطة أيضا تفعيل صلاحيات إضافية في المنطقة بموجب المادة رقم 158 من قانون الجريمة والشرطة لعام 2026، بما يسمح باعتقال من يرتدي غطاء للوجه بهدف إخفاء هويته خلال الاحتجاج.
وعلى وقع هتافات مناهضة للإسلام والمهاجرين، وفي ظل انتشار أمني مكثف، شهد وسط لندن مواجهة بين هذه المسيرة المتطرفة بقيادة زعيم الحزب نيك تينكوني وبين تحرك مضاد شارك فيه نشطاء من مناهضي اليمين المتطرف.
وشهدت المسيرة عدة مناوشات واحتكاكات بين الجانبين، فيما هاجم منظمو مسيرة "لا للشريعة" عدداً من الصحفيين والمصورين، في محاولة لمنع تصوير مجرياتها.
واتخذ خطاب تينكوني زعيم "حزب استقلال المملكة المتحدة" -والذي ترأس المسيرة- منحى حادا، إذ دعا خلال كلمته إلى منع ما وصفه بـ"الشريعة" في بريطانيا، وحظر الأذان والذبح الحلال والنقاب، وإغلاق ما سماها "المحاكم الشرعية".
ودعا تينكوني إلى بناء سجون منفصلة للمسلمين المدانين بارتكاب جرائم، وقال إن المسلمين الذين يرتكبون جرائم ينبغي أن يخضعوا لإجراءات مختلفة، وذلك تبعا لمكان ولادتهم في بريطانيا أو الخارج.
وتضمنت كلمته كذلك دعوات إلى هدم مساجد اتهمها بنشر الكراهية أو التطرف، كما استخدم تعبيرات من قبيل "الحملة الصليبية" و"هزيمة الفاشية الإسلامية"، و"وقف مد الخلافة الإسلامية". وردد المشاركون بأعداد محدودة خلفه هتافات تدعو إلى "إرسالهم إلى الوطن" في إشارة إلى المسلمين والمهاجرين الذين يستهدفهم هذا الخطاب العنصري.
كما هاجم تينكوني خلال كلمته خصومه السياسيين والمتظاهرين المناهضين لمسيرته، ووجه انتقادات إلى ما وصفه بـ"النفوذ الإسلامي في بريطانيا" مقدما سلسلة من المطالب التي تستهدف ممارسات ومؤسسات مرتبطة بالمسلمين.
وتكشف المسيرة أيضا عن تباينات داخل اليمين البريطاني رغم تقاطع مواقف تياراته في ملفات مثل الهجرة، والهوية الوطنية، ومعاداة ما تعتبره "أسلمة" للمجتمع البريطاني.
فخطاب تينكوني لا يقتصر على الدعوة إلى تشديد سياسات الهجرة أو مواجهة التطرف، بل يقدم الإسلام نفسه باعتباره مشروعا سياسيا يسعى -وفق مزاعمه- إلى إقامة "خلافة" في بريطانيا والوصول إلى السلطة، وهو ما يجعله أكثر صراحة في طرح مخاوفه بشأن ما يسميه "تمكين المسلمين".
ويختلف ذلك في الأسلوب عن الخطاب السياسي السائد داخل حزب الإصلاح البريطاني (Reform UK) بزعامة نايجل فاراج، وكذلك عن الخطاب الذي يتبناه تومي روبنسون أحد أبرز وجوه اليمين المتطرف في البلاد، وإن كانت هذه التيارات تتقاطع في مهاجمة المهاجرين والتعددية الثقافية وتواصل التحذير من التطرف.
وحسب المصادر المفتوحة، تأسس حزب "يو كيه آي بي" عام 1993، وكان من أبرز القوى السياسية التي دعت لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ويُصنَّف عادة ضمن اليمين الشعبوي أو القومي، وقد تراجع نفوذه الانتخابي بعد الخروج في ما عرف باتفاقية " بريكست" وركز الحزب لاحقا على قضايا الهجرة والهوية الوطنية.
وسبق أن فرضت الشرطة قيودا على عدد من تحركات الحزب منذ أن تزعمه تينكوني عام 2025، بينها منع مسارات محددة لمظاهراته أو إلغاء مسيرات بسبب "مخاوف من اضطرابات خطيرة".
وفي السياق نفسه، قالت سابي دالو الرئيسة المشاركة لمنظمة "لنقف ضد العنصرية" (Stand up to Racism) -للجزيرة نت- إن تينكوني وحزبه تعرضا لـ"إذلال كامل" وسط لندن، وإن أعداد مناهضي الفاشية فاقت أعداد المشاركين في مسيرة "لا للشريعة" بشكل كبير.
وأضافت دالو أن تينكوني حاول منع تصوير المسيرة، معتبرة أن ما حدث يحمل من وجهة نظرها "درسا مهما" يتمثل في ضرورة الحشد والتعبير عن المعارضة والوقوف في وجه العنصرية والفاشية.
ويأتي تصريح دالو في أعقاب احتكاكات وقعت خلال مسيرة "لا للشريعة" والمسيرة المناهضة لها، بينها محاولات منع صحفيين من التصوير، في مشهد عكس حجم التوتر بين الطرفين.
وفي الجهة المقابلة، احتشد مناهضون للمسيرة وصفوها بـ"الفاشية" و"العنصرية" في تحرك مضاد دعت إليه منظمة "لنقف ضد العنصرية". وقالت إحدى المشاركات للجزيرة نت إن وجودها بالمكان مرتبط بضرورة عدم ترك اليمين المتطرف يتحرك من دون مواجهة شعبية ومنعه من اكتساب الثقة في الشارع عبر إظهار أن معارضيه "أكثر عددا".
وقالت المتظاهرة "كلما خرج الفاشيون إلى الشوارع، علينا أن نخرج لمواجهتهم" مضيفة أن الهدف هو إظهار أن من يرفضون خطاب اليمين المتطرف يجب ألا يكونوا معزولين أو خائفين.
من جانبه، قال متحدث باسم مجلس مسلمي بريطانيا "إن سي بي" (MCB) للجزيرة نت إنه "لا وجود لحملة لفرض الشريعة الإسلامية في بريطانيا" معتبرا أن تنظيم مسيرة على أساس "تهديد وهمي" لا يؤدي إلا إلى تأجيج الانقسام وبناء منصة سياسية عليه.
واتهم المتحدث "حزب استقلال المملكة المتحدة" وزعيمه بأنهما "يؤديان دور القوى الأجنبية" من خلال إضعاف البلاد عبر الانقسام ونشر ما وصفه بالمعلومات المضللة. وأشاد بالمشاركين في الاحتجاج المضاد وبالسكان المحليين، قائلا إنهم وقفوا من أجل "الوحدة والاحترام المتبادل".
ومن جانبه، قال عدنان حميدان رئيس المنتدى الفلسطيني في لندن -للجزيرة نت- إن مسيرات "لا للشريعة" تقوم في جانب كبير منها على "سرديات مضللة ومخاوف مبالغ فيها من الإسلام". وشدد على أنها تلتقي أحيانا مع خطاب أوسع يستهدف المسلمين وقضاياهم، معربا عن قلقه من "تنام مقلق لليمين المتطرف" ومحاولاته تضخيم الخوف من الإسلام.
وفي رسالة إلى سكان ماريليبون وهايد بارك، أقرت الشرطة البريطانية بأن الإعلان عن موقع مظاهرة "لا للشريعة" أثار "قلقا نفسيا" لدى المجتمع، خصوصا من شعروا بأنهم مستهدفون بالخطاب المرتبط بالموقع، مع تأكيد انتشارها الأمني في "إدجوير رود" لمنع أي خروج عن المسار المحدد.
وردا على أسئلة الجزيرة نت بشأن الإجراءات الأمنية، أشارت شرطة العاصمة إلى بياناتها المنشورة بشأن القيود المفروضة على المسيرة، ورفضت الإفصاح عن عدد عناصر الشرطة المشاركين في تأمين الاحتجاجين، أو عن حجم الموارد المالية التي خصصت للعملية الأمنية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة