مسيرة إبراهيم البحراوى يجب ألا تتوقف
عاش د. إبراهيم البحراوى (1944- 2020) ست وسبعين عاما، قضى معظمها مُنغمسا فى متابعة ورصد وقراءة إسرائيل.
راقبها بشغف، تابعها بكَدّ، ودرسها بُعمق مَن يحرص على فهم واستيعاب وتحليل تمددها وتآمرها وتوسعها فوق خريطتنا العربية، إدراكًا منه أن لكل ماكينة شر نقاط ضعف، وأن الصراع طويل الأمد يستلزم فهما ووعيا ومُتابعة دائمة.
كان اللافت أن إسرائيل تنصلت من هزيمتها فى السادس من أكتوبر 1973، وصوّرت آلة دعايتها الحرب باعتبارها حربًا مُتكافئة لا منتصر فيها أو مُنهزم، مُستغلةً ثغرة الدفرسوار لتضخم رد الفعل الإسرائيلى وتُقلل ما واجهته.
لكن بعد مرور ثلاثين عاما على الحرب بدأت إسرائيل الإفراج عن وثائق المعركة، بما فيها من أسرار واعترافات ومناقشات، كشفت ما لحق بدولة الكيان من هزيمة قاسية.
وقتها، كان الدكتور إبراهيم البحراوى يقظا وجاهزا؛ إذ قام، وهو أستاذ اللغة العبرية بجامعة عين شمس، بتشكيل مجموعات عمل متميزة من الباحثين والمتخصصين فى اللغة العبرية لترجمة الوثائق تباعا.
وقبيل وفاته عام 2020 كان قد انتهى من ترجمة أكثر من عشرة آلاف صفحة من وثائق حرب أكتوبر الإسرائيلية إلى اللغة العربية لتصدر عن المركز القومى للترجمة فى عدة مجلدات.
من بين الوثائق مثلًا محضر اجتماع مجلس الوزراء ظهر الأحد 7 أكتوبر سنة 1973، وفيه قول موشيه ديان لرئيسة الوزراء جولدا مائير نصا: «أعترف أننى لم أقدر جيّدًا قوة العدو ولا قدراته القتالية، وكنت أبالغ فى تمجيد قواتنا. ولابد من الاعتراف بأن العرب يقاتلون بصورة أفضل كثيرًا من الحروب السابقة»، وواصل ديان قائلا: «لو لم نحصل على السلاح فورًا من مخازن الأمريكيين فى أوروبا، فإن الحرب ستدور فوق أرض دولة إسرائيل».
وفى تقرير آخر بتاريخ 8 أكتوبر، كتبه اسحق رابين، رئيس أركان الجيش الإسرائيلى فى حرب يونيو، عن زيارته الجبهة، نقرأ: «لقد تكبدت الفرقة الجنوبية بقيادة ألبرت خسائر ضخمة. لقد خسرت 150 دبابة، ولدينا سبعون قتيل وأكثر من أربعمائة جريح. إن معظم خسائرنا من الدبابات لم تنتج عن نيران دبابات مصرية وإنما عن أسلحة قوات المشاة»، وتابع رابين: «إن جميع من استمعت إليهم من قادتنا يؤكدون أن أفراد قوات المشاة المصريين متميزون للغاية.. لقد استطاع أربعون جنديا منهم التصدى للواء عسكرى بكفاءة غريبة»، وحتى تقييم الإسرائيليين أنفسهم للثغرة وعبور شارون بفرقته إلى الضفة الشرقية للقناة، فقد جاء مؤكدا لوجهة النظر المصرية بأنه مجرد محاولة لتشتيت المصريين.
وهكذا، فندت الوثائق الإسرائيلية نفسها سردية الانتصار الكاذب التى سبق ورددها قادة دولة الكيان إنكارا للهزيمة.
لم يكتف الرجل بترجمة وثائق الحرب، وإنما استقرأ أيضا آثار الهزيمة فى المجتمع والأدب والفن، وأعد دراسات فى هذا الشأن، وترجم أشعارا مُعبرة عن الوجع العام من ذهب الجنود إلى الحرب مع مصر دون عودة. ومنها مثلا أبيات للشاعرة «شوشانه بيلوس» تقول فيها «إن جنون اليأس وخيبة الأمل/ يغرسان فى نفسها أحلاما حول واقع ما/ إن كان لها غاية ومصير/ من العار أن يضيعا/ بينما الآن مشاهد الطبيعة ميتة/ ومرئيات سقيمة ذابلة/ تترى ملاحقتها فى نفسها». ومنها قصيدة للشاعر إسحق بولاق يقول فيها «أحس بروائح قوية/ روائح جثث/ روائح لحم فى ضرام عنيف/ يُشوى على صدر مقلاة من الرمال/ يزيد من رقعتها ومداها/ مصدر عال».
كان إبراهيم البحراوى مشروعا مُتكاملا لقراءة إسرائيل وتحليل توجهات قادتها جيلا بعد جيل. وتكفى هذه الحكاية تعبيرا عن نجاحه فى فهم عقلية قادة إسرائيل إلى يومنا هذا، ففى زيارة لبنيامين نتنياهو إلى القاهرة سنة 1997 تلقى البحراوى اتصالا من أسامة الباز، مستشار الرئيس مبارك، عرض عليه المشاركة فى لقاء لمناقشة نتنياهو بشأن عدالة القضية الفلسطينية. وأجاب البحراوى قائلا: «أنت تعرف أن نتنياهو غير جاهز فكريا لقبول مبدأ إقامة دولة فلسطينية وهو أسير لشعار من النهر إلى البحر، والحوار معه مضيعة للوقت». أجاب الباز: «أنا عارف موقفه، لكن أختلف معك حول أهمية الحوار معه من جانب مثقفى مصر؛ لأنه يجب أن يسمع وجهة نظركم». وقال البحراوي: «إن عقله مغلق تماما على فكرة أن الضفة هى يهودا والسامرة، وأنه لا يمكن التخلى عنها». وتفهَّم الباز رأيه.
وأثبتت الأيام صحة ما رآه البحراوى فى نتنياهو، إذ مارس فى السنوات الأخيرة أكبر عملية إبادة وحشية ضد الشعب الفلسطينى، وقلب موائد المفاوضات، وأوصد كل الأبواب المفتوحة لبحث السلام والتعايش.
سبقنا إبراهيم البحراوى إلى دار الحق والحقيقة، لكن أعماله ظلت كاشفة ونافعة وحية، ولا شك أننا فى حاجة لمَن يواصلون مسيرة تفكيك إسرائيل عقلا وقولا.
والله أعلم.