زار مصر في رمضان رحالة كثيرون من المسلمين والأجانب عبر أزمنة متفرقة، وأغرقوا جميعهم في وصف عادات المصريين وتقاليدهم. منهم ابن بطوطة، وابن الحاج، وابن جبير، وناصر خسرو.
ومن الرحالة الأجانب الأب فيليكس فابري الذي زار مصر عام 1483، وقدم كتابا بعنوان "الرحلة في مصر" (Voyage en Égypte)، وسجل فيه أول ليلة له بشوارع القاهرة وهي تتلألأ بأنوار المشاعل والفوانيس، وترجمه إلى الفرنسية جاك ماسون نقلا عن الأصل اللاتيني لفابري. ومثله كتب الرحالة وبرنارد فون برايدنباخ عن ليالي رمضان بالقاهرة منتصف القرن الخامس عشر.
وكان رمضان من أبرز ما جذب أنظار علماء الحملة الفرنسية، خاصة "المسحراتي" الذي يجوب شوارع المحروسة في ليالي رمضان، ويوقظ الناس بالدق على طبلته لتناول السحور.
ويشير الأستاذ الدكتور عبد الفتاح عاشور، شيخ المؤرخين المصريين وأستاذ العصور الوسطى، إلى نشوء عادة التسحير في مصر، حين كانت المحروسة مقسمة إلى أربعة أرباع، وبدأت الظاهرة بطواف "مسؤولي الأرباع" وهم يمسكون بالطبلة ويدورون على البيوت لإيقاظ الأهالي، ويطرقون الأبواب بجانب الطبلة.
ومن البداية اعتاد أهل الإسكندرية التسحير بدق الأبواب ومناداة أصحابها بأسمائهم.
ويذهب البعض إلى أن أول ظهور لـ "المسحراتي" في القاهرة كان بعهد عنبسة بن إسحاق عام 228هـ/843م، حيث بادر رجل بالمشي يوميا من مدينة العسكر بالفسطاط إلى جامع عمرو بن العاص وهو ينادي الناس للقيام إلى السحور.
وأولت الدولة الفاطمية اهتماما كبيرا للاحتفال بقدوم رمضان وإحياء لياليه بإضاءة المساجد والشوارع بأنوار ساطعة من المغرب إلى الصباح طوال الشهر.
ودأب حكام الدولة الطولونية على الصلاة في جامع ابن طولون، وخصصوا مجلسا في قصر الحكم للإنشاد الديني، يشترك فيه 12 منشدا، يتناوب كل أربعة منهم بالغناء الديني الشجي حتى صلاة الفجر، ويسبحون الله، ويقرؤون القرآن بألحان شجية، طوال الشهر.
واعتاد سلاطين المماليك إرسال هداياهم في رمضان إلى خاصتهم من الأمراء وأرباب الرتب، وأطباق حلوى تتوسطها "صرة من ذهب". وتوافقا مع طبيعة الشهر، دأبوا على إكرام عموم الشعب. فبادر السلطان الظاهر بيبرس -وفق الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور- لتخصيص مطابخ هائلة يمكنها إعداد إفطار لآلاف الصائمين بلغت أعدادهم خمسة آلاف صائم يوميا.
وأعتق السلاطين العبيد، وبلغ عتقاء بعضهم ثلاثين عبدا في رمضان وحده بعدد أيام الشهر.
وأمر بعضهم بإعداد سماط سلطاني يمد في قاعة الذهب يدعى إليه الأمراء والموظفون والأعيان والطوائف كل ليلة، ويمتد السماط بطول القاعة حوالي 174 مترا وعرضها أربعة أمتار، وحضره كثير من أهل القاهرة، وبعضهم كان يحضر أكثر من ليلة، وبلغت تكلفته في الليلة الواحدة ثلاثة آلاف دينار.
وأمر السلطان برقوق بذبح "25 بقرة" يوميا طوال رمضان، تطبخ لحومها وتوزع مع آلاف أرغفة الخبز على الناس في الجوامع والحارات وحتى السجون.
ولم يقتصر توزيع اللحوم على السلاطين، بل اعتاد الأغنياء توزيع لحومهم وصدقاتهم على الفقراء، كما ذكر الرحالة الفرنسي جان باليرن بعد زيارته مصر عام 1581.
وبعد صلاة التراويح، كان المقرئون يرتلون القرآن، وفي آخر ليلة يرتلونه كاملا، وحين يختمونه، ينشد المؤذنون ابتهالات صوفية، ويهللون ويكبرون فينثر عليهم السلطان الدنانير والدراهم.
وكان بعض الشيوخ يقرأون صحيح البخاري في القلعة، ويفتتحون قراءته بين يدي السلطان بحضور القضاة والفقهاء.
وكان العلماء والقضاة يعقدون مجلسا في الجامع الأزهر برئاسة قاضي القضاة من أول ليالي رمضان، ويبعث الخليفة إليهم أطيب ألوان الطعام والحلوى.
ويذكر الدكتور علي حسن أستاذ التاريخ المملوكي أن سلاطين الفاطميين كانوا يشاركون الناس صلاة التراويح، و"يأتون في الشهر من ضروب الخير والبر الشيء الكثير، وكان يعم ذلك على الرعية جميعا".
ومن الرحالة الفرنسيين الفنان جاك دو فيلامون (1560- 1625) الذي زار مصر عام 1589، ونشر كتابا بعنوان "رحلات السيد دوفيلامون" (Les Voyages du seigneur de Villamont) عام 1589، ذكر فيه أنه استأجر غرفة تطل على شارع رئيسي بالمحروسة، ليشاهد احتفالات رمضان، ومواكب دراويش الصوفية ووصف حلقات الذكر، والمساجد المضاءة، وزحام الأسواق، ومآدب الإفطار التي يدعى إليها الأصدقاء.
ووصف المصريين بالكرم، وقال: "لديهم عادة جميلة، إذ يجلسون على الأرض، ويأكلون في فناء مكشوف، أو أمام بيوتهم، ويدعون المارة إلى الطعام بحرارة وصدق".
ورصد العالم الفرنسي غيوم أندريه فيوتو صاحب دراسة "الموسيقى والغناء عند المصريين المحدثين" مهنة "المسحراتي" ضمن كتاب الحملة الفرنسية الأشهر "وصف مصر" (Description de l’Égypte).
وأفاض بوصف المسحراتية: "هم نفر لا يسمع الناس غناؤهم إلا خلال رمضان فقط، ويسمون بالمسحرين، وينشدون أشعارهم كل يوم قبيل الفجر، ويراعون ذاك التوقيت بعفة صارمة".
وفي دراسته المتضمنة بكتاب "وصف مصر"، يصف غيوم أندريه فيوتو أصول عمل المسحراتية بقوله: "لا يخرج المسحراتي عن شوارع منطقته المتفق عليها بين المسحرين، ويمنح إتاوة لحارس الحي عن إجمالي الشهر. ويردد الأدعية الدينية، وبعض الأشعار، وبعضهم يقص حكايات شعبية قصيرة منظومة وتنطوي على عبر، ويمتدح أرباب الأسر بالاسم، ومن يريد من الأبناء، ويحظر عليه ذكر أسماء السيدات".
وثمة فرنسي ثالث شارك أيضا بالحملة الفرنسية عام 1798م، هو غاسبار دي شابرول الذي قدم ضمن الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798 وعمره 25 عاما، وشارك زميله فيوتو دراسة عادات وتقاليد شهر رمضان وضمنت في كتاب "وصف مصر".
ومما ذكره: "يسعى كل مصري إنجاز عمله بسرعة خلال النهار قدر استطاعته، لينام بضع ساعات. فترى الفلاح راقدا تحت نخلة بعد إنهاء عمله الصباحي، ويتمدد التاجر في دكانه، والعامة ينامون في الشوارع بجوار جدران مساكنهم، ويرقد الأغنياء على أرائك فاخرة خلال الساعات السابقة على المغرب، وينهضون جميعا قبل المغرب للتوضؤ والصلاة وتناول الإفطار".
وأضاف دي شابرول: "تظل المساجد مضاءة إلى طلوع النهار، ويقضي أفاضل الناس لياليهم ببيوتهم في أحاديث نافعة. وكثير من العامة يستمعون إلى رواة السير الشعبية في المقاهي ويقصون انتصارات أبو زيد الهلالي أو سيرة الظاهر بيبرس بأساليب تخلب الألباب بطرق فريدة".
وبأمر نابليون بونابرت، ظهر المجلد الأول من كتاب "وصف مصر" وهو خاص بالدراسات الاجتماعية عام 1809 لمؤلفه غاسبار دي شابرول، بعد خروج الحملة من مصر بثماني سنوات.
ورابع علماء الحملة ممن اجتذبتهم العادات والتقاليد، المهندس والمؤرخ فرنسوا جومار، وله دراسة بعنوان "وصف مدينة القاهرة وقلعة الجبل" وردت بدورها ضمن "وصف مصر"، ذكر فيها أن: "الناس جميعا يمتنعون في رمضان عن الطعام والشراب والتدخين وعن أية تسلية بين شروق الشمس وغروبها، لكن ذلك الحرمان يتبعه استمتاع كبير. وهم يذهبون لصلوات الجماعة بورع ملحوظ، ويحضرون دروس الفقه بالمساجد، وبعضهم ينجزون أعمالهم، وآخرون يتشاغلون بالنوم! فإنهم جميعا يحتفون بليالي رمضان، حيث تضاء الشوارع، وتعج بالزحام والصخب، ويتنقلون بين الأسواق والمقاهي إلى أذان الفجر".
وبعد الحملة الفرنسية بسنوات قليلة، قام كلوت بك الفرنسي، مؤسس أول مدرسة للطب في مصر بعهد محمد علي باشا بوضع كتابه المعروف "لمحة عامة عن مصر" ضمنه انطباعاته عن مصر وشعبها، وذكر رمضان بقوله: "رمضان لا يجيء في فصل معين من السنة (الميلادية)، وإنما يدور عليها، ودورته تستغرق 33 سنة ميلادية. وعلى خلاف ما كنا نعتقد في أوروبا بأنه شهر ترفيه وتفرغ للملذات، فإنه شهر حرمان من الشهوات. ولا يقتصر الصيام على الامتناع عن الطعام والشراب طوال النهار، بل يشمل التدخين والنشوق والروائح العطرية. ومع أن الإسلام يعفي الحوامل والمرضى والمسافرين من الصوم، غير أن بعض الأتقياء المرضى أو على سفر لا يأخذون بالرخصة! وشهدت بنفسي مرضى بالحمى يرفضون الدواء ويؤثرون الموت على مخالفة الصيام".
ويذهب كثيرون من الناس إلى المساجد، وبعدها يسمع بعضهم شعراء الربابة والمنشدين في المقاهي. وآخرون يفضلون ألعاب الحواة، أو حلقات الذكر حول ضريح أحد الأولياء، وبعضهم يرتادون منطقة الأزبكية لسماع فرق موسيقى تركية، ومشاهد "خيال الظل" و"الأراجوز" ويتناولون الكعك والذرة المشوية والقهوة وعصائر الفاكهة.
وبعد الحملة الفرنسية بعقود قليلة رصد المستشرق الإنجليزي إدوارد وليم لين في كتابه المعروف "المصريون المحدثون، عادتهم وشمائلهم" (An Account of the Manners and Customs of the Modern Egyptians) إبلاغ الناس بعضهم بعضا بثبوت رؤية هلال رمضان في مصر القديمة، بقوله: "وتطوف الفرق في أحياء القاهرة تهتف: يا أتباع أفضل خلق الله، صوموا صوموا. وإذا لم يروا القمر في تلك الليلة، يصرخ المنادي: بكرة شعبان، مفيش صيام، مفيش صيام".
ورصد "لين" خروج "المسحرين" كل ليلة وهم يرفعون صوتهم بالمدائح النبوية، ومما يقولونه ذكر:
اصحى يا غفلان.. وحّد الرحمن
ويا نايم وحد الدايم
يـا غافل وحد الله
يا نايم وحد مولاك
اللّي خلقك ما بنساك
قوموا إلى سحوركم
جاء رمضان يزوركم
وكان المسحراتي يعرف أسماء سكان كل منزل وينادي كل منهم باسمه: "أسعد الله لياليك يا فلان.."، مقابل قرشين أو ثلاثة أو أربعة في العيد من كل بيت.
وفي كتابه "رحلة بيرتون إلى مصر والحجاز" عام 1853، سجل ريتشارد بيرتون الرحالة البريطاني لحظات مهمة: "ينطلق مدفع الإفطار من القلعة، وفي الحال يجلجل المؤذن بأذانه الجميل داعيًا الناس للصلاة. وينطلق صوت المدفع الثاني من قصر العباسية فيصيح الناس: الإفطار.. الإفطار، ويهلل جميع سكان القاهرة".
ورأى بيرتون: "الأثر الواضح لهذا الشهر على المؤمنين هو الوقار الذي يغلف طباعهم. ومع اقتراب المغرب، تبدو القاهرة كأنها أفاقت من غشيتها، فيطل الناس من النوافذ والمشربيات يرقبون لحظة الأذان! وينهمك بعضهم في صلواته وتسبيحه، وآخرون يتحلقون في جماعات أو يتبادلون الزيارات".
ومثله يشير لين أيضا إلى "صمت الشوارع وتراخي حركة الحياة نهارا، وقبيل المغرب توضع مائدة الإفطار بغرفة الاستقبال، حيث يستقبل رب الدار ضيوفه، وتعد صينية فضية كبيرة تزدان بأطباق المكسرات والزبيب والحلوى وأواني الشربات والماء، تحسبا لوفود الضيوف فجأة، وتجهز أدوات (الشوبك) للتدخين".
ومع أذان المغرب، يتناول رب الدار مع أسرته (أو ضيوفه) أكوابا من شراب الورد أو البرتقال، ثم يؤدون صلاة المغرب وبعدها يتناولون شيئا من المكسرات ويدخنون. ثم يتناولون شرابا منعشا ثم يتناولون إفطارهم، وغالبا يكون من اللحوم وأطايب الطعام، ثم يؤدون صلاة العشاء، وبعدها صلاة التراويح جماعة في المسجد.
وبعض المسحراتية كانوا أحيانا ينشدون جزءا من قصص المعجزات الدينية كالإسراء والمعراج، ويلتزمون الصمت إذا مروا ببيت حزين لوفاة عزيز.
ورصد إدوارد لين أن نساء الطبقة المتوسطة كن يضعن قطعة نقود معدنية داخل ورقة ملفوفة ويشعلن طرفها ثم يلقين بها من المشربية إلى المسحراتي ليرى موضعها وينشد لهن بعض المدائح النبوية أو حكايات المعارك بين الضرائر
وتحدث لين عن ليلة القدر، التي أنزل فيها القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهي خير من ألف شهر، و"يعتقد المسلمون أن أبواب السماء فيها تكون مفتوحة، وتستجاب فيها أدعيتهم".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة