«لجنة أجرانات».. 5 أشخاص هزّوا أركان المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية
بعد أقل من شهرين على انتصار 6 أكتوبر 1973، وجدت إسرائيل نفسها أمام سؤال لم يكن من السهل تجاهله، وهو من يتحمل مسؤولية المفاجأة التى باغتت الجيش الإسرائيلى فى السادس من أكتوبر؟ ومن هنا وُلدت «لجنة أجرانات»، برئاسة رئيس المحكمة العليا شمعون أجرانات، والتى تشكلت بقرار حكومى فى 18 نوفمبر 1973 للتحقيق فى واحدة من أكثر لحظات الإخفاق فى تاريخ إسرائيل العسكرى والاستخباراتى. قدم المركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية، تحليلا حول تشكيل لجنة أجرانات، والتى تكونت من خمسة أعضاء، وتنوعت خلفياتهم بين المجال القضائى والرقابى والعسكرى، وجاء فى مقدمة تلك اللجنة، شمعون أجرانات (رئيسا للجنة)، وهو يهودى من أصول روسية، وحصل على درجة الدكتوراه فى القانون عام 1929، وتولى رئاسة المحكمة العليا الإسرائيلية فى الفترة من 1965 وحتى تقاعده الإلزامى عام 1976 وتوفى فى 10 أغسطس 1992.
أما العضو الثانى، فهو موشيه لاندو، ولد فى ألمانيا، ودرس القانون فى جامعة لندن، وهاجر إلى فلسطين 1933 وتولى رئاسة المحكمة العليا خلال الفترة من 1980 إلى 1982، كما شارك لاحقًا فى لجان تحقيق أخرى من بينها لجنة لاندو المعنية بأساليب التحقيق فى الشاباك، أما العضو الثالث إسحاق إرنست نابنتسال، الحاصل على درجة الدكتوراه فى القانون من جامعة فرانكفورت، وفى عام 1961، عُين مراقبًا للدولة فى إسرائيل واستمر فى منصبه حتى عام 1981، كما شارك فى عدد من لجان التحقيق الرسمية.
العضو الرابع، يغال يادين، كان ثانى رئيس لأركان الجيش الإسرائيلى عام 1949، واستمر فى المنصب حتى عام 1952، حيث عمل على إعادة تنظيم الجيش النظامى وقوات الاحتياط، وبعد اعتزاله الخدمة العسكرية، تفرغ لعلم الآثار، وحصل على درجة الدكتوراه من الجامعة العبرية عام 1955، أما العضو الخامس، فهو حاييم لاسكوف، خدم فى الجيش البريطانى خلال الحرب العالمية الثانية ضمن اللواء اليهودى، وفى الفترة من 1958 إلى 1961، تولى منصب رئيس الأركان الخامس للجيش الإسرائيلى.
عکست تركيبة اللجنة توزيع الأدوار بين أعضائها، إذ اقتصر دور شمعون أجرانات وموشيه لاندو على توفير الإطار القضائى والقانونى للجنة، بينما انحصر دور إسحاق إرنست نابنتسال فى البعد الرقابى والإدارى، فيما برز يغال يادين وحاييم لاسكوف بوصفهما الخبيرين العسكريين داخل اللجنة، حيث تم توجيه جانب كبير من التحليل نحو إخفاقات المؤسسة العسكرية والأجهزة الاستخباراتية.
تمثلت مهام اللجنة فى تحديد المعلومات الاستخباراتية التى توافرت خلال الأيام السابقة للحرب بشأن تحركات مصر وسوريا ونواياهما ومدى دقة تقييم هذه المعلومات، فضلًا عن القرارات التى اتخذتها الجهات العسكرية المختصة استنادًا إليها، بالإضافة إلى تناول استعدادات الجيش الإسرائيلى للحرب بوجه عام، ومدى جاهزيته خلال الأيام السابقة لاندلاعها إلى جانب تقييم أدائه العملياتى.
تناولت اللجنة، الأداء العسكرى الإسرائيلى خلال الأيام الأولى من حرب أكتوبر باعتباره الجانب الذى تحول فيه الإخفاق الاستخباراتى إلى واقع عسكرى مباشر على أرض المعركة، ومن ثم، يركز هذا المحور على ما كشفه تقرير اللجنة من أوجه قصور حادة فى جاهزية الجيش، وسرعة الاستجابة للهجوم، وكفاءة القيادة والسيطرة، وأداء القيادات والوحدات الميدانية خلال المرحلة الأولى من القتال على الجبهتين المصرية والسورية.
ونتيجة لمهام اللجنة، اكتسبت صفة رسمية مستقلة، ومنحت صلاحيات واسعة مكنتها من استدعاء الشهود والاطلاع على الوثائق ذات الصلة، واستدعاء الشهود وإلزامهم بالإدلاء بشهاداتهم تحت القسم، فضلًا عن الاطلاع على الوثائق الرسمية السرية.
وأكدت اللجنة أن مهمتها تنحصر فى بحث أسباب المفاجأة والتقصير فى الاستعداد والرد، وهو ما أثار انتقادات لاحقة داخل إسرائيل، حيث رأى بعض المراقبين أنه أدى إلى تركيز اللوم على القيادات العسكرية والاستخباراتية، دون التعمق الكامل فى المسؤولية السياسية أو فى إدارة الحرب ككل.
وعقدت اللجنة أكثر من 140 جلسة استماع على مدى أكثر من عام، واستمعت بصورة مباشرة إلى نحو 58 شاهدًا من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين والاستخباراتيين، كما تلقت نحو 188 شهادة خطية من مختلف العاملين فى الجيش واطلعت على مئات الوثائق المحفوظة فى أرشيف الجيش وأجهزة الاستخبارات ووزارة الدفاع ورئاسة الوزراء، وإلى جانب ذلك، جمعت اللجنة شهادات ومواد إضافية من خلال فرق من ضباط الاحتياط المكلفين بجمع المواد، ووثقت محاضر مفصلة لكل جلسة.
ومن بين أبرز الشهادات التى استمعت إليها اللجنة شهادة رئيسة الوزراء جولدا مائير، التى دافعت عن قرارها بعدم شن ضربة استباقية صباح 6 أكتوبر، موضحة أنها كان تميل إلى ذلك، لكنها كانت خائفة من رد الفعل الدولى، كما أدلى وزير الدفاع موشيه ديان بشهادة مطولة نفى فيها تحمله المسؤولية المباشرة، محملًا رئيس الأركان مسؤولية تقييم الوضع واتخاذ قرار استدعاء قوات الاحتياط، أما رئيس الأركان دافيد إليعازر، فدافع عن قراراته مؤكدًا أنه اعتمد على تقديرات الاستخبارات، فى حين أقر رئيس الاستخبارات العسكرية إيلى زعيرا بوقوع خطأ فى التقييم.
كما استمعت اللجنة إلى شهادات قادة ميدانيين من بينهم شموئيل غونين، قائد القيادة الجنوبية إلى جانب عدد من كبار ضباط الاستخبارات، وكشفت هذه الشهادات عن تبادل الاتهامات بين المستويين السياسى والعسكرى، فضلا عن وجود حالة من الثقة المفرطة أسهمت فى تجاهل المؤشرات التحذيرية السابقة على اندلاع الحرب.
من التقرير المرحلى إلى النهائى
وأصدرت لجنة أجرانات ثلاثة تقارير رئيسية على مراحل متتابعة عكست تطور مسار التحقيق وتدرج استنتاجاتها بشأن طبيعة الإخفاقات التى سبقت حرب أكتوبر ورافقت أيامها الأولى، وصدر التقرير المرحلى (الجزئى)، فى أبريل 1974، وهو أول تقرير رسمى ومفصل عن نتائج التحقيق، كما اعُتبر الأكثر تأثيرًا فى الرأى العام وفى المشهد السياسى الإسرائيلى، وانصب تركيزه على أسباب المفاجأة الاستراتيجية، وعلى إخفاق الاستخبارات العسكرية فى قراءة المعلومات المتاحة وتقييم دلالاتها.
وفى يوليو 1974، أصدرت اللجنة تقريرها الإضافى (الثاني)، الذى جاء بوصفه امتدادًا تفسيريًا للتقرير المرحلى، إذ تضمن التبريرات التفصيلية والاستشهادات المستمدة من الشهادات والوثائق التى استندت إليها اللجنة فى صياغة استنتاجاتها.
أما التقرير النهائى الصادر فى يناير 1975، فقد جاء أكثر شمولًا وتفصيلًا، وبلغ نحو 1500 صفحة خصص منها نحو 746 صفحة، فيما يتعلق بالجبهة الجنوبية، و311 صفحة تتعلق بالجبهة الشمالية، لتحليل مجريات القتال خلال الأيام الأولى من الحرب، مع التركيز على أداء القيادات الميدانية ومستوى التنسيق بين الوحدات، ولم تُنشر أنذاك سوى مقدمة التقرير التى بلغت نحو 42 صفحة، فيما ظل الجزء الأكبر منه خاضعا للسرية لأسباب أمنية.
واستمر حجب القسم الأكبر من التقرير حتى 1 يناير 1995، حين أفرج عن معظمه باستثناء نحو 48 صفحة، ثم استكملت عملية الإفراج عن باقى المواد بصورة تدريجية خلال السنوات اللاحقة، وبمجموع هذه التقارير، تشكلت الوثيقة الرسمية الأبرز لتقييم إخفاقات إسرائيل فى حرب أكتوبر، إذ قدمت تحليلا لأوجه القصور الاستخباراتى والعسكرى التى كشفت عنها الحرب، وحددت جوانب المسؤولية داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية، ولا يزال تقرير اللجنة، بمختلف أجزائه، مرجعا أساسيًا فى الدراسات التاريخية والعسكرية التى تتناول حرب أكتوبر وتداعياتها داخل إسرائيل.
ووفقًا لما خلص إليه التقرير المرحلى للجنة أجرانات فلم يصدر الإنذار النهائى والواضح باحتمال اندلاع الحرب إلا خلال الساعات الأولى من صباح يوم الغفران نفسه (6 أكتوبر) ففى نحو الساعة 4:30 صباحًا، أبلغ رئيس الاستخبارات العسكرية، القيادة العليا، استنادًا إلى معلومات استخباراتية جديدة تلقاها، بأن الحرب ستبدأ فى الساعة 6 مساءً على الجبهتين المصرية والسورية فى وقت واحد.
وأشار التقرير المرحلى والتقرير النهائى للجنة أجرانات إلى أن حالة الجاهزية على الجبهة الجنوبية يوم اندلاع الحرب اتسمت بثغرات جوهرية أسهمت بصورة مباشرة فى نجاح العبور المصرى وفقدان السيطرة على أجزاء واسعة من خط بارليف.
وخصص التقرير النهائى للجنة أجرانات جانبًا مهما من تحليله للجبهة الجنوبية لمعركة 8 أكتوبر 1973، التى مثلت أول محاولة إسرائيلية منظمة لشن هجوم مضاد واسع ضد القوات المصرية بعد نجاحها فى عبور قناة السويس وإقامة جسور على الضفة الشرقية، وأثبتت اللجنة أن الهجوم انتهى بفشل عملياتى واضح، وكشف عن عجز القيادة الإسرائيلية عن تحويل ما تبقى لديها من قوات إلى قوة هجومية منسقة قادرة على استعادة زمام المبادرة.
وحملت لجنة أجرانات فى تقريرها المرحلى رئيس الأركان الفريق دافيد اليعازر، مسؤولية مباشرة عما حدث فيما يتعلق بتقييم الموقف وبجاهزية الجيش واتخاذ القرارات الاستراتيجية، وجاء حكمها حاسمًا، إذ خلصت إلى أنه يتحمل مسؤولية شخصية عما حدث عشية الحرب، وأوصت بإنهاء تعيينه رئيسًا للأركان، كما حملت اللواء شموئيل غونين قائد القيادة الجنوبية مسؤولية الإخفاق فى تحويل تلك القرارات إلى إعداد وقيادة عملياتية فعالة فى حين جاء تقييم القيادة الشمالية أكثر توازنًا، وبالتالى لم يعد الإخفاق فى نظر اللجنة، مجرد مفاجأة استخباراتية أو انتكاسة ميدانية، وإنما أصبح سلسلة مترابطة من أخطاء التقدير والجاهزية والقيادة امتدت من أعلى هرم المؤسسة العسكرية إلى أرض المعركة.
وضعت اللجنة العبء الأساسى للإخفاق على القيادات العسكرية والاستخباراتية، دون تحميل القيادات السياسية مسؤولية شخصية مباشرة، معتبرة أن جوهر المشكلة تمثل فى تحويل المعلومات المتاحة إلى تقدير خاطئ، ثم إلى قرارات استعدادية وعملياتية غير كافية.
وهيمن فرضية «المفهوم» على تفكير جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان»، والذى يقوم على ركيزة أن مصر وسوريا لن يُقدما على شن حرب شاملة ضد إسرائيل إلا بعد أن تمتلكا قدرة جوية هجومية كافية تمكنها من ضرب العمق الإسرائيلى، وتحولت هذه الفرضية تدريجيًا من تقدير استخباراتى مرن إلى عقيدة جامدة وغير قابلة للمراجعة، أثرت على طريقة تفسير كل المعلومات الواردة، وتم ترجمة أى حشد عسكرى مصرى أو سورى، أو أى مؤشرات على استعدادات هجومية، بأنها «تدريبات» أو «مناورات دفاعية» أو «استعراض قوة»، وليست استعدادًا حقيقيا لشن الحرب.
وأدى الجمود الفكرى المرتبط بـ«المفهوم» إلى تعطيل القراءة الصحيحة للمؤشرات، بينما أسهمت أخطاء القيادة فى تفاقم ضعف الجاهزية والاستجابة، وانعكست هذه العوامل مجتمعة على الأداء العسكرى خلال الحرب، ومن ثم قدم التقرير الإخفاق باعتباره سلسلة مترابطة من الفشل الاستخباراتى والقصور فى الجاهزية والأخطاء القيادية، مع إبقاء المسؤولية السياسية خارج نطاق المحاسبة الشخصية المباشرة.
ويُعد جهاز الاستخبارات العسكرية «أمان» الجهة الوحيدة المخولة بتقييم المعلومات الاستخباراتية على المستوى الوطنى قبل حرب أكتوبر 1973، وهو ما أفضى إلى احتكار شبه كامل لعملية التقييم وغياب التعددية المؤسسية فى التحليل الاستخباراتى.
وأكدت لجنة أجرانات فى تقريرها المرحلى أن قسم البحوث فى «أمان» كان الهيئة الوحيدة فى البلاد المنخرطة فى البحث والتقييم الاستخباراتى»، الأمر الذى منح تقديراته وزنا حاسمًا لدى كل من القيادة العسكرية والسياسية، وأدى هذا الاحتكار إلى أن أى خطأ فى التقييم كان ينعكس بصورة مباشرة على قرارات استدعاء قوات الاحتياط ورفع مستوى التأهب، فى ظل غياب آليات تصحيحية أو آراء مضادة مستقلة.
وعلى الرغم من وجود مؤشرات عديدة على وجود تحضيرات هجومية مصرية وسورية خلال الأسابيع والأيام السابقة للحرب، من بينها الحشد غير المسبوق للقوات على امتداد الجبهتين، ونقل المعدات الثقيلة، وإزالة الشباك التمويهية عن الدبابات، وإخلاء العائلات السوفيتية من مصر وسوريا، فإن قسم البحوث بقيادة العميد أربيه شاليف ورئيس قسم مصر المقدم يونا بندمان، استمر فى تفسير هذه المؤشرات بما يتوافق تمامًا مع «المفهوم»، فكان الحشد المصرى يُفسر باعتباره «تدريبا متعدد الأسلحة مشابها لتدريبات سابقة.
وقد أشار التقرير إلى أن الحشد العسكرى على الجبهتين كان غير مسبوق من حيث حجم القوات واتجاهها نحو الجبهات، إلا أن ذلك لم يؤدى إلى مراجعة التقييم الاستخباراتى أو تغييره وأسهم هذا الجمود الفكرى إلى جانب الثقة المفرطة فى التقديرات القائمة، فى تأخير استدعاء قوات الاحتياط وعدم رفع مستوى التأهب بالقدر المطلوب، الأمر الذى ترك القوات النظامية فى وضع ضعيف عند اندلاع القتال.
واعتبرت لجنة أجرانات أن المسؤولية الأساسية عن هذا التقييم الخاطئ تقع على عاتق رئيس جهاز «أمان» ونائبه المسؤول عن البحوث، باعتبارهما المصدر الوحيد للتقييم الاستخباراتى الوطنى، وما ترتب على تقديراتهما من تأثير حاسم فى القرارات التى اتخذها المستويان العسكرى والسياسى.
وفيما يتعلق بمسؤولية جولدا مائير رئيسة الوزراء، عن إخفاقات الحرب، خلصت لجنة أجرانات فى تقريرها الأول الصادر فى أبريل 1974 إلى أن رئيسة الوزراء لا تتحمل أى مسؤولية شخصية عن تصرفاتها عند اندلاع حرب أكتوبر وما تلاها بل ذهبت اللجنة إلى الإشادة بسلوكها خلال الأيام الحاسمة التى سبقت الحرب.
ووصفت اللجنة موقف مائير بأنه «يكشف عن موقف يتناسب مع المسؤولية الثقيلة التى كانت تحملها» كما أشادت بصورة خاصة بقرارها الصادر صباح 6 أكتوبر 1973 باستدعاء قوات الاحتياط على نطاق واسع، واعتبرته «عملًا مهمًا للدفاع عن الدولة»، وبهذا الموقف أعفت اللجنة مائير بصورة كاملة من أى لوم شخصى مباشر، كما أن اللحنة خلصت إلى أن ديان لا يتحمل مسؤولية شخصية عن الإخفاقات التى سبقت اندلاع الحرب.
التداعيات السياسية والأمنية لتقرير أجرانات
أحدث صدور التقرير المرحلى للجنة أجرانات فى 1 أبريل 1974 موجة غضب شعبى واسعة داخل إسرائيل، رغم إعفاء اللجنة المستوى السياسى من أى مسؤولية شخصية مباشرة، فقد رأت قطاعات واسعة من الرأى العام والجيش والصحافة أن التقرير حمل القيادات العسكرية مسؤولية الإخفاق وحول الجنرالات إلى كبش فداء، فى الوقت الذى منح فيه رئيسة الوزراء جولدا مائير ووزير الدفاع موشيه ديان إعفاءًا كاملًا من المسؤولية الشخصية، وخرجت مظاهرات واسعة طالبت باستقالة الحكومة وتركزت المطالب بصورة خاصة على ديان، بينما وجهت إلى اللجنة نفسها اتهامات بالتواطؤ وبالتساهل فى محاسبة المستوى السياسى.
وبعد 10 أيام فقط من نشر التقرير، أعلنت جولدا مائير فى 11 أبريل 1974 استقالة حكومتها، تحت وطأة الغضب الشعبى وتصاعد الشعور العام بحجم الإخفاق، وشكلت حكومة جديدة برئاسة إسحاق رابين فى يونيو 1974، بينما تولى شيمون بيريز وزارة الدفاع بدلًا من ديان، الذى خرج من الحكومة وتعرضت صورته السياسية والعسكرية لضربة قاسية أنهت إلى حد كبير صورته باعتباره أحد أبطال حرب 1967، وعلى المستوى العسكرى، أقيل إيلى زعيرا وعدد من كبار ضباط الاستخبارات، وحل مردخاى غور محل دافيد إليعازر فى رئاسة الأركان.
وتجاوزت آثار التقرير مجرد تغيير القيادات والأسماء، فقد كشف بصورة صادمة عمق الخلل الذى أصاب منظومة الاستخبارات والجاهزية العسكرية وصناعة القرار، وأسهم فى تحطيم صورة «الجيش الذى لا يُقهر» التى ترسخت بعد 1967، غير أن التقرير فى الوقت ذاته خلف أزمة سياسية ممتدة، بعدما تركزت المحاسبة على الضباط والقيادات العسكرية والاستخباراتية بينما نجا المستوى السياسى إلى حد كبير من المسؤولية الشخصية المباشرة.
وتحول تقرير أجرانات من مجرد وثيقة تاريخية إلى مرآة يُقاس عليها الإخفاق الإسرائيلى الجديد، ودليل حى على أن دروس 1973 لم تُستوعب بالكامل حتى بعد مرور أكثر من نصف قرن، وأن الاعتراف الإسرائيلى بالفشل فى توقع حرب 1973 ظل حاضرًا عند تقييم الإخفاقات الأمنية الإسرائيلية.
وكشف تقرير أجرانات أن حرب أكتوبر لم تكن مجرد مواجهة عسكرية انتهت بانتهاء القتال، بل كانت اختبارًا قاسيًا للقدرات الأمنية الإسرائيلية نفسها، واختبار كشف أن التفوق الذى بدا راسخًا بعد 1967 لم يكن كافيًا لمنع المفاجأة والتفوق المصرى، وأن كثافة المعلومات لم تمنع الخطأ حين أخفقت المؤسسة فى تفسيرها، وأن قوة الجيش لم تمنع الارتباك حين اختل القرار والقيادة.