رسالة مارى كارمن!
تحولت قضية المواطنة الإسبانية مارى كارمن (٨٧ عاما)، والتى توفيت الأربعاء الماضى بعد أسابيع من طردها من شقتها التى عاشت فيها لأكثر من ٧٠ عاما، إلى أزمة سياسية فى إسبانيا. استقالت الحكومة الاشتراكية عقب فشلها فى تمرير تشريعات طارئة فى البرلمان تحمى المستأجرين بسبب معارضة أحزاب اليمين. ستكون هناك انتخابات برلمانية مبكرة نهاية نوفمبر المقبل. يتعجب المرء كيف أن مشكلة سكن تتعلق بسيدة مُسِنة قلبت السياسة الإسبانية رأسا على عقب؟. لكنها الديمقراطية التى تجعل مأساة شخص واحدة، الشغل الشاغل لأمة بأكملها.
المسألة ليست سياسية فقط. مأساة مارى كارمن تلمس أعمق مخاوف الإنسان وتُجسد المعنى الحقيقى لانتزاع، ليس فقط الجسد من البيت الذى قضى عمره كله فيه، وأصبح بمثابة وطنه، بل أيضا انتزاع الكرامة والأمان لينتهى الأمر بالموت بعيدا عنه. الطرد القسرى من السكن، خاصة لمن هم فى السنوات الأخيرة من أعمارهم، صدمة نفسية مدمرة تعكس قمة العجز والمهانة الإنسانية.
هذه المأساة تعبر عن نظرتين للسكن: الأولى أصحابها من شركات العقارات ومقاولى البناء الذى يعتبرون الشقة أو البيت مجرد عائد مادى واستثمار مُربح. والثانية التى يعبر عنها ملايين الملايين من البشر، الذين يمثل السكن بالنسبة لهم، حقا أساسيا للحياة. موت السيدة الإسبانية صرخة وإنذار للعالم بأن خلف كل قرار إخلاء، وكل زيادة فى أسعار الإيجارات، حياة بشرية يمكن أن تفنى، وقلوب قد تتوقف عن النبض حزنا وكمداً وألماً.
رسالة مارى كارمن يجب أن نقرأها فى مصر جيداً. بالرغم من اختلاف الظروف القانونية والاجتماعية بين مصر وإسبانيا، إلا أن هناك تشابهاً وثيقاً فى الآليات التى تحرك أزمة السكن والإيجارات فيهما. هناك فجوة واسعة بين الأجور وقيمة الإيجارات. فى إسبانيا، ارتفعت الإيجارات بنسبة ٨٧٪، بينما زادت الأجور ٣٠٪ فقط. فى مصر، قفزت إيجارات الشقق خاصة فى القاهرة والإسكندرية( قانون جديد) قفزات جنونية لا تتناسب مع الزيادات السنوية المحدودة فى مرتبات الموظفين. فى إسبانيا، تعانى السوق العقارية دخول شركات استثمار عالمية اشترت العقارات ورفعت بشدة قيمة إيجاراتها. فى مصر، يشهد قطاع العقارات تدفق الاستثمارات العربية، مما أعاد تسعير العقارات بقيم مرتفعة للغاية. النتيجة، تقلُص المعروض المناسب للمواطن العادى.
مع بدء تطبيق قانون الإيجار القديم (الجديد) لعام ٢٠٢٥ فى مصر، والذى يفرض زيادة سنوية ١٥٪، ويحدد مهلة ٧ سنوات لإنهاء العقود السكنية، تبرز مخاوف إنسانية حقيقية بشأن كبار السن والأرامل والفئات المهمشة، ممن لا يستطيعون مواجهة سيل الزيادات السنوية. نعم، هناك محاولات حكومية استباقية لتجنب السيناريو المأساوى (الطرد والخلاء)، لكن الأزمة من الاتساع والشمول بحيث تتطلب خطوات جذرية وعملية ضرورية. فى المقدمة، التوسع الكبير فى بناء وحدات سكنية مملوكة للدولة يتم تخصيصها للإيجار طويل الأجل وبأسعار مدعومة. لابد من حصر المتضررين وتوفير شقق بديلة لهم. وإذا لم تنجح هذه الإجراءات فى حل المشكلة، فإن النظر فى تأجيل التطبيق مجددا، يصبح ضرورة مُلحة.
الحق فى السكن الكريم جزء لا يتجزأ من كرامة الإنسان البسيط. لا نريد أن تحدث مأساة مارى كارمن عندنا.