من الترانزستور إلى "شات جي بي تي".. رحلة مفاتيح صنعت ثورة الذكاء الاصطناعي
في قلب كل عملية حسابية تجريها الآلة التي بين يديك، هناك مكون إلكتروني لا يكاد يرى بالعين المجردة، لا يصدر صوتا ولا يتحرك ميكانيكيا، ومع ذلك تعمل مليارات النسخ منه معا لتشغيل هاتفك وحاسوبك ومراكز البيانات التي تقف خلف خدمات الذكاء الاصطناعي. ذلك المكون هو "الترانزستور" (Transistor).
عندما ظهر الترانزستور في مختبرات "بل" عام 1947، لم تكن هناك هواتف ذكية ولا مراكز بيانات ولا نماذج لغوية ضخمة مثل "شات جي بي تي" كان التحدي آنذاك يتمثل في إيجاد بدائل أكثر موثوقية وأصغر حجما للمكونات التي كانت تعتمد عليها الأنظمة الإلكترونية، وعلى رأسها أنابيب التفريغ والمفاتيح الكهروميكانيكية.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 بعد شهر من استقالته.. كوكسون يحذر من الذكاء الاصطناعي أمام مجلس مدينة نيويورك
* list 2 of 2 وهم الصعود وفخ الذكاء الاصطناعي.. ماذا يخفي مؤشر الأسهم الأمريكية؟ end of list
لكن أهمية الترانزستور لم تتوقف عند كونه بديلا لهذه المكونات. فقد أتاح تطور تقنيات تصنيعه إنتاج أعداد متزايدة منه ودمجها في دوائر إلكترونية على شرائح صغيرة، وهو ما وضع الأساس للدوائر المتكاملة ثم المعالجات الحديثة.
ومع مرور العقود، تحولت إمكانية التصغير والدمج إلى سباق تقني مستمر لتطوير ترانزستورات أصغر وأكثر كثافة، مع الحفاظ على سرعتها وموثوقيتها وكفاءتها في استهلاك الطاقة.
وقاد هذا السباق إلى أجيال متتالية من هندسة الترانزستور من الترانزستورات المستوية إلى "فين فيت" (FinFET) ثم إلى "غيت آل أراوند" (Gate-All-Around – GAA) وبنى "نانو شيت" (Nanosheet) حيث أصبحت السيطرة على القناة التي يمر فيها التيار أكثر دقة مع استمرار تقليص الأبعاد.
مصدر الصورة
واليوم، يدخل قطاع أشباه الموصلات مرحلة جديدة مع تقنيات التصنيع من فئة 2 نانومتر (2nm) وما بعدها، في وقت يدفع فيه الذكاء الاصطناعي الطلب على القدرة الحاسوبية إلى مستويات غير مسبوقة، لكن التحدي لم يعد يتعلق بالتصغير وحده. فكلما ازدادت كثافة الحوسبة، أصبحت الطاقة والحرارة ونقل البيانات والتوصيلات داخل الشريحة جزءا أساسيا من المعادلة.
كيف أصبح الترانزستور أساس الحوسبة؟
لفهم التحول الذي أحدثه الترانزستور من المفيد العودة إلى المكونات التي سبقته، والتي كانت تؤدي وظائف التحكم في الإشارات الكهربائية بطرق مختلفة.
وكان المرحل، الذي استخدم منذ القرن الـ19، يعمل كمفتاح يمكن لإشارة كهربائية أن تتحكم من خلاله في دائرة أخرى، لكنه اعتمد على أجزاء ميكانيكية تتحرك داخل المكون، مما جعله كبير الحجم وبطيئا نسبيا، فضلا عن صوت النقرة المعروف عند تشغيله.
ومع توسع استخدام الإلكترونيات، ظهرت أنابيب التفريغ بدايات القرن العشرين، وقدمت إمكانية تضخيم الإشارات وتنفيذ العمليات المنطقية، وأسهمت في بناء الحواسيب الإلكترونية الأولى.
لكن أنابيب التفريغ كانت كبيرة الحجم وهشة نسبيا، كما احتاجت إلى طاقة كبيرة، بما في ذلك الطاقة اللازمة لتسخين مكوناتها الداخلية، وولدت كميات ملحوظة من الحرارة. ومع زيادة أعدادها وتعقيد الأنظمة التي تستخدمها، أصبحت متطلبات الطاقة والصيانة والتبريد تحديات متزايدة.
وفي هذا السياق جاء الترانزستور. ففي عام 1947، تمكن باحثون في مختبرات "بل" من تطوير مكون يعتمد على أشباه الموصلات بدلا من البنية الميكانيكية للمرحل أو البنية الحرارية لأنبوب التفريغ. وكان الترانزستور قادرا على التحكم في تدفق التيار وتضخيم الإشارات، لكنه امتلك ميزة ستصبح لاحقا أكثر أهمية من مجرد استبدال المكونات القديمة، وهي إمكانية تصنيعه بأعداد هائلة ودمجه مع مكونات أخرى على شريحة واحدة.
ومن هنا بدأ التحول الحقيقي في مسار الحوسبة، فبدل أن يكون كل عنصر تحكم إلكتروني مكونا منفصلا وكبيرا نسبيا، أصبح بالإمكان تصنيع أعداد ضخمة من الترانزستورات ودمجها في دوائر متكاملة على قطعة صغيرة من أشباه الموصلات.
مصدر الصورة
ومع استمرار هذا التطور، لم يعد الترانزستور مجرد بديل للمرحل وأنبوب التفريغ، بل أصبح الوحدة الأساسية التي يمكن بناء دوائر الحوسبة المعقدة منها.
سباق التصغير يعيد هندسة الترانزستور
كان تصغير الترانزستور أحد المسارات الرئيسية التي اتبعتها صناعة أشباه الموصلات لعقود لزيادة القدرة الحاسوبية داخل المساحة نفسها. فكلما أمكن تقليص حجم المكونات، أصبح بالإمكان وضع عدد أكبر من الترانزستورات على الشريحة، مما سمح ببناء دوائر أكثر تعقيدا وكثافة.
لكن التصغير لم يكن مجرد عملية هندسية لتقليص الأبعاد، فمع وصول الترانزستورات إلى أحجام أصغر، بدأت تحديات فيزيائية بالظهور، وأصبح الحفاظ على التحكم في القناة ومنع تسرب التيار، والحد من استهلاك الطاقة أكثر صعوبة. ولهذا لم يستمر التصغير من دون تغيير في تصميم الترانزستور.
وانتقلت الصناعة من الترانزستور المستوي، الذي كانت البوابة تتحكم من خلاله في القناة من جهة واحدة، إلى بنى ثلاثية الأبعاد مثل "فين فيت" حيث تحيط البوابة بجزء أكبر من القناة، مما يحسن التحكم الكهربائي فيها.
ومع استمرار التصغير، ظهر اتجاه جديد يتمثل في ترانزستورات "غيت آل أراوند" التي تحيط فيها البوابة بالقناة من جميع الجهات، ويهدف هذا التصميم إلى تعزيز التحكم في القناة وتقليل التسرب مع استمرار تقلص أبعاد الترانزستور.
وتعد بنية "نانو شيت" أحد تطبيقات هذا الاتجاه، إذ تستخدم قنوات على شكل صفائح سيليكون نانوية رقيقة ومتراكمة تشكل قنوات الترانزستور.
وهكذا، لم يعد تصغير الترانزستور يعني تقليص أبعاده فقط، بل تطلب إعادة هندسة بنيته بهدف الحفاظ على التحكم في التيار مع استمرار زيادة كثافة الترانزستورات على الشريحة.
مصدر الصورة
عندما يصبح التحكم على المستوى الذري جزءا من سباق الترانزستور
مع انتقال الترانزستورات إلى بنى أكثر تعقيدا، لم تعد التحديات محصورة في التصميم الهندسي للمكون، بل امتدت إلى الطريقة التي تصنع بها هذه البنى.
ففي ترانزستورات "نانو شيت" على سبيل المثال، تستخدم صفائح سيليكون رقيقة جدا لتشكيل قنوات الترانزستور، مما يجعل جودة الأسطح وتجانسها عاملين مهمين في الخصائص الكهربائية للمكون.
وتشير "أبلايد ماتريالز" (Applied Materials) إلى أن الخشونة أو التلوث على المستوى الذري يمكن أن يؤثر في الخصائص الكهربائية لهذه البنى. ولذلك لا يكفي أن تصبح البنية أصغر، بل يجب أيضا التحكم في شكلها وسطحها بدقة شديدة.
وتعرض الشركة تقنيات لمعالجة صفائح السيليكون النانوية وتنعيمها، إلى جانب تقنيات للتحكم في حفر البنى ثلاثية الأبعاد وتجانسها، في إطار ما تصفه بتحديات تصنيع الأجيال المتقدمة من الرقائق.
لكن دقة البنية ليست العامل الوحيد الذي يحدد المكاسب التي يمكن تحقيقها. فمع تزايد تعقيد الترانزستورات، تصبح أيضا تفاصيل مثل نقاط الاتصال التي تربطها ببقية الدائرة ومقاومتها جزءا من معادلة الأداء وكفاءة الطاقة.
