مع حلول موسم كبس التمور في محافظة ذي قار جنوبي العراق، الذي يبدأ عادة في منتصف سبتمبر/أيلول ويمتد حتى منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، تعود مهنة توارثها أبناء المنطقة جيلا بعد جيل إلى واجهة الحياة اليومية في المنازل والقرى والأرياف.

ورغم دخول أدوات حديثة إلى هذه الصناعة، فإن أهل ذي قار ما زالوا يتمسكون بالطرق اليدوية القديمة في كبس التمور وحفظها، لتبقى المهنة جزءا من طقوس موسمية وذاكرة شعبية تتوارثها العائلات.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 "شبكات".. واشنطن توقف امرأة بتهمة التجسس للصين وتسمح للعراق بنقل إيرانيين للنجف
* list 2 of 2 وصول أول رحلة إيرانية إلى مطار النجف بعد الاستثناء من العقوبات الأمريكية end of list

وتبدأ العملية بفرز التمور واختيار الصالح منها واستبعاد التالف، ثم غسلها وتجفيفها تحت أشعة الشمس، ثم إضافة مكونات مختلفة بحسب نوع التمر ورغبة الزبون، بينها السمسم وحبة الحلوة والكزبرة. ولا تقتصر طرق التحضير على الكبس التقليدي، إذ يجري إعداد كميات أخرى بطريقة تعرف محليا باسم "المعسل"، تضاف إليها مكونات مثل دبس التمر والفستق والجوز واللوز، ثم تُوضع في حافظات وتُعرض للبيع.

ويقول كابس التمور ميثاق محمود فاضل للجزيرة إن العمل يبدأ باختيار أجود أنواع التمور، ثم غسلها وتجفيفها وإضافة المواد التي يطلبها الزبون. ويشير إلى أنه ورث المهنة عن الآباء والأجداد، لكنها شهدت بعض التطوير مع إدخال أجهزة "الفاكيوم" التي تستخدم لسحب الهواء من الأكياس للمساعدة في الحفاظ على التمور.

وتتنوع الأصناف التي تدخل في عملية الكبس، ومن أبرزها الشويثي الأسود والأحمر والأصفر، والخضراوي والبريم والبرحي والكنطار والشكر. ويحظى الشويثي الأسود خصوصا بطلب من خارج ذي قار، ولا سيما من محافظتي البصرة وبغداد، حيث يشترى في كثير من الأحيان ليُتّخَذ هدايا، وذلك لما يتمتع به من جودة وإقبال.

وتختلف الأسعار بحسب نوع التمر وطريقة إعداده، إذ يبلغ سعر كيلوغرام الخضراوي المكبوس نحو ألف دينار عراقي (نحو 0.76 دولار)، بينما يتراوح سعر الشويثي الأصفر بين ألفين وثلاثة آلاف دينار (نحو 1.5 و2.3 دولار)، ويصل سعر الشويثي الأسود إلى نحو 7 أو 8 آلاف دينار (نحو 5.3 إلى 6.1 دولارات) للكيلوغرام. أما "المعسل"، فتصل أسعاره إلى نحو 8 أو 10 آلاف دينار (نحو 6.1 إلى 7.6 دولارات) للكيلوغرام، نظرا إلى المكونات الإضافية التي تدخل في إعداده.

تحديات المهنة

لكن هذه المهنة التراثية تواجه تحديا لا يتعلق بجودة المنتج، وإنما بغياب معامل متخصصة عاملة في المحافظة. ويقول ميثاق محمود فاضل إن هناك مكبسا للتمور مجهزا بالكامل في منطقة العكيكة منذ عام 2018، لكنه لم يدخل الخدمة حتى الآن، وهو ما يضطر العاملين إلى إرسال التمور خاما إلى محافظة البصرة لتتولى عملية كبسها، ويفرض ذلك عليهم أعباء إضافية في النقل والتكاليف.

إعلان

وبالنسبة إلى المزارعين وأصحاب المهنة، فإن تشغيل هذه المنشآت داخل المحافظة يمكن أن يختصر الطريق ويخفض الكلفة، فضلا عن الاستفادة من الإنتاج المحلي وتطوير هذه الصناعة. وتضم ذي قار نحو مليون و290 ألف نخلة من مختلف الأصناف، وفق علي عبد الرضا، المهندس الزراعي ومعاون مدير زراعة المحافظة، الذي يؤكد أن كبس التمور يمثل إحدى الطرق التقليدية لحفظها، ويعتمد على تفريغها من الهواء والاستفادة من دبس التمر.

ويقول عبد الرضا للجزيرة إن موسم الكبس يبدأ عادة من منتصف سبتمبر/أيلول ويستمر حتى منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، مشيرا إلى أن دائرة الزراعة تعمل خلال الفترة المقبلة على تشغيل معمل أو أكثر لكبس التمور، بما يسهم في تطوير هذه الصناعة والاستفادة من الإنتاج المحلي.

ولا تزال المهنة، بحسب المسؤول الزراعي، متجذرة في المناطق الريفية والعشائرية، حيث تحرص العائلات على نقل أسرارها ومهاراتها إلى الأجيال الجديدة. ويقول إن كثيرا من العاملين يدربون أبناءهم منذ الصغر على عملية الكبس حتى تبقى المهنة متوارثة ولا يطرأ عليها إخلال.

ومن بين العاملين في هذه المهنة أيضا أحمد كريم جبار، الذي يوضح أن الشويثي الأسود يعد من أكثر أنواع التمور التي يجري كبسها، إذ تضاف إليه المكونات المطلوبة، ثم يوزن ويوضع تحت أشعة الشمس نحو أسبوع قبل طرحه للبيع.