آخر الأخبار

"الطاهي يقتل.. الكاتب ينتحر".. حين تصبح الكتابة مطبخا لإعادة ترتيب فوضى العالم

شارك

في كتابةٍ عابرةٍ للأجناس، عصيّةٍ على التصنيف، وفي تقاطعٍ نادرٍ بين الحواس واللغة، يقدّم الكاتب المصري عزت القمحاوي في كتابه "الطاهي يقتل.. الكاتب ينتحر"، نصًا يتجاوز حدود المقالات النقدية التأملية ليقترب من سيرة فكرية تتأسّس على الذاكرة والتجربة والذائقة معًا.

هنا تنبثق الكتابة بوصفها فعلًا حيًا يسير ببطء إلى جوار الإبداع في مطبخ الحياة، حيث تتجاور التأملات مع الإحساس، وتُعاد صياغة اللغة والأزمنة في نصوص تُطهى على نار التجارب الهادئة وتُقرأ بشهية الروح.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 كيف يشترك تاريخ أمريكا وإسرائيل في إبادة السكان الأصليين؟
* list 2 of 2 من أندلس التسامح إلى تحديات الهجرة.. كتاب يفكك شفرات الحوار الديني في حوض المتوسط end of list

يقوم الكتاب على فكرة تبدو للوهلة الأولى طريفة وغريبة، لكنها سرعان ما تنكشف بوصفها مشروعًا فكريًا متماسكًا، يعقد صلة بين عالمين يبدوان متباعدين: الكتابة والطهي.

ويمضي القمحاوي إلى ما هو أبعد من مجرد التشابه البلاغي والطباق اللغوي الفضفاض، فيبني علاقة عميقة تجعل من المطبخ امتدادًا للورقة، ومن الحكاية امتدادًا للرائحة، ومن الحواس مدخلًا لفهم اللغة ذاتها. وضمن هذا الأفق، تتخذ الكتابة هيئة تجربة حسية معيشة، تتقاطع فيها الذاكرة مع الجسد، ويغدو الإبداع طريقة لإعادة اختبار العالم وصياغته من جديد.

الكتابة والطهي توأم الحواس والخيال

منذ الصفحات الأولى ينفتح النص على عالم الطفولة حيث تختلط روائح الطعام بأصوات الحكايات، فتتشكل في الذاكرة الأولى بنية مركّبة تذيب الفاصل بين ما يُعاش وما يُروى. وتأتي هذه العودة بوصفها تأسيسًا لرؤية ترى أن الإبداع يولد من تلك المنطقة الهشّة بين التجربة والذاكرة، وفي هذا السياق يستعيد القمحاوي لحظة مفصلية في تجربته حين يقول:

"اكتشفت أن الكتابة والطبخ توأم أشرق على روحي في لحظة واحدة، ومنذ تلك اللحظة لم يعد أيّ منهما منفصلًا عن الآخر في تجربتي، بل صارا معًا أساسًا لفهمي للحياة والإبداع"،

فتغدو هذه الجملة المفصلية مفتاحًا تأويليًا يضيء مشروع الكتاب كله، حيث يبدو الإبداع امتدادًا طبيعيًا للحياة اليومية بكل تفاصيلها البسيطة.

إعلان

ينطلق القمحاوي من فرضية بسيطة في ظاهرها: توازن العناصر داخل الطبق يقابله انسجام عناصر النص الأدبي، وتتسع هذه الفكرة لتعيد تعريف الإبداع باعتباره تجربة إنسانية مركّبة تتداخل فيها المعرفة مع الحس والتقنية مع الحدس والذات مع الآخر. فالطبخ، كما يقدّمه فعل علاقة ووسيلة تواصل وأداة لبناء الروابط داخل المجتمع.

ومن هذا المنظور يكتسب الجمع بين الطعام والحكاية بعدًا يتجاوز الفردي إلى أفق ثقافي أوسع، حيث "سيظل وقت الطبخ وتناول الطعام وقتًا للحكاية، وسيظلان معًا من أهم مقومات التماسك الاجتماعي لدى أي جماعة بشرية"، ليكتشف القارئ هذا النظام الرمزي والتوظيف الذكي للعبة المتناقضات التي تجعل من المائدة فضاءً للسرد، ومن السرد وسيلة لإشباع الحاجة إلى المعنى، في توازٍ دقيق بين غذاء الجسد وغذاء الخيال والروح.

مصدر الصورة يعقد الكاتب المصري المتميز عزت القمحاوي صلة بين عالمين يبدوان متباعدين: الكتابة والطهي (الجزيرة)

ويمتد هذا التصور والتأمل الفكري المقصود كلما تعمقنا أكثر في الكتاب، إلى مستوى أدق حين يميّز القمحاوي بين "النيء" و"المطبوخ"، بوصفهما حالتين ماديتين وجماليتين في آن. فالنص البسيط "كالسندويتش" يلبّي حاجة مباشرة ويؤدي وظيفة محدودة، بينما العمل الإبداعي العميق الناضج والمطبوخ على نار هادئة يمرّ بتحولات مركّبة تجعله قادرًا على مخاطبة الحواس والوعي معًا.

وفي هذا السياق يقول: "الفواكه والخضراوات النيئة أو المطبوخة ببساطة تمثل نصوصًا ساذجة لا تتجاوز إشباع الجوع. أما الطبخ الحقيقي فيخاطب الحواس كلها، ويخلق طبقات من المعنى تشبه تلك التي نجدها في العمل الأدبي المركب"، كاشفًا عن وعي نقدي يحوّل التجربة الحسية إلى أداة لفهم بنية النص وتعقيداته.

"الفواكه والخضراوات النيئة أو المطبوخة ببساطة تمثل نصوصًا ساذجة لا تتجاوز إشباع الجوع. أما الطبخ الحقيقي فيخاطب الحواس كلها، ويخلق طبقات من المعنى تشبه تلك التي نجدها في العمل الأدبي المركب"

الطاهي يقتل.. الكاتب ينتحر

يحمل عنوان الكتاب مفارقة صادمة، تفتح باب التأمل في طبيعة الخلق الفني. ويكشف القمحاوي من خلالها أن الإبداع، في جوهره، فعل تحويل جذري ينطوي على قدر من الفقد، بل هو في الأساس يقوم على ثقافة نكران الذات.

فالطاهي، وفق هذه الرؤية، يمارس فعلًا يقوم على تفكيك الكائن الحي وإعادة تركيبه داخل بنية جديدة، في عملية تُحوّل الحياة إلى شكل آخر، لأن "ما يصنعه الطباخ هو استدراج الأشياء الحية إلى مطبخه، وتقطيعها وسبكها بالنار ليخلق منها طبقًا جديدًا. إنه في الحقيقة يقبض الأرواح ليصنع منها أشباحًا، ويعيد تشكيلها في صورة أخرى"، وهي صورة واستعارة ذكية تكشف أن الطهي يمرّ بلحظة فناء تسبق الخلق، قبل أن تنبثق حياة جديدة في هيئة مغايرة.

أما الكاتب، فيتخذ مسارًا أكثر خفاءً لكنه لا يقل حدّة، إذ يتعامل مع ذاته بوصفها المادة الأولى للكتابة، حيث إن" الرافد الأساسي لنهر الرواية هو روح الكاتب نفسه، فهو يوزعها على شخصياته وأحداثه دون أن يترك أثرًا مباشرًا له. وكلما نجح في ذلك أكثر، كان أقرب إلى فن حقيقي يقوم على إخفاء الذات لا إعلانها"، وهي فكرة تفتح أفقًا يرى الكتابة فعل استنزاف جميل، تتوزع فيه الذات داخل النص حتى تكاد تتلاشى.

إعلان

وعند هذه النقطة يصبح حضور الكاتب مرهونًا بقدرته على الغياب، ويغدو الإبداع تضحية رمزية يكتمل بها النص. ومن هذا المنظور يمكن فهم الكتابة بوصفها فعل محوٍ وتحوّل، تتشكل فيه الذات من جديد داخل نسيج اللغة والأفكار، بعد أن تكون سكبت ومرت وطبخت على نار التجارب الهادئة.

الرواية والخبز ضد الوجبات السريعة

يواصل القمحاوي بناء منظومته الاستعارية حين يقارب بين الرواية والخبز، وبين الشعر والحلوى، في محاولة واعية لإعادة ترتيب القيم الجمالية داخل الأدب. فالخبز، بوصفه غذاء يوميًا، يرمز إلى الاستمرارية والضرورة، بينما تمثل الحلوى لحظة منفلتة ومكثفة من المتعة، "إذا كانت الحلوى تمثل الشعر، فإن الخبز هو الرواية، نثر الحياة وسلطتها اليومية. فالإنسان يستطيع الاستغناء عن الحلوى، لكنه لا يستطيع الاستغناء عن الخبز الذي يرافقه في كل لحظاته"، وفي كل وجباته وحياته.

مصدر الصورة تحتل الرواية قلب التجربة الإنسانية بوصفها الشكل الأكثر التصاقًا بالحياة اليومية (الجزيرة)

وبهذا التصور، تحتل الرواية قلب التجربة الإنسانية بوصفها الشكل الأكثر التصاقًا بالحياة اليومية، وترتبط هذه المكانة بشرط النضج، إذ ينتقد القمحاوي في أكثر من موقع من الكتاب تصريحا وتلميحا، النصوص التي تُنتج على عجل، مشيرًا ضمنيًا إلى تشابهها مع الوجبات السريعة التي تُشبع لحظة عابرة دون أن تترك أثرًا عميقًا في الإنسان.

المعرفة التقنية وفق كتاب القمحاوي، مهما بلغت تحتاج إلى حس داخلي يلتقط اللحظة المناسبة، ذلك أن "المهم في الطبخ والكتابة هو معرفة لحظة النضج

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم النضج بوصفه معيارًا نقديًا أساسيًا، حيث يُقاس العمل الأدبي بقدرته على التحوّل عبر الزمن. ويتعزز هذا التصور برؤيته للواقعية، إذ يمنح القيمة للأدب القادر على إعادة تشكيل الواقع وابتكاره وليس استنساخه حرفيا، حيث يقول: "مصطلح الواقعية لا ينطبق إلا على الروايات الرديئة التي تكتفي بنسخ الواقع كما هو. أما الروايات الجيدة فهي خيالية بالضرورة، لأنها تعيد تشكيل العالم بدل أن تكرره"، وكأنه يسترجع ويستحضر قول العرب قديما "أعذب الشعر أكذبه."

لحظة التوازن الدقيقة

في قلب هذه الرؤية يبرز الحدس بوصفه العنصر الأكثر حساسية وحسمًا في آن. فالمعرفة التقنية وفق كتاب القمحاوي، مهما بلغت تحتاج إلى حس داخلي يلتقط اللحظة المناسبة، ذلك أن "المهم في الطبخ والكتابة هو معرفة لحظة النضج، فهي لحظة دقيقة وحاسمة.

قبلها يكون العمل نيئًا، وبعدها يبدأ في التدهور، لذلك يحتاج المبدع إلى حدس مرهف لالتقاطها"، وتختزل هذه الرؤية فهمًا دقيقًا للإبداع بوصفه عملية زمنية دقيقة، تتطلب توازنًا بين الانتظار والتدخل، والإنصات إلى الإيقاع الداخلي للعمل.

وفي هذا الإطار، يعيد عزت القمحاوي النظر في مفهوم الإلهام، فيراه تبسيطًا مخلًا لتجربة معقدة، ويؤكد أن الإبداع ثمرة تراكم طويل من الشغف والخبرة والجهد، لذلك يؤكد في متن كتابه أن "استمرار إلقاء مسؤولية النص على قوى خارقة هو وهم مريح، لكنه مضلل. فالإبداع الحقيقي يقوم على الشغف والجهد والخبرة، لا على انتظار وحي لا يأتي"

مصدر الصورة يعيد القمحاوي النظر في مفهوم الإلهام، فيراه تبسيطًا مخلًا لتجربة معقدة (الجزيرة)

إعادة ترتيب الفوضى

لا يتوقف الكتاب عند حدود المقارنة بين الأدب والحياة، بل يتجاوزها إلى أفق أرحب، حيث تُعاد صياغة العلاقة بين الفن والحياة بوصفها سعيًا دائمًا نحو الانسجام. فكل فعل إبداعي هو محاولة لإعادة ترتيب الفوضى، سواء في طبق الطعام أو في النص الأدبي، وهنا، يلتقي تصور القمحاوي مع ما عبّر عنه فريدريش نيتشه بقوله " ينبغي للمرء أن يحمل في داخله فوضى، لكي يتمكن من إنجاب نجمة راقصة"، إذ يكشف هذا المعنى عن جوهر العملية الإبداعية بوصفها تحويلًا للاضطراب الداخلي إلى شكل من أشكال الجمال المتوازن.

إعلان

ومن هنا يصبح الفن وسيلة للفهم قبل أن يكون أداة للتعبير، لأن "الانسجام هو طموح كل فن، من أكبر الأعمال إلى أبسطها. وكل حركة في الحياة تبدأ من عدم الانسجام وتسعى إلى تحقيقه، ولذلك كان الفن هو التعبير الأسمى عن هذا السعي"

وتتسع هذه الرؤية لتشمل تجارب إبداعية عالمية كبرى، حيث يستحضر القمحاوي نماذج مثل نجيب محفوظ وخورخي لويس بورخيس ومارسيل بروست، الذين نجحوا في تحويل تجاربهم الفردية إلى نصوص تمس الإنسان في كل مكان، وتعيد تشكيل وعيه بالعالم، كما يستحضر القمحاوي بالتوازي كبار الطهاة مثل امبريل لاجاسي وجيمي أوليفر ونادية حسين، ولكنه يعود دائما إلى مطبخ العظمة وتميمة التمائم "ألف ليلة وليلة".

الحياة نصًا قابلا للقراءة

في المحصلة، يقدّم كتاب "الطاهي يقتل.. الكاتب ينتحر" تجربة فكرية وأدبية تعيد اكتشاف معنى الإبداع بوصفه فعلًا يوميًا متجذرًا في تفاصيل العيش. فهو يكشف الكتابة كطريقة لرؤية العالم، تتحول فيها التفاصيل الصغيرة إلى مفاتيح لفهم أعمق للحياة.

وتتجلى قيمة العمل كذلك في أسلوب تقديمه الذكي، إذ يفتح القمحاوي نصه أمام القارئ بوصفه تجربة تُعاش ويدعوه تلميحا بين السطور إلى تذوقها ببطء، كما يُتذوق طبق أُعدّ بعناية، هنا تتقاطع متعة القراءة مع متعة التذوق، ويغدو النص أثرًا يلامس الروح كما يلامس الطعام الجيد الجسد.

وفي هذا المستوى من التفاعل، يتحول القارئ إلى شريك في التجربة، يعيد من خلالها النظر في معنى الكتابة، وربما في معنى الحياة نفسها، وهنا يكتسب ما قاله مارسيل بروست دلالته العميقة "رحلة الاكتشاف الحقيقية لا تكمن في البحث عن مناظر جديدة، بل في امتلاك عيون جديدة"، إذ يغدو النص تجربة تعلّم القارئ كيف يرى العالم من جديد، وتمنحه قدرة متجددة على اكتشافه من زاوية مختلفة، هي زاوية الإبداع ولا ريب.

فالنص المتقن، كوجبة متوازنة، يُعاد اكتشافه وتذوقه مع كل قراءة، ويظل مفتوحًا على تأويلات متعددة، تمامًا كما تظل الحياة، في عمقها، نصًا قابلًا للقراءة مع كل فجر تجربة تبزغ من جديد.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار