يستعيد الأديب الأردني يوسف غيشان في كتابه الجديد "ملحمة علهامش" عالم طفولته بوصفه سجلًا حيًا للحياة اليومية في بلدة أردنية على أطراف الصحراء، وتنطلق الحكايات من الشارع والحارة والمدرسة، حيث يلتقط الكاتب تفاصيل العيش كما خبرها الناس العاديون، لتكشف القصص كيف تتشكل الذاكرة الفردية وتتحول مع الزمن إلى ذاكرة مشتركة للمكان والأجيال.
الكتاب -الصادر عن دار الأهلية في عمان- عمل سردي فريد يزاوج بين روح السيرة والملحمة الساخرة، وبين وعي كاتب ناضج يستعيد صوت مراهق كتب نصه الأول قبل نصف قرن.
ينطوي العنوان "ملحمة علهامش" على مفارقة أساسية، وهي الجمع بين الملحمة، التي ترمز إلى المركز والعظمة والمطلق، وبين الهامش الذي يرمز إلى العابر واليومي والهش. وتهيئ هذه المفارقة القارئ لعمل يكتب الهوامش بوصفها جوهر الحياة، وينسف الهرمية التقليدية بين التاريخ الكبير والتاريخ الصغير.
يزاوج الكتاب بين روح السيرة والملحمة الساخرة، وبين وعي كاتب يستعيد نص كتبه وهو مراهق قبل نصف قرن
في المقدمة، يعترف الكاتب بأنه عثر على مخطوط قديم كتبه وهو مراهق، بلغة "طفولية تقريبًا"، فقرر نشره بعد إلحاح أصدقائه.
وهذه العتبة تشكل إطارًا ميتا-سرديًا يعيد تأطير النص، فنحن نقرأ عملًا قديمًا داخل عمل جديد، ونشهد لقاء الكاتب مع ذاته الأولى. ولعل هذا ما يحول الكتاب من مجرد نص أدبي إلى وثيقة عن الذاكرة والكتابة، وعن النضج والحنين.
يقسم غيشان نصه إلى "ألواح" على غرار ملحمة جلجامش الشهيرة، وذلك في محاكاة ساخرة للملاحم القديمة. لكن كل لوح من ألواح غيشان يروي حكايات صغيرة متجاورة، تتشابك لتشكل بانوراما لبلدة أردنية على أطراف الصحراء، بوجوهها، ولهجتها، وطقوسها اليومية.
وتتنوع القصص بين المأساوي والساخر، بين الطفولة والسياسة، وبين خرافات الحارة ومهازل السلطة. وهذه التقنية تمنح النص بنية فسيفسائية، قوامها التعدد والتناص، وهي تذكرنا بكتابات غسان كنفاني في "أرض البرتقال الحزين"، وإميل حبيبي في "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل"، طبعا مع اختلاف المزاج والبيئة.
يقوم العالم الذي يبنيه غيشان على الواقعية الساخرة، فهو يسرد وقائع تبدو واقعية تمامًا، لكنه يحملها بنبرة تهكمية تفكك السلطة الأبوية، والدينية، والسياسية.
يتكلم الراوي بصوت المراهق القديم، لكنه أيضًا يترك للشخصيات أن تتحدث بلهجاتها وسخريتها وموروثها الشعبي
وتبدأ الملحمة بمشهد استقبال لضيف رسمي في بلدة نائية، حيث يتحول الحدث الوطني إلى مهرجان عبثي يجمع النساء والأطفال والعسكر والكهنة.
ومن خلال التفاصيل الدقيقة (ضحك أم خليل حتى الثمالة، الدجاجة المجمدة، الدخان المتصاعد من السراج، البارودة القديمة التي تطلق النار في توقيت خاطئ)، يبني الكاتب ملحمة الناس العاديين الذين يصنعون التاريخ الهامشي. هذه البطولة المنسية يشهرها الكاتب في مقابل أبطال الملاحم الكبرى.
ويتكلم الراوي بصوت المراهق القديم، لكنه أيضًا يترك للشخصيات أن تتحدث بلهجاتها وسخريتها وموروثها الشعبي. فكل شخصية – مثل كاترينا الخطاطة، أبو عرب، عاطف قرش الدمدم، أبو الوليد، الأخضراني- تمثل مقطعًا من الوعي الجمعي في البلدة.
ويعمل الكاتب على تخليق ذاكرة جماعية تروى بلسان واحد متشظ، ما يذكرنا بتقنيات الكاتب الأميركي ويليام فوكنر في رائعته "الصخب والعنف"، ولكن هنا بلغة عامية مشحونة بروح المجتمع الأردني المحلي، حيث تتحول الحارة إلى استعارة للبلد كله.
يقوم العالم الذي يبنيه غيشان على الواقعية الساخرة، فهو يسرد وقائع تبدو واقعية تمامًا، لكنه يحملها بنبرة تهكمية تفكك السلطة الأبوية، والدينية، والسياسية.
يبدأ النص باقتباس من اللوح العاشر لملحمة جلجامش: "إلى أين تمضي يا جلجامش؟ الحياة التي تبحث عنها لن تجدها…".
بهذا التصدير، يضع غيشان نصه في حوار مع الموروث الإنساني الأكبر، أي بحث الإنسان عن الخلود في عالم فانٍ. لكنه يقدم نقيض جلجامش، فالخلود هنا ليس في البطولات الملحمية بل في الذاكرة الساخرة، وفي القصص التي يرويها الناس عن الحمام والملوخية وبارودة الأخضراني.
نحن إذن إزاء ملحمة "الهوامش" لا الملوك، وهي بذلك تؤسس لجماليات جديدة للبطولة اليومية، حيث يصبح الضحك سلاحًا ضد الموت والهامشية والنسيان.
يحمل عنوان الكتاب مفارقة دلالية كثيفة. فالملحمة تاريخيًا تكتب عن الأبطال والملوك، أما هنا فتكتب عن الأطفال، والنساء، والمجانين، وباعة الخبز، وأهل الحارة. وبهذا الاختيار، يعيد غيشان تعريف البطولة، إذ هي ليست في الفعل العظيم، بل في العيش اليومي، وفي القدرة على الضحك وسط القسوة.
الهامش في هذا الكتاب موقع كشف، وليس موقع ضعف، ومنه يرى الكاتب العالم بشكل أوضح وأصدق، وأقل تزويرًا.
في العمق، نلحظ أن الهامش هنا ليس مجرد موقع جغرافي، لكنه بنية ثقافية مضادة، تعيد صياغة قوانين البطولة والقيم الجمالية، حيث يصبح اليومي حدثًا ملحميًا بامتياز، ويغدو العادي مادة للتأويل الفلسفي والاشتباك الاجتماعي.
يحمل عنوان الكتاب مفارقة دلالية كثيفة. فالملحمة تاريخيًا تكتب عن الأبطال والملوك، أما هنا فتكتب عن الأطفال، والنساء، والمجانين، وباعة الخبز، وأهل الحارة
ويشير إهداء الكتاب المستمد من "ملحمة جلجامش" – وتحديدًا نصيحة "سيدوري" (صاحبة الحانة) للباحث عن الخلود – إلى نية المؤلف في قلب المعادلة الملحمية، فبدلًا من السعي وراء الأبدي، يعلن النص انتصاره للزائل والفاني والمبهج في الحياة اليومية، فيحول السرد إلى احتفاء مرير بالفرح المؤجل والتعايش الوجودي مع الفناء.
يعيد "غيشان" تعريف البطولة، إذ هي ليست في الفعل العظيم، بل في العيش اليومي، وفي القدرة على الضحك وسط القسوة
يشيد غيشان الهامش على مستويين متكاملين؛ فهو أولًا فضاء سردي ملموس يحدد سماته بـ"بلدة ناتئة على حواف الصحراء"، وموقعها المهمل أو المتناسى، كما يصف المؤلف مخطوطه الأول. هذا الفضاء ليس خاليًا، لكنه مكتظ بالتفاصيل والمشاهد التي تنطوي على دراما مكثفة.
إنه المكان الذي تتجلى فيه الحياة في عريها وبؤسها، حيث يعطل الدوام الرسمي في المدرسة لاستقبال "الضيف الكبير"، وحيث تتشابك الطقوس الفولكلورية النسائية مع القصص الشخصية التي تصل إلى حد التراجيديا الساخرة.
أما على مستوى البنية الثقافية، فيمثل الهامش في الكتاب مرآة صادقة لنموذج اجتماعي-ثقافي يتسم بالبراءة الممزوجة بالخبث الفطري، والتمسك الطفولي بالهوية المحلية.
وتتجلى هذه البنية عبر ظواهر ثقافية عميقة؛ أولها ما يمكن تسميته بـ "اقتصاديات الكرامة"، حيث تغدو الرفاهية المفتقدة رمزًا للوجود؛ فإصرار زوج "زريفة" على نيل "حلاوة الفستق" قبل رحيله يحول الطعام من مجرد حاجة بيولوجية إلى نقد لاذع لواقع الحرمان، ليصبح الموت "كريمًا" فقط بتذوق نصيب مختلس من دنيا لم ينل منها الراحل شيئًا.
وفي سياق آخر، تبرز "حدود المهمشين" كأنموذج لصراع الملكية في أضيق فضاءات العيش، كما في حادثة الشقيقتين اللتين قسمتا الغرفة بخط طبشوري واشتبكتا حول "دجاجة مجمدة"؛ حيث يتجاوز اختلاط دم "زريفة" بالخط الطبشوري دلالة العنف العابر، ليصبح تجسيدًا فنيًا لفكرة أن الحدود المصطنعة، حتى في أبسط صورها المنزلية، لا تمحى ولا تعاد صياغتها إلا بالألم والدم.
تبرز "حدود المهمشين" كأنموذج لصراع الملكية في أضيق فضاءات العيش
أخيرًا، يفرض الهامش حضورًا قويًا من خلال "سلطة اللغة الموازية"، حيث يتحول الفقر إلى مادة لتوليد الألقاب الساخرة المرتبطة بالعاهات أو الأنات (مثل "تأتأ" و"هقهق")، بينما يحصن الثراء أصحابه بألقاب التفخيم.
وفي هذا الفضاء، تكتسب الأشياء البسيطة مثل "قرش الدمدم" رمزية كبرى، فتتحول من مجرد عملة قديمة إلى طقس للصراع الطفولي الذي يوازي في حدته حروب الكبار، مما يؤكد قدرة الهامش على خلق عالمه الخاص وقوانينه الصارمة.
أما من حيث الأسلوب، فإن لغة الكتاب مزيج بين الفصحى المرنة واللهجة العامية المحلية، وذلك في انسياب لا يخل بالتماسك الجمالي.
إن الفصحى هنا ليست لغة تعال بل لغة حكاية، أما العامية فتدخل بوصفها نفسًا اجتماعيًا لا مجرد زينة.
وتتسم الجمل بإيقاع سردي طويل، وصور مدهشة تجمع بين الحس الكاريكاتيري والوجدان الريفي. ويؤكد هذا الأسلوب أن الكاتب شاعر ساخر في العمق، يكتب "الملحمة" بمنطق المسرح الشعبي، حيث يضحك الناس على مصائرهم كي يتحملوها.
لغة الكتاب مزيج بين الفصحى المرنة واللهجة العامية المحلية، وذلك في انسياب لا يخل بالتماسك الجمالي
يندرج الكتاب ضمن تقليد عالمي عريق في أدب الهامش، الذي بدأ في التوثق في العالم العربي مع نجيب محفوظ وحنا مينة وغيرهما من كتاب المدن والأحياء الفقيرة.
لكن غيشان يذهب في طريق خاص، فينجز ما يعرف بـ"الميكرو-سرد" أو "الأدب المعترض عليه" (Objected Literature) الذي يرفض طريقة كتابة التاريخ التي تتجاهل البسطاء والفقراء، حيث يبني غيشان عالمه السردي من "مخطوط عتيق" كان مهملًا لـ"خمسين عامًا"، ومكتوبًا بـ"لغة طفولية"، مما يجعله في مصاف الأعمال التي تتبنى صوتًا خامًا غير مهذب للواقع، ومشابهًا لأدب الريف والمدن النائية في أميركا اللاتينية أو في أوروبا الشرقية، ولكنه يصبغ هذا الواقع بصبغة عربية-أردنية عميقة.
وتكمن الإضافة هنا في كونه يقدم نموذجًا سرديًا مركبًا، فهذا الكتاب ليس رواية بالمعنى التقليدي للحبكة المتماسكة، ولا هو سيرة ذاتية مباشرة، بل "متوالية قصصية" تعيد بناء الذاكرة الجمعية عبر ومضات فردية.
وهذه البنية الفسيفسائية تمنح المتلقي إمكانية قراءة النص كنصوص مفتوحة، حيث يتولى القارئ مهمة ربط الشذرات السردية في سياقها الأكبر. إنه يعيد الاعتبار لـ"الخربشات القديمة" كمصدر معرفي وجمالي، ويدعو إلى تبني لغة الطفل المراهق بوصفها الأداة الأنسب لهذا النوع من القص.
يمثل الكتاب تتويجًا لمسار طويل في كتابة السخرية التي عرف بها غيشان في مقالاته وأدبه. لكنه هنا ينتقل من المقال الساخر إلى الملحمة السردية الساخرة، حيث تتقاطع المأساة الفردية مع السخرية الجماعية.
لقد استعاد الكاتب الذاكرة الشعبية وحولها إلى نص ملحمي ساخر عن الإنسان العربي في مفترق الأوهام والضحك. إنها شهادة على أن الكتابة نفسها هي شكل من أشكال الخلود، لكنها هذه المرة، كما قالت سيدورا لجلجامش: "املأ بطنك، وامش بثياب نظيفة زاهية… هذا نصيب البشر في هذه الحياة".
إنها بطولة الناس العاديين والمهمشين، والحكاية تروى من أفواه من عاشوا خارج الضوء.
مسار طويل في السخرية والتفكيك جملة القول إن هذا الكتاب يأتي في مرحلة نضج راسخة من تجربة غيشان، بعد مسار طويل في الشعر أولًا، ثم في الكتابة الساخرة التي رسخته واحدًا من أبرز الأصوات التي جعلت من المفارقة أداة نقد ثقافي واجتماعي.
غير أن الجديد هنا ليس السخرية في ذاتها، بل الالتفات إلى منبعها، ألا هو الطفولة والحارة، وتلك التفاصيل الصغيرة التي صاغت وعي الكاتب وأنتجت نبرته الخاصة.
لقد بدأ يوسف غيشان مسيرته بدواوين شعرية مبكرة مثل "يوميات زنبقة البدايات" (1983) و"مرثية الفارس المتناثر" (1987)، حيث تتبدى نزعة وجدانية وتأملية واضحة.
لاحقًا، ومع التسعينيات، انتقل تدريجيًا إلى الكتابة الساخرة في كتب مثل "شغب" (1994) ، "يا مدارس يا مدارس" (1996)، "برج التيس" (1999)، ثم في كتب أكثر نضجًا مثل "أولاد جارتنا" (2007)، "هكذا تكلم هردبشت" (2010)، و"مواسم التزلج على الجميد" (2012).
هذا الكتاب يأتي في مرحلة نضج راسخة من تجربة غيشان، بعد مسار طويل في الشعر أولًا، ثم في الكتابة الساخرة
في هذه الأعمال، كانت السخرية عند غيشان أداة تفكيك للخطاب الاجتماعي والسياسي، ووسيلة لمساءلة السلطة واللغة معًا.
غير أن هذا المسار ظل في معظمه خارجيًا، أي أن الكاتب يراقب المجتمع ثم يعلق ويفضح، ويضحك بمرارة. أما في "ملحمة علهامش"، فنحن أمام انتقال نوعي، فالسخرية لم تعد موجهة فقط إلى الخارج، بل عادت إلى ذاتها الأولى وشروط تشكلها، وإلى الذاكرة التي أنجبتها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة