عملية نصب لم تتم
عشت فى الكويت أربع سنوات، لذلك فإننى أعرفها وأحفظ شوارعها مثل القاهرة تمامًا. فى واحدة من زياراتى الأخيرة ما كدت أضع حقيبتى بالغرفة داخل فندق هوليداى إن بمنطقة الشرق حتى تذكرت دواء المعدة الذى نسيت إحضاره معى.
هبطت إلى الشارع وركبت أحد التاكسيات ثم أخبرته أن يتوجه لأقرب صيدلية. التفت السائق نحوى متفرساً قبل أن يقول: يا سيدى لقد تجاوزت الساعة الحادية عشرة ولا توجد بالكويت صيدليات تفتح حتى هذا الوقت المتأخر.. ثم تصنّع التفكير وقال: هناك واحدة أعرفها تسهر ولكنها فى آخر الكويت وأخشى أن هذا سيكلفك كثيراً!. قلت له: فى آخر الكويت من جهة الحدود العراقية أم من جهة الحدود السعودية؟ تردد قليلا ثم قال: هى على مسافة بعيدة من هنا. قلت له: توكل على الله يا رجل. انطلق السائق بالسيارة على شارع الخليج حتى وصل إلى منطقة سلوى، ثم استدار عائداً وتوغل بالسالمية من الداخل وعبر دوارات أعرفها شوارع طالما قطعتها، ولمحتُ جمعية الرميثية من بعيد ثم استسلمت لذكرياتى عن السنوات التى عشتها بالكويت، وأفقت على السيارة تعبر بى شارع تونس فى حولّى ثم تعود إلى وسط البلد وبعدها مررنا بالشويخ ثم قطع بى شارع جمال عبد الناصر الذى كنا نسميه شارع المستشفيات إلى أن وصل لدوار العظام ثم كر عائداً من الطريق ذاته إلى دوار الشيراتون! وفى أول شارع فهد السالم توقف بجوار صيدلية أحلام وقال لى: ها هى الصيدلية.
قلت له: يا إلهى إنها حقاً فى آخر الكويت وقد مضينا بالسيارة لمدة أربعين دقيقة. لم أشأ طوال الطريق وأنا مستمتع بنزهة الذكريات هذه أن أعترض على ما يفعله السائق الماكر، وقد فطنتُ إلى لعبته منذ البداية لكنى تركته يمنحنى جولة داخل ثلاث محافظات، وجعلنى هذا أتذكر ما حدث فى زيارتى الأولى لدمشق عندما دفعت لسائق التاكسى ثلاثين دولاراً فى مشوار قطعه فى ساعة من فندق الشام إلى محطة سكة حديد الحجاز قبل أن أعرف أن الاثنين يقعان بنفس الميدان!. طبعاً هذا النوع من السائقين تغص بأمثالهم معظم عواصم العالم، ولقاهرتى الحبيبة منهم نصيب طيب!..
عدتُ إلى التاكسى بعد شراء الدواء وأنا لا أستطيع منع نفسى من الضحك وقلت للسائق: يا أبو الشباب ما رأيك أن أدلك على طريق مختلف يستغرق دقيقتين فقط.. يمكنك أن تتقدم فى فهد السالم وتعبر مجمع المثنّى الذى سكنتُ به لأربع سنوات ثم تصل لساحة الصفاة وبعدها دروازة عبد الرزاق ثم نجد أنفسنا أمام فندق هوليداى إن.
قبل مغادرة السيارة ملت على السائق وقلت له فى ود صادق: كنت أتمنى أن أدفع لك ثمن النزهة الليلية الجميلة لولا أننى متأكد أنك فى أول جلسة مع أصدقائك ستحدثهم عن الزبون المغفل الذى دفع عشرين ديناراً فى توصيلة من الشرق إلى فهد السالم، لهذا سأمنحك حقك فقط. قلت هذا وتركت له دينارين قبل أن أدخل إلى الفندق.