وبذلك، أصبح سباق التصغير يمتد إلى تفاصيل أصغر فأصغر من الترانزستور نفسه، وصولا إلى أسطح صفائح السيليكون، وطريقة حفرها، وجودة بنيتها، وحتى العناصر التي تنقل التيار منها وإليها.
وهذا يكشف تحولا مهما في مسار صناعة أشباه الموصلات، إذ لم تعد زيادة كثافة الترانزستورات على الشريحة تعتمد على تقليص أبعادها فقط، بل أصبحت مرتبطة بقدرة المصانع على التحكم في كل مرحلة من مراحل تشكيلها.
مصدر الصورة
لماذا أصبحت "2 نانومتر" مهمة بعصر الذكاء الاصطناعي؟
لكن لماذا أصبحت عقدة "2 نانومتر" محطة مهمة في هذا السباق؟ ولا يتعلق الأمر بجعل الترانزستور أصغر إلى قياس يبلغ نانومترين، بل بتطوير جيل جديد من تقنيات تصنيع الرقائق يهدف إلى تحقيق مكاسب في كثافة الترانزستورات والأداء وكفاءة استهلاك الطاقة.
فأسماء العقد التصنيعية الجديدة، مثل "2 نانومتر" أصبحت في الأساس تسميات لأجيال من تقنيات التصنيع، وليست قياسا مباشرا واحدا لبعد محدد في الترانزستور.
وتربط شركات تصنيع الرقائق، مثل "تي إس إم سي" (TSMC) التايوانية، بين أجيال تقنيات "2 نانومتر" واحتياجات تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء، حيث تدفع الحاجة إلى إجراء عدد أكبر من العمليات الحسابية ضمن مساحة وطاقة محددتين إلى البحث عن مكاسب متزامنة بالكثافة والأداء وكفاءة الطاقة.
ولا يمثل الوصول إلى "2 نانومتر" نقطة نهاية لهذا المسار. فقد أعلنت "تي إس إم سي" عن أجيال لاحقة من منصتها تهدف إلى تحسين الأداء أو خفض استهلاك الطاقة وزيادة كثافة الترانزستورات.
فعلى سبيل المثال، تقول الشركة إن تطويرها المعروف باسم "إن تو يو" (N2U) يستهدف زيادة في السرعة تتراوح بين 3% و4% أو خفضا في استهلاك الطاقة يتراوح بين 8% و10% مقارنة بالجيل السابق، وفق شروط المقارنة التي حددتها "تي إس إم سي".
وهنا يتغير معنى سباق التصغير. فالفائدة من وضع عدد أكبر من الترانزستورات على الشريحة لا تتحقق تلقائيا، إذ يجب أن تعمل هذه الترانزستورات بسرعة وكفاءة، وأن تصل إليها الطاقة وأن تنتقل الإشارات والبيانات بينها وبين بقية مكونات الشريحة من دون أن تتحول هذه العمليات إلى مصدر كبير للفقد.
ومع تزايد متطلبات الذكاء الاصطناعي، تصبح هذه المعادلة أكثر أهمية، لأن الرقائق التي تشغل النماذج الحديثة تتطلب كميات هائلة من العمليات الحسابية ونقل البيانات بين وحدات المعالجة والذاكرة.
مصدر الصورة
تحدي الطاقة
لا تعني زيادة عدد الترانزستورات على الشريحة بالضرورة الحصول على حوسبة أفضل إذا جاءت هذه الزيادة على حساب استهلاك الطاقة. ومع وجود أعداد هائلة من الترانزستورات في الرقائق الحديثة، يصبح تقليل الطاقة اللازمة لتنفيذ العمليات جزءا أساسيا من تطوير الشريحة، وليس مجرد ميزة إضافية.
ولهذا أصبحت كفاءة الطاقة أحد الأهداف الرئيسية في الأجيال الجديدة من تقنيات التصنيع. وتشير شركة "أبلايد ماتريالز" إلى أن الانتقال إلى ترانزستورات "غيت آل أراوند" في الأجيال المتقدمة من الرقائق يرتبط بمحاولة تحقيق حوسبة أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، في وقت تدفع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحاجة إلى مزيد من القدرة الحاسوبية.
وتوضح خارطة الطريق التي أعلنتها "تي إس إم سي" هذا الاتجاه أيضا. فالشركة لا تركز في تطوير منصة "2 نانومتر" على زيادة السرعة فقط، بل تستهدف كذلك خفض استهلاك الطاقة وتحسين كثافة الترانزستورات.
لكن الطاقة لا ترتبط بالترانزستور وحده. فداخل الشريحة نفسها، تحتاج الإشارات إلى الانتقال عبر شبكة من التوصيلات، كما تحتاج الترانزستورات إلى نقاط اتصال تربطها ببقية الدائرة. ومع استمرار التصغير، يمكن لهذه العناصر أيضا أن تصبح مصدرا للمقاومة والفقد.
لذلك أصبح تحسين كفاءة الرقاقة مسألة تشمل الترانزستورات، ونقاط الاتصال، والتوصيلات المعدنية، والذاكرة، وطريقة توزيع الطاقة ونقل البيانات داخل النظام.
الحرارة والتبريد الوجه الآخر لاستهلاك الطاقة
لا تنتهي مشكلة الطاقة عند مقدار الكهرباء التي تحتاج إليها الرقاقة. فجزء كبير من الطاقة التي تستهلكها الحوسبة يتحول في النهاية إلى حرارة. وكلما ارتفعت كثافة القدرة الحاسوبية في مساحة محدودة، أصبح التخلص من هذه الحرارة أكثر تحديا.
وتظهر أهمية ذلك في أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة. ففي دراسة نشرت عام 2026 في دورية "معاملات آي إي إي إي في الحوسبة السحابية" (IEEE Transactions on Cloud Computing) قارن الباحثون بين نظامين يحتوي كل منهما على 8 وحدات معالجة رسومية من "إنفيديا إتش 100" (NVIDIA H100) أحدهما يستخدم التبريد السائل والآخر التبريد الهوائي.
وتحت الحمل، حافظت الأنظمة المبردة بالسائل على درجات حرارة لوحدات المعالجة الرسومية "جي بي يو" (GPU) تراوحت بين 41 و50 درجة مئوية، مقابل 54 و72 درجة مئوية في الأنظمة المبردة بالهواء.
التبريد السائل يساعد على خفض حرارة وحدات معالجة الرسوميات في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي (الجزيرة-ذكاء اصطناعي)ولم تقتصر الفروق على درجات الحرارة. ففي الاختبارات التي أجرتها الدراسة، حققت وحدات "إتش 100" المبردة بالسائل أداء بلغ نحو 54 تيرافلوب لكل وحدة معالجة رسومية، مقابل نحو 46 تيرافلوب في نظام التبريد الهوائي، أي زيادة بالأداء بلغت نحو 17%، إلى جانب تحسن في الأداء مقابل استهلاك الطاقة وكفاءة النظام.
ولا تعني هذه النتائج أن التبريد السائل سيكون دائما أكثر كفاءة في كل بنية حوسبة، فهي نتيجة لتجربة محددة على أنظمة "إتش 100" وأحمال وظروف اختبار معينة. لكنها توضح كيف أصبح التبريد جزءا من معادلة أداء البنية التحتية التي تشغل أحمال الذكاء الاصطناعي، وليس مجرد وسيلة للحفاظ على درجة حرارة المكونات ضمن الحدود الآمنة.
ما بعد "2 نانومتر".. السباق لم ينته
لم يتوقف تاريخ الترانزستور عند جعله أصغر، فكل مرحلة من مراحل تصغيره فرضت إعادة التفكير في بنيته وطريقة تصنيعه، والطاقة التي يحتاج إليها، والحرارة التي تنتجها الحوسبة.
ومع اقتراب بعض تقنيات السيليكون التقليدية من حدود جديدة، يبحث الباحثون والمهندسون عن طرق جديدة لمواصلة زيادة كثافة الحوسبة وتحسين كفاءتها، وتشمل هذه الاتجاهات ترانزستورات تبنى في طبقات فوق بعضها، ومواد ثنائية الأبعاد يمكن أن تعمل في قنوات بالغة الرقة، إلى جانب تقنيات جديدة لتوزيع الطاقة والإشارات داخل الرقائق.
وتشير الأبحاث في مجال أشباه الموصلات إلى أن هذه التقنيات قد تمثل مسارات مستقبلية لمواصلة تصغير الترانزستورات وتحسين كفاءة الطاقة وإدارة الحرارة.
لكن جوهر القصة لم يتغير منذ اختراع الترانزستور، وهو الحصول على قدرة حاسوبية أكبر من مكونات أصغر، وطاقة أقل، مع الحفاظ على القدرة على تشغيلها بكفاءة.
وبعد نحو 8 عقود من ظهور ذلك المكون الصغير في مختبرات "بل" أصبح مستقبل الذكاء الاصطناعي مرتبطا إلى حد كبير بمدى قدرة صناعة أشباه الموصلات على دفع هذا المفتاح إلى حدود جديدة، من "2 نانومتر" وما بعدها.