آخر الأخبار

سلوك غير مسبوق في عالم المفترسات.. الوشق الإيبيري ينقع فريسته في الماء

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

عادة ما تعتمد الحيوانات المفترسة البرية، مثل الفهود والذئاب، على مخالبها الحادة وأنيابها القوية للانقضاض على الفريسة وقتلها ثم التهامها مباشرة. لذلك، تبدو فكرة أن يتوقف أحد هذه المفترسات ليغمر طعامه في الماء -كما قد يفعل البشر عند نقع الحبوب المجففة اليابسة لتقليل وقت الطهي وتسهيل الهضم- أمرا غير مألوف إلى حد يثير الدهشة.

لكن هذه الدهشة تحولت إلى حقيقة علمية عندما كشفت كاميرات المراقبة المثبتة في الطبيعة عن سلوك غير مسبوق لدى الوشق الأيبيري، إذ رُصدت هذه القطط البرية وهي تنقع جثث أرانب في الماء قبل حملها بعيدا، وهو ما يتعارض مع الافتراضات الراسخة حول كيفية تعامل الحيوانات اللاحمة البرية مع فرائسها.

وفي دراسة نُشرت مؤخرا في مجلة إيكولوجي (Ecology)، عرض الباحثون تفاصيل هذه المشاهدات التي وصفوها بأنها أول توثيق معروف لحيوان لاحم بري يتلاعب عمدا بفرائسه باستخدام الماء في سلوك غير معتاد أثار تساؤلات حول قدرة أحد أكثر السنوريات المهددة بالانقراض عالميا على التكيف مع التغيرات البيئية.

مصدر الصورة سلسلة من الصور لأنثى الوشق الأيبيري وهي تنقع فريستها في الماء (رافائيل فينات)

سنوات من الرصد

منذ عام 2014، بدأ المؤلف الرئيسي للدراسة، خوسيه خيمينيز، وفريقه من معهد أبحاث الصيد والحياة البرية بإسبانيا، مراقبة الوشق الأيبيري باستخدام كاميرات ميدانية في سلسلة جبال توليدو بوسط إسبانيا، بهدف دراسة معدلات بقائه وأعداده وأنماط حركته وسلوكه التكاثري.

وكان هذا النوع المتوطن في شبه الجزيرة الأيبيرية قد اقترب من حافة الانقراض مطلع الألفية. ففي عام 2002 لم يتبق سوى أقل من 100 فرد، بينها 27 أنثى قادرة على التكاثر. لكن بفضل جهود الحماية البيئية، ارتفع العدد إلى 2401 فرد بحلول عام 2024.

وخلال مراجعة تسجيلات الكاميرات، لم يُلاحظ سلوك نقع الفرائس غير المتوقع لدى فرد واحد فقط، بل تكرر لدى أكثر من وشق في المنطقة نفسها. وظهر لأول مرة في أغسطس/آب 2020 عندما حملت أنثى وشق تُدعى "نايا" أرنبا نافقا إلى حوض ماء وغمرته بداخله. ومنذ ذلك الحين وحتى عام 2025، رُصدت 8 وقائع أخرى نفذتها 5 إناث مختلفة عند 5 أحواض ماء منفصلة.

إعلان

وأظهرت التسجيلات أن نقع الفريسة استمر عادة لمدة تقارب دقيقة واحدة في المتوسط، بينما تجاوزت أطول مدة نقع 4 دقائق. وكانت جميع الحالات تخص إناثا، ولم تلتهم القطط الأرانب في موقع الماء، بل حملتها بعيدا بعد ترطيبها.

وسبق للعلماء أن وثقوا حيوانات أخرى تغسل أو تنقع طعامها بالماء، مثل حيوانات الراكون التي تزيد حساسية أقدامها عند ملامسة الماء. كما شوهدت بعض الرئيسيات مثل إنسان الغاب وقرود المكاك والخنازير البرية التي تنظف طعامها من الرمال والشوائب. وحتى بعض الطيور، مثل ببغاء غوفين، تقوم بنقع الطعام لتليين قوامه.

ويوضح خيمينيز أن "هذا السلوك معروف لدى بعض الرئيسيات والطيور، لكن يرتبط غالبا بحيوانات قارتة (أي تتغذى على المواد النباتية والحيوانية) أو آكلة للثمار، وليس بالحيوانات اللاحمة التي يُفترض عادة أنها تستهلك فرائسها بعد قتلها بفترة وجيزة، بينما يقتصر تعاملها معها على تعديل وضعيتها أو تمزيقها أو أحيانا إخفائها لاستهلاكها لاحقا". ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن "معظم الحالات رُصدت في ظروف الأسر، وليس في البرية".

مصدر الصورة صور التقطتها كاميرات مراقبة لأنثى وشق إيبيري تُبلل فريستها في الماء (رافائيل فينات)

لماذا يقوم الوشق بهذا السلوك؟

بعد هذا الاكتشاف المفاجئ، حاول الباحثون تحديد الأسباب المحتملة وراء الظاهرة. وبالاستناد إلى تسجيلات الكاميرات، استبعدوا وجود أي ارتباط واضح بدرجات الحرارة أو ظروف الجفاف يمكن أن يفسر الظاهرة باعتبارها استجابة للحرارة المرتفعة أو نقص المياه.

ويشير خيمينيز في تصريحات للجزيرة نت إلى أن "هذا السلوك سُجل حصريا خلال الفترة الممتدة من يونيو/حزيران إلى أغسطس/آب، وهي الفترة الأكثر جفافا خلال الصيف في وسط إسبانيا، وتتزامن أيضا مع ظهور بعض الولادات المتأخرة لدى الوشق الأيبيري. ومع ذلك، فإن درجات الحرارة المسجلة أثناء هذه الوقائع لم تُظهر مستويات مرتفعة أو ثابتة بشكل كاف يسمح باعتبار الإجهاد الحراري محفزا مباشرا للسلوك".

كما يبدو أن أوشاق منطقة مونتيس دي توليدو هي الوحيدة المعروفة حتى الآن بممارسة هذا السلوك، إذ لم تُسجل حالات مماثلة لدى مجموعات أخرى في البرية أو في مراكز الإكثار المراقبة، لكن ما لفت الانتباه أن جميع الحالات المسجلة ارتبطت بإناث. كما لوحظ السلوك داخل مجموعات تربطها صلات قرابة أو تعيش في مناطق متجاورة مع إناث سبق توثيق السلوك لديها.

يوضح الباحث أنه "رغم تصنيف الوشق الأيبيري غالبا كحيوان انعزالي، فإن الدراسات تشير إلى امتلاكه مستوى معينا من التفاعل الاجتماعي بين الأفراد المرتبطين، ويبدو هذا النمط أكثر وضوحا بين الإناث، التي قد تحتفظ بمناطق نفوذ متداخلة وعلاقات مكانية مستقرة".

ويضيف أن "توزيع الحالات يدعم فرضية الانتشار الاجتماعي للسلوك، إلا أن الدراسة لم تقديم دليلا مباشرا على حدوث تعلم بالملاحظة بين الأوشاق، وبالتالي تبقى فكرة الانتقال الثقافي افتراضا يحتاج إلى مزيد من الإثبات".

تفسيرات محتملة

تناول الباحثون عدة تفسيرات محتملة غير متعارضة فيما بينها، أبرزها أن هذا السلوك قد يكون مرتبطا بالصغار الذين تتولى الإناث وحدها رعايتهم، وقد يكون محاولة لتزويدهم بالماء أو لتليين اللحم، بما يسهم في تسهيل انتقال الأشبال من الرضاعة إلى تناول الطعام الصلب، خاصة لدى الولادات المتأخرة خلال الموسم.

إعلان

كما تشير فرضية أخرى إلى دور وظيفي يتعلق بترطيب الصغار. ولاختبار هذه الفرضية، أجرى الفريق البحثي تجارب استكشافية أظهرت أن الأرانب التي غُمرت في الماء لمدة 30 ثانية – وهي ظروف مشابهة لما لوحظ في الطبيعة – تحتفظ بحوالي 4% من وزنها على هيئة ماء بعد مرور 40 دقيقة.

يعني ذلك – وفق خيمينيز – أن نقع الفريسة قد يسمح بنقل جزء من الماء داخل أنسجة الجسم، ما قد يوفر فائدة خلال أشهر الصيف الجافة. ومع ذلك، تبقى هذه التفسيرات أولية، لأن التجارب كانت استكشافية ولم تُكرر على نطاق واسع، كما أن الوظيفة الدقيقة لهذا السلوك لم تُختبر بعد بشكل مباشر.

كما يرى الباحثون أن هذا السلوك قد يكون استجابة للتغيرات المناخية والبيئية التي شهدها موطن هذا الحيوان، إذ ترتفع درجات الحرارة تدريجيا في وسط إسبانيا، ما يجعل نقع الفريسة استجابة مرنة للضغوط البيئية المرتبطة بتدهور النظام البيئي والصيد المفرط والأمراض، التي أظهرت الدراسات أنها أدت إلى انخفاض أعداد الأرانب، التي تمثل الغذاء الأساسي لهذا الحيوان.

وبحسب خيمينيز، يؤكد هذا الاكتشاف أن حتى الأنواع التي تخضع لمراقبة علمية مكثفة لا تزال قادرة على كشف سلوكيات غير معروفة سابقا. كما يعزز أهمية المراقبة السلوكية طويلة الأمد، وأبحاث التاريخ الطبيعي، ضمن برامج الحفاظ على الحياة البرية.

ويختم الباحث بقوله إن "فهم السلوكيات النادرة أو المبتكرة يمكن أن يسهم في تطوير إستراتيجيات الإدارة البيئية، عبر الكشف عن أبعاد خفية من المرونة السلوكية التي قد تؤثر في قدرة الأنواع على التكيف والبقاء واستعادة أعدادها، خصوصا في ظل التغيرات البيئية المتسارعة".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار