تقدِّم هذه الورقة قراءة تحليلية لانخراط جماعة الحوثيين في الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وذلك في سياق نمطٍ أوسع تتبنَّاه طهران في إدارة الصراع، يقوم على تعدد الإستراتيجيات وتداخلها، بما يتيح لها توسيع نطاق المواجهة وتوزيع أعبائها عبر مسارح عمليات مختلفة.
وانطلاقًا من ذلك، تنتقل الورقة إلى تحليل جبهة الحوثيين، بوصفها حالة خاصة داخل هذه المنظومة؛ حيث تتقاطع فيها اعتبارات الارتباط بإيران مع أولويات محلية وحسابات داخلية؛ الأمر الذي يفضي إلى تباين في تقدير توقيت الانخراط في الحرب وحدوده، ويعكس تعارضًا نسبيًّا بين الإرادات داخل الجماعة بشأن طبيعة هذا الدور.
كما تستشرف الورقة الأثر الإستراتيجي المحتمل لدور الحوثيين، لاسيما في المجال البحري، في ضوء موقعهم الجغرافي الحاكم لممرات ملاحية حيوية، وذلك من خلال طرح مجموعة من السيناريوهات التي تُفصِّل أنماط هذا الدور، وأدواته، وحدود تأثيره، وصولًا إلى خاتمة استخلاصية ترصد دلالات هذا الانخراط في سياق الصراع الإقليمي الأوسع.
خلال الأسابيع الأربعة الأولى من الحرب التي اندلعت بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، في 28 فبراير/شباط 2026، اتجهت طهران إلى إدارة المواجهة عبر مصفوفة متداخلة من الإستراتيجيات، تصدَّرتها إستراتيجية الصمود والردع، التي تقوم على امتصاص الضربات الأولى، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، مقابل توسيع نطاق الرد بصورة تدريجية ومدروسة.
وتندرج ضمن هذه المقاربة إستراتيجية "الضغط متعدد الجبهات"، بوصفها الأداة الأكثر ديناميكية في إدارة الصراع؛ إذ تتيح نقل المواجهة من إطارها المباشر إلى مسارح عمليات متعددة، بما يفضي إلى تشتيت قدرات الخصم، وإرهاق منظوماته الدفاعية، وفرض إيقاع عملياتي غير مستقر.
وفي هذا السياق، لا تقتصر أهمية هذه الإستراتيجية على بعدها العسكري بل تمتد إلى إعادة صياغة بيئة الصراع نفسها عبر نقله إلى ميادين غير مألوفة، بحيث يجري القتال وفق شروط الطرف المدافع، لا المهاجم.
ولتفعيل هذه الإستراتيجية، اعتمدت إيران على شبكة من الجماعات المسلحة الإقليمية الموالية لها، التي عملت على بنائها وتطويرها خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها حزب الله في لبنان، وقوات الحشد الشعبي في العراق، وجماعة الحوثيين في اليمن..
وقد أُسندت إلى كلٍّ من هذه الأطراف مهام قتالية محددة، من حيث التوقيت والمجال الجغرافي، نُفِّذت منفردةً أو بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية والحرس الثوري.
ويأتي هذا التوظيف امتدادًا لإستراتيجية الدفاع المتقدِّم، التي انتهجتها إيران منذ نهاية حربها مع العراق (1980-1988)، والتي شكَّلت هذه الجماعات أحد أهم تجلياتها الإقليمية(..
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة العمليات المشتركة، مثل الهجوم على تل أبيب وحيفا، في 2 أبريل/نيسان 2026، ضمن موجة الهجمات الإيرانية رقم (91)، بوصفها مؤشرًا على مستوى التنسيق العملياتي بين هذه الأطراف، وعلى طبيعة الأدوار المتكاملة التي تؤديها.
ورغم تواضع القدرات التسليحية لهذه الجماعات مقارنة بالإمكانات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، فإنها نجحت، بدرجات متفاوتة، في إرباك منظومات الدفاع، ونقل المواجهة إلى ساحات محلية وإقليمية لم تكن تقليديًّا ضمن نطاق الاشتباك المباشر.
كما تجاوزت، في أدائها الحالي، حدود الدور الذي اضطلعت به خلال مرحلة إسناد غزة (2023-2025)، مع اتجاهٍ متصاعد نحو إدخال ساحات أكثر حساسية في الصراع، وفي مقدمتها البحر الأحمر وخليج عدن.
ويعكس هذا النمط من الانخراط ملامح دور مركَّب لهذه الجماعات، لا يقتصر على الضغط الناري، بل يمتد إلى الضغط النفسي، واستنزاف القدرات الدفاعية للخصوم، وتشتيت مواردهم، بما يحدُّ من قدرتهم على تركيز القوة في جبهة واحدة.
وفي الوقت ذاته، يفتح هذا الانخراط المجال أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة بين هذه الجماعات وإيران، وما إذا كانت تقوم على تبعية كاملة أم على شراكة إستراتيجية تحكمها اعتبارات المصلحة المتبادلة.
وعلى مستوى توزيع الأدوار، يَبرز نمط شبه وظيفي في انخراط هذه الجماعات في الحرب.
فقد تصدَّر حزب الله جبهة الضغط المباشر على إسرائيل، مستفيدًا من موقعه الجغرافي وقربه من مسرح العمليات الرئيس، وقدرته على إحداث تأثير فوري في العمق الإسرائيلي منذ الأيام الأولى للحرب ويعكس استهدافه مواقع حساسة، مثل منظومات الدفاع الصاروخي جنوب حيفا، طبيعة هذا الدور، الذي يجمع بين البعد العملياتي والدافع الرمزي المرتبط بسياق المواجهة مع إسرائيل، خاصة في ضوء التهديدات السابقة المرتبطة بحماية القيادة الإيرانية.
في المقابل، اضطلعت قوات الحشد الشعبي بدور استنزافي داخل الساحة العراقية، من خلال استهداف القواعد والمواقع العسكرية الأمريكية، سواء في الأنبار أو في محيط بغداد، إضافة إلى توسيع نطاق العمليات ليشمل إقليم كردستان.
ولا يرتبط هذا الدور فقط بعامل الجوار الجغرافي بل بطبيعة العراق بوصفه ساحة تتقاطع فيها إستراتيجيات متعارضة، وتُختبر فيها حدود التصعيد بين الأطراف المختلفة.
وبذلك، تحوَّل المسرح العراقي إلى مجال لتبادل الرسائل والضغوط، أكثر من كونه جبهة حسم عسكري، وهو ما انعكس في وضع الوجود الأمريكي فيه تحت تهديد مستمر، رغم محدودية التأثير العملياتي المباشر مقارنة بحجم الردود الأمريكية.
أما الحوثيون، فقد اتسم انخراطهم بالتأخر النسبي والحذر في بدايته؛ حيث اقتصر على استهداف إسرائيل دون توسيع نطاق العمليات إلى ساحات أخرى.
ويعكس هذا النمط خصوصية موقعهم داخل منظومة الحلفاء؛ إذ يتداخل فيه البعد الإقليمي مع اعتبارات محلية تتصل بالصراع في اليمن.
ومع ذلك، فإن دخولهم في مسار الحرب، حتى بهذا الشكل التدريجي، مثَّل تفعيلًا رسميًّا لدورهم ضمن إستراتيجية الدفاع المتقدم الإيرانية، وانخراطًا فعليًّا في منظومة الضغط متعددة الجبهات. وتنبع أهمية هذا الدور من موقعهم الجغرافي، الذي يفتح المجال أمام توسيع نطاق الصراع إلى البحر الأحمر، بما يحمله ذلك من تهديدات محتملة للمصالح الإقليمية والدولية.
راوح خطاب الحوثيين، السياسي والإعلامي، المشحون بالتهديد والوعيد، طيلة الأسابيع الأربعة الأولى للحرب، بين التصعيد اللفظي والتحفظ العملي، على امتداد هرم القيادة، من عبد الملك الحوثي إلى القيادات الوسطية في المؤسسات الرسمية والإعلامية.
وجاء هذا التذبذب في سياق تعرُّض إيران لضربات واسعة استهدفت قدراتها العسكرية وأصولها الإستراتيجية، وهو ما أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة بين الحوثيين وطهران: أهي علاقة تبعية كاملة أم شراكة تحكمها حسابات المصالح وتقدير الكلفة والعائد؟
بحلول 27 مارس/آذار، أصدر الحوثيون بيانًا عسكريًّا تضمَّن التهديد بالدخول في الحرب، لكنه ربط ذلك بجملة من الشروط، منها انضمام أطراف أخرى إلى التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، أو استخدام البحر الأحمر وخليج عدن في عمليات عسكرية ضد إيران، أو استمرار العمليات العسكرية القائمة.
ورغم أن بعض هذه الشروط ظلَّ فضفاضًا وقابلًا للتأويل، فإن البيان شكَّل، عمليًّا، إطارًا مرنًا يتيح الانتقال إلى الانخراط الفعلي عند توافر الظرف المناسب.
ويعكس هذا الطرح وجود تباين داخلي في تقدير الموقف؛ إذ يمكن رصد اتجاهين داخل الجماعة: أحدهما يميل إلى تجنُّب الانخراط المباشر، انطلاقًا من اعتبارات محلية وبراغماتية، والآخر أكثر اندفاعًا نحو الاصطفاف الكامل مع إيران.
وقد بدا أن الكفة مالت سريعًا نحو الاتجاه الثاني، مع إعلان الجماعة، بعد ساعات من البيان، مسؤوليتها عن الهجمات التي استهدفت جنوبي إسرائيل، بوصفها أول مشاركة مباشرة لها في الحرب، وهو ما يعكس تغلُّب خيار التصعيد، سواء بدافع داخلي أو تحت تأثير السياق الإقليمي الضاغط.
وفي ما يتعلق بمحددات القرار قبل الانخراط، استند موقف الحوثيين إلى مؤشرات عامة صادرة عن القيادة الإيرانية، إلى جانب تصريحات لبعض قادة الحرس الثوري، أوحت بأن توسيع نطاق المواجهة سيظل خاضعًا لحسابات التوقيت والمصلحة، وليس اندفاعًا تلقائيًّا نحو التصعيد.
وفي هذا السياق، اقتصر خطاب المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، على الإشادة بمواقف الحلفاء، دون الخوض في تفاصيل أدوارهم، وهو ما يعكس ترك هامش تقدير لكل ساحة وفق خصوصياتها. وقد عزَّز هذا التوجُّه ما أظهره الحوثيون خلال مرحلة إسناد غزة من قدرة على التأثير، خاصة في عملياتهم في البحر الأحمر وخليج عدن، التي أسهمت في إرباك حركة الملاحة واستدعاء تفاعلات دولية مباشرة.
كما يرتبط وزنهم الإستراتيجي بتموضعهم الجغرافي، وسيطرتهم على شريط ساحلي طويل ذي حساسية عالية، يطل على ممرات ملاحية حيوية شمالي مضيق باب المندب، بما يمنحهم قابلية للعب دور يتجاوز الإطار المحلي إلى المجالين الإقليمي والدولي.
ولا يمكن فهم تأخر انخراط الحوثيين دون النظر إلى كلف المواجهة السابقة؛ إذ تكبَّدوا خلال مرحلة إسناد غزة خسائر كبيرة نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية، التي استهدفت بنى اقتصادية وخدمية وعسكرية، إضافة إلى خسارة قيادات حكومية بارزة، واستنزاف جزء مهم من مخزونهم من الأسلحة النوعية.
كما يرتبط هذا التريث بأولوية الصراع الداخلي في اليمن، الذي يظل، بالنسبة إليهم، ساحة الحسم الأساسية، ما يفرض عليهم إدارة مواردهم العسكرية بحذر، وتجنّب الانخراط في مواجهة واسعة قد تستنزف قدراتهم في توقيت يرون أنه غير مناسب.
ومن هنا، يمكن تفسير الطابع المحدود والحذر لهجماتهم الأولى على إسرائيل، بوصفه محاولة للجمع بين متطلبات الانخراط في الإستراتيجية الإيرانية، والحفاظ على هامش مناورة يخدم أولوياتهم المحلية.
لا يزال من المبكر إصدار تقييم نهائي للأثر الإستراتيجي لانخراط الحوثيين في جبهات الضغط الإيرانية، نظرًا لقِصر مدة هذا الانخراط، التي لم تتجاوز، حتى وقت كتابة هذه الورقة، عشرة أيام.
وخلال هذه الفترة، اقتصر نشاطهم على تنفيذ ثلاث هجمات باتجاه إسرائيل، واحدة بصورة منفردة، واثنتان ضمن تنسيق أوسع مع إيران وحزب الله، دون أن تستدعي، حتى الآن، ردًّا إسرائيليًّا مباشرًا. ويمكن تفسير هذا الغياب النسبي للاستجابة بعدة اعتبارات، من بينها محدودية الأثر العملياتي لهذه الهجمات مقارنة بكلفة التصعيد، أو تجنُّب دفع الحوثيين نحو توسيع نطاق عملياتهم، خاصة باتجاه البحر الأحمر، بما قد يفتح جبهة بحرية حساسة ترتبط مباشرة بأمن الملاحة الدولية في مضيق باب المندب، في وقتٍ يتزامن مع إغلاق إيران لمضيق هرمز، وما يفرضه ذلك من ضغوط مركَّبة على النظام البحري العالمي.
كما تميل بعض التقديرات الإسرائيلية إلى أن انخراط الحوثيين قد يظل، في المدى القريب، ضمن هذا السقف المحدود
غير أن القراءة الإستراتيجية الأوسع تشير إلى أن أهمية الدور الحوثي لا تكمن في حجمه الحالي، بل في وظيفته المحتملة ضمن بنية ضغط مترابطة تسعى إيران من خلالها إلى خلق حالة من "ترابط المضائق"، عبر الجمع بين هرمز وباب المندب في معادلة ضغط واحدة.
ويعني ذلك عمليًّا نقل الصراع من نطاقه العسكري المباشر إلى مستوى التأثير في الاقتصاد العالمي، عبر تهديد ممرات الطاقة والتجارة، وتوزيع الضغوط جغرافيًّا ووظيفيًّا، بما يضاعف كلفتها على الخصوم، ويحدُّ من قدرتهم على احتوائها في مسرح واحد.
ومع ذلك، فإن مسألة قدرة الحوثيين على إغلاق مضيق باب المندب لا يمكن التعامل معها بحكمٍ قاطع؛ إذ يمكن التمييز بين مستويين مختلفين من الإغلاق: إغلاق تكتيكي مؤقت، وإغلاق مستدام طويل الأمد. فمن الناحية العملياتية، لا يُستبعد أن يتمكن الحوثيون من تعطيل الملاحة لفترات محدودة، سواء عبر استهداف السفن أو إغراق إحداها في ممرات العبور الضيقة، وهو سيناريو له سوابق تاريخية، ويكفي لتحقيق أثر فوري في حركة الشحن. غير أن تحويل هذا التعطيل إلى إغلاق مستمر للمضيق يظل أكثر تعقيدًا، في ضوء القيود العسكرية والجغرافية وطبيعة التواجدات الدولية والإقليمية في محيطه.
وعليه، فإن التوصيف الأدق لدور الحوثيين يتمثل في الجمع بين القدرة على التعطيل المؤقت والقدرة على رفع مستوى المخاطر بشكل مستدام، وهو ما يجعل تأثيرهم يتجاوز الفعل العسكري المباشر إلى التأثير في حسابات الملاحة والتأمين. ففي بيئة بحرية شديدة الحساسية، لا يتطلب الأمر إغلاقًا كاملًا للممر بقدر ما يكفي التهديد المتكرر أو العمليات المحدودة لإعادة تسعير تكاليف الشحن والتأمين، بما ينعكس مباشرة على حركة التجارة الدولية وتدفقاتها.
وفي هذا السياق، يتحول البحر الأحمر إلى ساحة لـ"تسليع المخاطر"؛ حيث لا تُقاس فاعلية الهجمات بحجم الخسائر المباشرة، بل بقدرتها على رفع كلفة النقل والتأمين، وإجبار الشركات على تغيير مساراتها نحو طرق أطول وأكثر كلفة، كما حدث خلال تصعيد الحوثيين في مرحلة إسناد غزة.
وقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على اقتصادات دول حوض البحر الأحمر، وفي مقدمتها مصر، التي تكبَّدت خسائر كبيرة في إيرادات قناة السويس قُدِّرت بنحو 9 مليارات دولار؛ ما يُبرز كيف يمكن لفاعل غير دولتي أن يؤثر في أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
أما السعودية، فتواجه نمطًا مختلفًا من التهديد يتصل بإعادة توجيه تدفقات النفط. فتعطُّل أو تهديد الملاحة في الخليج، نتيجة إغلاق مضيق هرمز، دفع إلى تعزيز الاعتماد على مسارات بديلة، أبرزها خط أنابيب شرق-غرب، الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بطاقة تصل إلى نحو سبعة ملايين برميل يوميًّا، وقد أسهم في نقل نسبة كبيرة من الشحنات النفطية التي كانت تمر عبر هرمز. إلا أن هذا البديل نفسه يصبح عرضة للتهديد في حال توسُّع الدور الحوثي في البحر الأحمر، سواء عبر استهداف الموانئ أو ناقلات النفط، وهو ما يحوِّل هذا المسار من حلٍّ بديل إلى نقطة ضعف إضافية.
وبذلك، لا يقتصر الدور الحوثي على كونه أداة ضغط عسكرية، بل يمتد ليصبح جزءًا من معادلة أوسع في إعادة توزيع المخاطر على خطوط الطاقة والتجارة العالمية.
فمن جهة، يتيح لإيران تعويض جزء من خسائرها، ومن جهة أخرى، يمنح الحوثيين أنفسهم ورقة ضغط مزدوجة، إقليميًّا ضد خصوم إيران، ومحليًّا في سياق صراعهم مع الحكومة اليمنية. وفي هذا التداخل بين العسكري والاقتصادي، تتبلور القيمة الحقيقية لهذا الدور، بوصفه عنصرًا فاعلًا في تحويل الممرات البحرية من فضاءات عبور آمنة إلى أدوات ضغط جيوسياسي.
في ضوء موقع الحوثيين ضمن منظومة الضغط متعددة الجبهات، وطبيعة تموضعهم الجغرافي على أحد أهم الممرات البحرية العالمية، يمكن تصور دورهم البحري من خلال مسارين رئيسين للتصعيد، يختلفان من حيث مستوى الانخراط، وطبيعة الأهداف، وحجم الأثر الإستراتيجي.
يقوم هذا السيناريو على إعادة إنتاج نمط العمليات البحرية الذي اتبعه الحوثيون خلال مرحلة إسناد غزة، مع توسيعه جزئيًّا ليتناسب مع السياق الحالي.
ويشمل ذلك استهداف السفن المرتبطة بخصوم إيران، سواء أثناء عبورها مضيق باب المندب أو في امتداد البحر الأحمر، باستخدام مزيج من الأدوات، مثل الهجمات الصاروخية، والطائرات المسيَّرة، والعمليات غير المباشرة، بما في ذلك التهديد أو الاحتجاز أو محاولات الإغراق المحدودة.
كما قد يتخذ هذا النمط بُعدًا غير تقليدي، عبر فرض تكاليف غير رسمية على بعض السفن مقابل "مرور آمن"، بما يسهم في خلق بيئة طاردة للملاحة التجارية.
ويستند هذا السيناريو إلى منطق الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة؛ إذ يحقق تأثيرًا اقتصاديًّا ملموسًا دون استدعاء رد عسكري واسع النطاق.
وتزداد احتمالات تحققه في حال:استمرار الحرب ضمن مستواها الحالي دون توسع كبير.
دخول أطراف إضافية بشكل محدود في دعم العمليات ضد إيران.تعرُّض الحوثيين لضربات موضعية تدفعهم للرد دون التصعيد الشامل.
ويُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب، نظرًا لانخفاض كلفته العملياتية، وقدرته على تحقيق تأثير تراكمي في حركة التجارة، عبر رفع تكاليف التأمين، وإجبار بعض الخطوط الملاحية على تغيير مساراتها، دون الوصول إلى حدِّ تعطيلٍ شامل للممر البحري.
ينتقل هذا السيناريو من استهداف الملاحة إلى استهداف العقد اللوجستية للطاقة، من خلال توجيه ضربات إلى الموانئ على البحر الأحمر، مثل جازان وجدَّة الإسلامية وينبع، مع تركيز خاص على منشآت تصدير النفط والسفن المرتبطة بها.
ويهدف هذا النمط إلى تعطيل أو تقليص قدرة السعودية على استخدام البحر الأحمر بديلًا إستراتيجيًّا لمضيق هرمز، خاصة في ظل تفعيل خط أنابيب شرق-غرب.
ويستند هذا السيناريو إلى منطق نقل الضغط من الممرات إلى مصادر الطاقة نفسها، بما يعزز التأثير الاقتصادي المباشر، ويخلق تداخلًا بين أمن الطاقة وأمن الملاحة.
وتشير بعض المؤشرات الميدانية إلى قابلية هذا السيناريو، منها التحركات العسكرية في الساحل الغربي لليمن، والتأهب النسبي للقوات الحكومية، إلى جانب التحذيرات الأممية من انزلاق اليمن إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح.
ومع ذلك، فإن هذا السيناريو ينطوي على مخاطر تصعيد أعلى، نظرًا لاحتمال استدعائه ردودًا مباشرة من أطراف إقليمية ودولية؛ ما يجعله أقل ترجيحًا من السيناريو الأول، لكنه أكثر تأثيرًا في حال تحققه.
ولا تعكس هذه السيناريوهات مسارات منفصلة بالضرورة بل يمكن أن تتداخل تدريجيًّا؛ إذ قد يبدأ الانخراط الحوثي بنمط الإعاقة المحدودة قبل أن يتطور، في حال تغيرت بيئة الصراع، نحو استهدافات أوسع تمس البنية التحتية للطاقة.
ويعكس هذا التدرج طبيعة الإستراتيجية الإيرانية القائمة على التصعيد المرحلي المضبوط، وليس الانتقال الفوري إلى أقصى مستويات المواجهة.
تُظهر مجريات الحرب أن الإستراتيجية الإيرانية في إدارة الصراع لم تعد قائمة على المواجهة المباشرة وحدها بقدر ما ترتكز على توزيع الضغوط عبر مسارح متعددة، بما يسمح بإعادة تشكيل بيئة المواجهة وتوسيع نطاقها الجغرافي والوظيفي.
وفي هذا السياق، تندرج الجبهة اليمنية ضمن منظومة أوسع تُستخدم فيها الجغرافيا أداة تأثير، وليس مجرد مسرح عمليات.
ويكتسب انخراط الحوثيين أهميته من موقعه داخل هذه المنظومة؛ حيث يضيف بُعدًا بحريًّا إلى معادلة الصراع، ويُدخل أحد أهم الممرات التجارية العالمية ضمن نطاق التهديد المحتمل. ويترتب على ذلك انتقال تدريجي في طبيعة المواجهة، من صراع عسكري مباشر إلى صراع ممتد التأثير على تدفقات التجارة والطاقة، بما يرفع كلفته على مختلف الأطراف، ويعقِّد مسارات احتوائه.
وفي هذا الإطار، يتجاوز الدور الحوثي حدود العمليات العسكرية المباشرة، ليؤثر في معادلات الأمن البحري والاقتصاد الإقليمي، خاصة في ظل الترابط المتزايد بين مضيقي هرمز وباب المندب. ويؤدي هذا الترابط إلى مضاعفة الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية، وإعادة توجيه مسارات الطاقة والتجارة، بما ينعكس على أسعار النقل والتأمين، ويضع اقتصادات الدول المطلة على هذه الممرات أمام تحديات متزايدة.
وترتبط مآلات هذا الدور بطبيعة تطور الصراع نفسه؛ إذ يتيح التصعيد المحدود استمرار نمط الإعاقة الجزئية ورفع الكلفة، في حين يدفع اتساع نطاق المواجهة نحو استهدافات أعمق قد تشمل البنية التحتية للطاقة والموانئ.
ويعكس هذا التدرج نمطًا في إدارة الصراع يقوم على التصعيد المرحلي وإعادة توزيع أدوات الضغط وفق تطورات الميدان.
وبناءً على ذلك، تتجه أهمية الجبهة اليمنية إلى التزايد بوصفها إحدى نقاط التأثير الحساسة في معادلة الصراع، حيث تتقاطع فيها الاعتبارات العسكرية مع الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية.
ومع اتساع نطاق التهديد للممرات البحرية، يبرز احتمال تحوُّل البحر الأحمر من ممر عبور إلى مساحة تنافس إستراتيجي مفتوح، وهو تحول يحمل تداعيات تتجاوز الإقليم، ليمس استقرار النظام التجاري العالمي وتوازناته.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة