منذ بداية القرن الحالي، شهدت مصر أحداثا كبرى وتحديات أكبر. سياسية واقتصادية واجتماعية. غالبا ما دفع المواطن العادى ثمنها. إلا أن الله، سبحانه وتعالى، ظل الملجأ بلا انقطاع. هناك علاقة مباشرة بين المصرى والخالق خارج إطار تعاليم الفقهاء وفتاواهم. وكما وثق عالم الاجتماع الراحل سيد عويس فى السبعينيات رسائل المصريين المسلمين إلى الأولياء وآل البيت، خاصة الإمام الشافعي، فإن عالمة الأنثروبولوجيا والدراسات الدينية الألمانية أميرة ميترماير تقتفى فى كتابها الجديد: «تسعة وتسعون» أثر الخالق فى عباده عبر حوارات متنوعة مع أكثر من ١٠٠ مصرى.

وكما أن لله ٩٩ اسماً، فإن المؤلفة تقدم فى كتابها ٩٩ فصلاً قصيرا تستند فيها إلى عملها الميدانى ولقاءاتها المباشرة مع هؤلاء الأشخاص حول ماذا يمثل الخالق بالنسبة لهم؟. وبدون أن تدعى تقديم صورة شاملة أو مكتملة حول هذه العلاقة، تلتقى المؤلفة مع نوعيات مختلفة، اجتماعيا وتعليميا وعُمريا. كل هؤلاء يصفون علاقتهم بالله ونظرتهم إليه. يفتح الكتاب نافذة تُطل على طرق متعددة يتأمل خلالها المصريون المسلمون فى الذات الإلهية وحضورها فى حياتهم. الحوارات مرتبطة بالواقع والظروف التى تمر بها مصر. وهو يعكس كيف يتجلى الخالق قى قلوب الناس؟. نادية شابة فى العشرينيات، كانت تشعر بأنها قريبة جدا من الله. لكنها لم تعد تحس بذلك. تعتقد أن كثرة أخطائها جعلته يغضب عليها ويبتعد عنها. تؤمن بأن القرب الإلهى منها مرتبط بمدى التزامها السلوكى.

فى فصل آخر، هناك شحاذ يُظهر الحوار معه كيف يرى المستضعفون العدالة الإلهية والرزق والتدخلات اليومية للخالق فى حياتهم وسط خضم المعاناة والفقر والمرض الذى يلفهم؟. هناك أيضا رجل صوفى أو «درويش»، يمثل الجانب الروحى الغيبي. يتحدث من خلال رؤية تميل إلى العشق الإلهى والكرامات وتجليات الخالق فى الكون. نقرأ فى الكتاب كذلك حوارا مع ربة منزل «سلفية»، تمثل التيار المحافظ الأكثر التزاما بالنصوص الدينية، وينعكس من خلال كلامها التصور التقليدى القائم على الأحكام الفقهية الصارمة والحلال والحرام والثواب والعقاب الفورى.

الكتاب لا يناقش ماهية الذات الإلهية وفقا للمذاهب الفقهية، بل تصور الله فى وعى بائع متجول أو امرأة مُثقلة بالهموم أو شاب لديه شكوك. التدين ليست له صيغة واحدة. سلفية أو صوفية. إنه تداخل مُعقد ومُدهش من التيارات والتوجهات الدينية المختلفة تتفاعل داخل الشخص الواحد. المؤلفة تستكشف كيف يتأثر إيمان الفرد وقت الأزمات الشخصية والوطنية، وتخلص إلى أن تصورات الوجدان المصرى عن الخالق متعددة الأبعاد والزوايا. الخالق، بالنسبة للمصريين، قريب، حنون، ملاذ آمن، طبيب كونى يُداوى الأرواح، قوته مهيبة غامضة. لكنه أيضا مُنتقم جبار.

الحوارات تؤكد أن الإيمان ليس خطاً مستقيماً، بل يشبه الكائنات الحية.. ينمو ويتقلص ويتغير ويمر بفترات جفاف وفيضان. الناس، فى حياتهم اليومية، يمارسون مرونة إيمانية ولا يلتزمون حرفية النصوص والتعاليم. يصنعون علاقة شخصية مع الخالق تتناسب مع قدراتهم على البقاء وتحمل مشاق الحياة. الله بالنسبة للمصريين هو الملاذ الأخير وسط المشاكل والتفكك الاجتماعي. الله وحده يمتلك العدل والتعويض فى واقع يفتقر إليهما.