دبي، الإمارات العربية المتحدة ( CNN )-- تمتزج في جزيرة صقلية الإيطالية مناظر طبيعية حالمة من السواحل الخلابة، والقمم الوعرة، والتلال المتموجة.
لكن في أقصى غرب أكبر جزر البحر الأبيض المتوسط ، وبين تضاريس وادي " بيليتشي"، ترتفع على أحد سفحين أعمدة وجدران قد تبدو من بعيد كبقايا يونانية أو رومانية، لكنها تكشف عند الاقتراب منها عن أطلال مبانٍ أحدث عهدًا، بينما يغمر سفحًا مجاورًا لون الخرسانة.
يمكن رؤية هذا الموقع من بعيد، وقد كان أبيض اللون عند اكتماله في عام 2015، ويغطي نحو 86,028 مترًا مربعًا من السفح.
لكنه ليس مجرد عمل فني فنيًا، حيث يمتد فوق أنقاض بلدة جيبيلينا، التي دمرها زلزال في 15 يناير/كانون الثاني من عام 1968.
رغم أن قرى أخرى لا تزال متضررة من الزلزال، إلا أن جيبيلينا تحولت إلى بلدة متحجرة، أشبه ب نسخة حديثة من موقع بومبي الأثري الذي توقف فيه الزمن. لكن بينما طُمِرت المدينة الرومانية القديمة بالرماد البركاني عام 79 ميلادي، تم غمر جيبيلينا عمدًا حفاظًا على ذكراها للأجيال القادمة.
وقد أصبح "الصدع" الذي ابتكره الفنان ألبيرتو بوري من القرن العشرين معلمًا سياحيًا داخل صقلية.
ينطبق الأمر على جيبيلينا الجديدة، التي أُعيد بناؤها على بُعد نصف ساعة، كبلدة ذات طابع عصري لافت، ومن ثمّ زُوّدت بأعمال فنية تبرع بها بعض أشهر فناني العالم المعاصرين.
أصبحت البلدة اليوم أول عاصمة للفن المعاصر في إيطاليا، حيث ستستضيف خلال عام 2026، سلسلة من الفعاليات والمعارض في مبانيها العصرية المميزة.
يُجسد الأمر عزيمة سكانها الذين لم يستسلموا لمصيرهم، وقرروا إعادة البناء، وتحويل معاناتهم إلى فن.
اعتُبر زلزال "بيليتشي" في عام 1968 بمثابة أول كارثة كبيرة في إيطاليا الحديثة، حيث ضرب 21 بلدة عبر ثلاث مقاطعات في صقلية. وكانت جيبيلينا الأكثر تضررًا، إذ سُوّيت بالأرض خلال ثوانٍ.
وقال عمدة جيبيلينا سالفاتوري سوتيرا الذي كان في الثامنة من عمره آنذاك: "لو كانت تلك الهزة الأولى، لكان عدد الضحايا أكبر بكثير. غادر معظم الأشخاص خلال النهار، أمّا من بقوا في منازلهم فكانوا من كبار السن الذين لم يعتقدوا بوجود خطر".
في أنحاء الوادي، لقي 296 شخصًا مصرعهم، وأُصيب أكثر من ألف، بينما أصبح نحو 100 ألف بلا مأوى.
قالت فرانشيسكا كوراو، الذي كان لوالدها دور محوري في تحويل جيبيلينا، إنّ السلطات لم ترغب في إعادة بناء بلدة اعتُبرت فقيرة.
في نهاية المطاف، أُعيد بناء غالبية القرى المتضررة بالقرب من مواقعها الأصلية، باستثناء جيبيبينا، بفضل عمدتها لودوفيكو كوارو، وهو محامٍ من باليرمو جاء للمساعدة بعد الكارثة، وقد انتُخب عمدةً في عام 1969.
تمثّل أول مقترحاته في نقل البلدة من التلال إلى أرض أكثر استواءً غربًا، بالقرب من خط السكك الحديدية التي تربط بين باليرمو والساحل الجنوبي لصقلية.
