في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تمثال ذهبي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقبضة مرفوعة فوق القاعة الكبرى، وأحرف "TRUMP" تواجه خليج بيسكين (في ميامي) بحجم يُنافس أفق شيكاغو. لكن لا كتب، ولا وثائق، ولا أجهزة حاسوب، ولا قاعة بحث واحدة.
هذا ما أظهرته التصاميم التي نشرها إريك ترامب الأسبوع الماضي لما وُصف بأنه مشروع "مكتبة رئاسية"، والرئيس نفسه أوضح أن المبنى سيضم "على الأرجح" فندقًا وربما مكاتب، في اعتراف صريح بالطبيعة التجارية للمشروع. يرى هنري غرابار، في مراجعة نقدية نشرتها مجلة "ذا أتلانتيك" (The Atlantic) الأمريكية، أن هذا البرج يمحو آخر خط فاصل بين الرئاسة والإمبراطورية التجارية لعائلة ترامب.
تُوصف ناطحات السحاب عادة بأنها طريقة لتبرير ثمن الأرض المرتفع. ومشروع مكتبة أو برج ترامب الرئاسي -ناطحة سحاب زجاجية من خمسين طابقًا في قلب ميامي- ربما يكون أنجح نموذج لهذه القاعدة، بميزانية تفوق ما يحلم به أي مطور عقاري.
قصة الأرض وحدها تستحق التوقف. نقلت كلية "ميامي ديد" قطعة أرض على شارع بيسكين الرئيسي تتجاوز قيمتها مئة مليون دولار إلى ولاية فلوريدا، في صفقة وصفها أحد رؤساء الكلية السابقين بأنها "لا تُتصوَّر". ثم مررت الولاية الأرض إلى مؤسسة المكتبة الرئاسية مقابل 10 دولارات (نحو 10 دولارات) فقط. استغرق الحاكم رون ديسانتيس ستة أشهر لإتمام نقل ملكية موقف سيارات وسط المدينة إلى نجل الرئيس بهذا المبلغ الرمزي.
ثمة أسباب عدة لضخامة البرج. أولها المنافسة المباشرة مع مركز باراك أوباما الرئاسي الذي يُفتتح هذا الصيف في شيكاغو. لكن الكاتب يطرح سببًا أعمق بعبارة لاذعة: البناية "ضريح لشرط المكاسب المالية ولتقليد عدم التربح من الرئاسة، ضريح واسع بما يكفي ليحتوي عشرات الطوابق القابلة للتأجير".
معماريًا، يُلاحَظ تناقض طريف. التصميم يتخلى عن الكلاسيكية الجديدة التي فرضتها أوامر ترامب التنفيذية على العمارة الفدرالية، ويعود إلى ناطحات السحاب الزجاجية الحداثية التي عرفها ترامب المطور العقاري قبل دخوله السياسة.
المكتب المعماري المكلف هو "بيرميلو أجاميل آند بارتنرز" (Bermello Ajamil & Partners) المتخصص بالفنادق في ميامي، وهو اختيار متواضع لمبنى بهذا الحجم، ويعلق غرابار بأن "هذا الرئيس لم يكن ليقبل قطعة معمارية تجريبية من طراز ما أسماه خصومه مسلة أوباما".
والقمة المضلعة والجوانب تستحضر مركز التجارة العالمي الواحد في مانهاتن، ويستدرك الكاتب "لكن بزجاج برج ترامب القاتم: مهاجر نيويوركي يضع نظارة شمسية".
والأشد إثارة للسخرية ليس البرج بل طريقة تقديمه. الفيديو الترويجي الذي نشره إريك ترامب يحمل كل سمات المحتوى المولد بذكاء اصطناعي رخيص، بما في ذلك ما يصفه غرابار بـ"الشعور بأنه لا يستحق انتباهك أكثر من ست ثوانٍ".
التصاميم أخطأت في إملاء كلمتي "Presidential" و"Library" بالإنجليزية. وعرضت البرج النحيف جاثمًا فوق قاعدة ضخمة تتسع بطريقة ما لطائرة بوينغ 747 كاملة، ولمجموعة طائرات أخرى، ولنسخة من قاعة احتفالات البيت الأبيض، كل ذلك جنبًا إلى جنب.
مؤسسة يُفترض أن تحرس السجل الرئاسي تعجز عن كتابة اسمها بشكل صحيح. ربما هذه التفصيلة وحدها هي الأكثر دلالة في المشروع كله.
الوظيفة الأساسية لأي مكتبة رئاسية أمريكية هي حفظ الوثائق وإتاحتها للمواطنين والباحثين والأجيال القادمة. في مشروع ميامي، تبدو هذه الوظيفة فكرة طرأت لاحقًا، إن طرأت أصلاً.
بدلاً من أرشيفات أو معروضات، يقدم التصميم الأحرف العملاقة والتمثال الذهبي. في زمن متخيّل يحمل فيه مطار دولي اسم ترامب، ويظهر وجهه على العملات المعدنية وتوقيعه على الأوراق النقدية، لم يعد مستغربًا أن تتحول المكتبة الرئاسية إلى برج فندقي.
أقرب ما في التصميم إلى قطعة تاريخية هو سلم كهربائي ذهبي ينزل إلى البهو، نسخة من السلم الذي أعلن عليه ترامب ترشحه عام 2015. يتوقع غرابار أن يصبح نقطة جذب لصور السيلفي.
وبالنسبة الموقع الإلكتروني للمكتبة فإنه يضم ثلاثة أزرار فقط: "اتصل بنا" و"تبرع" وزر ثالث لتبرعات تفوق 10 آلاف دولار. قائمة الأسئلة الشائعة تضم سبعة أسئلة، جميعها عن التبرعات. لا سؤال واحد عن كتاب أو وثيقة أو معرض.
ويستدعي غياب الكتب عن المكتبة جدلا آخر، فقد كان قرار الرئيس الأمريكي منتصف العام الماضي، إقالة كارلا هايدن من منصبها كأمينة مكتبة الكونغرس قد أثار جدلاً واسعًا، نظرًا لما تمثله هايدن من رمزية تاريخية، بوصفها أول امرأة وأول أمريكية من أصل أفريقي تتولى هذا المنصب منذ تأسيس المكتبة عام 1800.
وتعد مكتبة الكونغرس أكبر مكتبة في العالم، حيث تضم أكثر من 170 مليون مادة، بما فيها الكتب والمخطوطات والخرائط والتسجيلات الصوتية والأفلام. تأسست المكتبة بقرار من الرئيس جون آدامز عام 1800، وكان من أبرز محطاتها التاريخية اقتناء مجموعة توماس جيفرسون الخاصة بعد حريق عام 1814، ما أسهم في توسيع نطاقها لتشمل جميع مجالات المعرفة، وليس فقط ما يخدم المشرعين.
يختم غرابار بقراءة سياسية. مشروع المكتبة سينقل جزءًا من هيبة الرئاسة إلى فلوريدا حين يغادر ترامب منصبه، ويقول الكاتب: "سيظل المبنى فندقًا ومكاتب تديرها عائلة ترامب، موّله مانحو الرئيس، على أرض بواجهة بحرية اشتراها نجله بنحو 10 دولارات".
والمعادلة بسيطة إن نجح المشروع سياسيًا فهو امتداد للرئاسة، وإن أخفق فهو صفقة عقارية من الطراز الأول. الخسارة مستحيلة في الحالتين. وربما هذا هو الدرس الوحيد الذي تحفظه هذه المكتبة التي بلا كتب.
المصدر:
الجزيرة