كما كان يجري إنشاء طريق سريع نحو العاصمة، إذ رأى كوراو آنذاك أنّه سيكون مفتاح مستقبل البلدة.
استغرقت عملية إعادة البناء عقودًا.
عاش السكان أولًا في خيام، ومن ثمّ في أكواخ معدنية معزولة بمادة الأسبستوس التي ثبت لاحقًا أنّها مسرطنة.
وكانوا قد اضطروا إلى إبقاء مواشيهم داخل المساكن.
غادرت آخر العائلات تلك الأكواخ في عام 2006. لكن طرح الانتقال إلى جيبيلينا الجديدة سؤالًا صعبًا: كيف يمكن إعادة بناء مجتمع وحياة داخل بيئة حضرية غريبة بالنسبة لهم بالكامل؟
وقال مدير برنامج عاصمة الفن المعاصر أندريا كوسومانو إنه "في مواجهة النسيان، اختاروا أن تولد البلدة من جديد عبر الفن".
في تاريخ 15 يناير/كانون الثاني من عام 1970، أطلق سكانها نداءً للمساعدة، فلبّاه فنانون ومثقفون، من بينهم ريناتو غوتوزو وكارلو ليفي.
مع انتقال السكان تدريجياً إلى البلدة الجديدة، توافد إليها فنانون بارزون، سواءً للعمل أو الانخراط في المشاريع المجتمعية.
بمرور الوقت، تحولت البلدة الصغيرة إلى واحدة من أهم مراكز الفن الحديث على وجه الأرض.
يُعد "غراندي كريتو" أحد أبرز الأعمال الفنية في البلدة، واستوحاه بوري من زيارة أطلالها، ومن معبد يوناني قريب في سيغيستا.
يغطي العمل مساحة تقارب 30 فدانًا، ويتكوّن من 122 كتلة خرسانية بارتفاع يتراوح بين 1.5 و1.8 متر.
تُعد هذه العملية عكس ما حدث في موقع بومبي الأثري، حيث يصب علماء الآثار الخرسانة في الفراغات الموجودة تحت طبقات الرماد لإظهار بقايا الأشخاص والحيوانات الذين لقوا حتفهم من الانفجار البركاني.
أمّا في جيبيلينا، فقد استُخدمت الخرسانة لتغطية الدمار، وتسليط الضوء عليه في آنٍ واحد.
بدأ العمل عام 1984، وتوقف لاحقًا بسبب نقص التمويل.
توفي بوري عام 1995، لكن تم استئناف العمل في عام 2013، واستكمل في عام 2015.
تُعتبر زيارة جيبيلينا اليوم تجربة ساحرة، وإن كانت غريبة بعض الشيء، حيث قُدمت الأولوية لعيش السكان بدل ًا من إنعاش الاقتصاد، بينما غادر كثيرون بحثًا عن العمل.
قال سوتيرا: "تتمتع جيبيلينا بمساحات شاسعة، لكن شيئاً فشيئاً، تتزايد فيها الحانات أو الأماكن التي يلتقي فيها الأشخاص".
بعد أعوام من الفراغ، هل يكون عام 2026 هو العام الذي يتحقق فيه حلم الفنانين بالبلدة؟
يأمل كوسومانو في استغلال البرنامج لإقامة روابط راسخة مع أكاديميات الفنون الجميلة في شتى أنحاء إيطاليا، بهدف إطلاق برامج إقامة فنية في البلدة بحلول العام المقبل.
وأكّد: "نسعى إلى إحياء فكرة حضور الفنانين وتواجدهم الفعلي. نحن نتطلع إلى صياغة إرث عاصمة الفن المعاصر. يجب ألا يقتصر الأمر على جعل جيبيلينا وجهة جاذبة للسياح فحسب. هذا عام للبناء، وليس للعرض فقط".
المصدر:
سي ان ان