«خريطة الذهب» سبقت علم الجيولوجيا.. بردية «تورين» تكشف أسرار الصحراء الشرقية قبل 3 آلاف عام
قبل آلاف السنين من ظهور علم الجيولوجيا بصورته الحديثة، وقبل أن تعرف البشرية الخرائط الجيولوجية والتعدينية بمفهومها العلمى المتعارف عليه اليوم، كان المصرى القديم قد وضع على ورق البردى واحدة من أكثر الوثائق إثارة للدهشة فى تاريخ علوم الأرض إنها بردية تورين الجيولوجية، المحفوظة حاليًا فى متحف «تورين» بإيطاليا وتكشف بردية تورين جانبًا من العلاقة القديمة بين المصريين والصحراء الشرقية فهذه المنطقة كانت تضم شبكة واسعة من طرق التعدين والمحاجر، وتمتد من وادى النيل فى اتجاه البحر الأحمر، وتحتوى على تنوع جيولوجى كبير جعلها مصدرًا للأحجار والمعادن.
وكانت هذه الموارد ضرورية للحضارة المصرية، التى احتاجت إلى كميات هائلة من الأحجار فى بناء المعابد والمقابر والمنشآت الملكية، إلى جانب المعادن التى استخدمت فى الحلى والأدوات والطقوس الدينية.
وبذلك لم تكن الصحراء الشرقية هامشًا جغرافيًا بالنسبة إلى الدولة المصرية القديمة، بل كانت واحدة من أهم مناطق الإنتاج والثروة
الدكتور أبوالحجاج نصر الدين، الخبير والاستشارى الجيولوجى، اكد ان هذه البردية تعود إلى عصر الدولة الحديثة، وترتبط بعهد الملك رمسيس الرابع من الأسرة العشرين، أى إلى القرن الثانى عشر قبل الميلاد.
ولا تكتسب البردية قيمتها من قدمها فقط، وإنما من طبيعة المعلومات التى تحملها؛ فهى تقدم تصورًا تفصيليًا لمنطقة من الصحراء الشرقية، وتجمع بين رسم التضاريس وتحديد الطرق ومواقع المحاجر ومناطق التعدين، إلى جانب وصف عدد من التكوينات الصخرية.
ولهذا ارتبط اسمها بتاريخ التعدين والجيولوجيا باعتبارها أقدم خريطة معروفة من هذا النوع، وشاهدًا استثنائيًا على قدرة المصرى القديم على قراءة الأرض وتحويل معرفته بها إلى أداة عملية لخدمة التعدين وإدارة الموارد.
وأوضح نصر الدين أن الخريطة تدور بصورة أساسية حول منطقة وادى الحمامات فى الصحراء الشرقية، وهو أحد أهم الطرق القديمة التى ربطت وادى النيل بالبحر الأحمر. ولم يكن الوادى مجرد ممر صحراوى عابر، بل كان طريقًا استراتيجيًا للبعثات الملكية التى كانت تتحرك من وادى النيل إلى مناطق المحاجر والتعدين، وتحمل معها العمال والمعدات والمؤن، ثم تعود محملة بالأحجار والمعادن وتكشف البردية شبكة من الجبال والأودية والمسارات، وتحدد عددًا من المواقع المهمة داخل المنطقة، بما فى ذلك أماكن مرتبطة بأعمال التعدين والمحاجر ومناطق إقامة العاملين والبعثات، ومن خلال هذه التفاصيل يبدو واضحًا أن الصحراء بالنسبة إلى المصرى القديم لم تكن مساحة مجهولة، وإنما كانت أرضًا لها طرقها ومعالمها ومواردها ومراكز العمل فيها.
وتابع نصر الدين: ارتبطت بردية تورين فى الذاكرة العامة بمناجم الذهب، لكن مضمونها يتجاوز الذهب وحده، فالخريطة توثق منطقة كانت تشتهر بالمحاجر واستخراج الأحجار إلى جانب وجود الذهب، ومن أبرز ما ارتبط بالمنطقة حجر «البخن»، وهو نوع من الصخور استخدمه المصريون القدماء فى صناعة التماثيل والمنشآت والأعمال الملكية وهنا تظهر قيمة البردية بصورة أكبر؛ فالمصرى القديم لم يكن يبحث عن معدن واحد فقط، وإنما كان يقرأ البيئة الجيولوجية باعتبارها مخزنًا متعدد الموارد وكان يعرف أين توجد الأحجار، وأين تقع الجبال، وكيف يمكن الوصول إليها، وأين تمر الطرق، وأين يمكن للبعثات أن تتوقف، وكيف تتحرك داخل الصحراء ومن أكثر ما يلفت النظر فى بردية تورين الطريقة التى جرى بها تصوير التضاريس فالجبال والتكوينات الصخرية لم تظهر بصورة عشوائية، وإنما استخدمت ألوان وعلامات مختلفة للتمييز بين عدد من التكوينات، بينما ظهرت الأودية والمسارات بخطوط واضحة وهذه الطريقة تكشف عن ملاحظة دقيقة لطبيعة الأرض، خصوصًا أن الهدف لم يكن إنتاج لوحة فنية، وإنما تقديم خريطة يمكن الاستفادة منها فى الواقع فكل جبل أو وادٍ أو طريق كان يحمل قيمة عملية، وكل اختلاف فى طبيعة الصخور يمكن أن يكون مرتبطًا بموقع محجر أو منطقة تعدين ومن هنا أصبحت البردية نموذجًا مبكرًا لما يمكن وصفه اليوم بالمعرفة الجيولوجية التطبيقية وأن المصرى القديم يقرأ الجبل قبل أن يستخرج ثروته ولم يكن استخراج الذهب أو الأحجار من الصحراء مهمة سهلة.
فالرحلة كانت تبدأ من وادى النيل، ثم تمتد لمسافات طويلة داخل بيئة شديدة القسوة، حيث الحرارة المرتفعة وندرة المياه وصعوبة الحركة وكانت أى بعثة تعدين تحتاج إلى معرفة دقيقة بالطريق، ومواقع المياه، ومناطق العمل، وأماكن الإقامة ولهذا جاءت الخريطة لتؤدى وظيفة تتجاوز التوثيق؛ فقد كانت أشبه بأداة تخطيط تساعد القائمين على البعثات فى فهم المنطقة والتحرك داخلها إنها صورة مبكرة لفكرة أصبحت اليوم أساسًا فى أعمال الاستكشاف الجيولوجى: اعرف طبيعة الأرض أولًا، ثم حدد مكان المورد، وبعدها خطط للوصول إليه واستخراجه.
واوضح نصر الدين أن الخريطة ارتبطت بفترة حكم الملك رمسيس الرابع، الذى شهد عهده نشاطًا ملحوظًا فى إرسال البعثات إلى مناطق التعدين والمحاجر وكانت الدولة المصرية القديمة تنظر إلى الأحجار والمعادن باعتبارها موارد استراتيجية تخدم العمارة والقصور والمعابد والتماثيل والمقابر الملكية، كما كان الذهب يحتل مكانة خاصة فى الاقتصاد والمعتقدات المصرية القديمة وكانت البعثات الملكية تحتاج إلى تنظيم ضخم، بداية من اختيار الطريق وحتى توفير العمال والمياه والغذاء والحماية ومن هنا تبدو الخريطة جزءًا من منظومة متكاملة لإدارة الموارد الطبيعية، وليست مجرد رسم جغرافى منفصل عن الواقع.
وأكد محمود عبدالعال، الخبير الجيولوجى، أن الذهب كان يحتل مكانة استثنائية فى الحضارة المصرية القديمة فإلى جانب قيمته المادية، ارتبط الذهب بالمعتقدات الدينية والملكية، وبالشمس والخلود وعدم الفناء ولأن الذهب لا يصدأ ولا يتآكل بالطريقة التى تتعرض لها المعادن الأخرى، ارتبط لدى المصرى القديم بفكرة البقاء والخلود، ولذلك ظهر بكثافة فى المقابر الملكية والأقنعة والتماثيل والحلى والمقتنيات المقدسة.
واضاف عبدالعال أنه من هنا اكتسبت مناطق استخراج الذهب بالصحراء الشرقية أهمية تتجاوز الاقتصاد، وأصبحت بعثات التعدين جزءًا من منظومة الدولة الدينية والملكية وأنه عند قراءة بردية تورين بمعايير عصرها، يمكن اكتشاف أنها تقدم نموذجًا مبكرًا لفكرة أصبحت اليوم جزءًا أساسيًا من علوم الجغرافيا والجيولوجيا والتعدين فهى تجمع فى مساحة واحدة بين الموقع الجغرافى، والتضاريس، والطرق، والأودية، والتكوينات الصخرية، ومناطق التعدين، ومواقع العمل والإقامة أى أنها لم تكتفِ بالإجابة عن سؤال «أين يوجد المكان؟»، وإنما حاولت أيضًا الإجابة عن أسئلة أكثر أهمية بالنسبة إلى بعثة التعدين أين يوجد المورد؟ وكيف نصل إليه؟ وما طبيعة الأرض المحيطة به؟ وأين يمكن أن تتحرك البعثة؟ وأين يمكن أن تتوقف؟وهذه هى بالضبط الأسئلة التى تقوم عليها عمليات الاستكشاف والتعدين الحديثة، وإن اختلفت الأدوات والتقنيات بصورة هائلة.
وأكد محمد أبوالوفا، مدير الوعى الأثرى بمنطقة آثار البحر الأحمر، أن بردية «تورين» تعد إنجازًا استثنائيًا، لأنها تكشف أن المصرى القديم امتلك قدرة متقدمة على تحويل الملاحظة والخبرة المتراكمة إلى معلومات منظمة يمكن استخدامها فى العمل. فلم تكن المعرفة بالأرض مجرد خبرة فردية تنتقل شفهيًا من جيل إلى آخر، وإنما وصلت فى مرحلة ما إلى التوثيق والرسم والكتابة وهذا التحول من المعرفة إلى التوثيق يمثل خطوة مهمة فى تاريخ العلم. فحين يرسم الإنسان الجبل ويحدد الطريق ويضع علامة على موقع المورد، فإنه لا يكتفى بمعرفة المكان، وإنما يحاول أن يجعل هذه المعرفة قابلة للنقل إلى الآخرين وهنا تكمن القيمة الحقيقية للبردية.
وأوضح أبو الوفا أن وادى الحمامات ذاكرة مفتوحة فى قلب الصحراء حتى اليوم، لا تزال منطقة وادى الحمامات تحمل آثار النشاط المصرى القديم، فالنقوش والكتابات الصخرية والآثار المرتبطة بالبعثات القديمة تقدم صورة عن آلاف الأشخاص الذين تحركوا عبر هذه الطرق بحثًا عن الأحجار والمعادن. وتحولت المنطقة إلى سجل مفتوح لتاريخ العلاقة بين الإنسان والصحراء، حيث تركت البعثات وراءها أسماء الملوك والموظفين والعمال، وسجلت تفاصيل الرحلات وأهدافها. وبينما تغيرت أدوات البحث والاستكشاف، ظلت الجبال والأودية شاهدة على تلك المرحلة المبكرة من تاريخ التعدين المصرى من بردية عمرها آلاف السنين إلى التعدين الحديث.
وتابع أبوالوفا أن المفارقة اللافتة أن المناطق التى عرفها المصرى القديم منذ آلاف السنين ما زالت تحتفظ بأهمية جيولوجية وتعدينية حتى العصر الحديث، فالصحراء الشرقية ما زالت واحدة من أهم المناطق التى تجذب أعمال البحث والاستكشاف عن المعادن، وفى مقدمتها الذهب. وإذا كان المصرى القديم قد استخدم أعينه وخبرته وبوصلته الطبيعية وخرائطه البدائية للوصول إلى الموارد، فإن الباحث الحديث يستخدم الأقمار الصناعية والمسح الجيوفيزيائى والتحاليل المعملية وأجهزة الاستشعار وتقنيات الحفر والاستكشاف الحديثة.
لكن الهدف الأساسى لم يتغير كثيرًا وقراءة الأرض لمعرفة ما تخفيه من ثروات. وأن وثيقة تورين تكشف عقلية علمية قبل آلاف السنين وربما تكون أهم رسالة تحملها بردية تورين أن الحضارة المصرية القديمة لم تكن مجرد حضارة بناء وتشييد، كما يختصرها البعض فى الأهرامات والمعابد، فوراء هذه العمارة الضخمة كانت هناك منظومة من المعرفة تشمل الحساب والهندسة والفلك والطب وإدارة المياه والمساحة والتعدين. وكانت خريطة تورين واحدة من الشواهد المهمة على هذه المنظومة؛ لأنها تكشف عن عقلية تنظر إلى الأرض باعتبارها مصدرًا للمعرفة والثروة فى الوقت نفسه، فالمصرى القديم لم يكتفِ بأن يعيش فى بيئته، وإنما حاول أن يفهمها ويصنفها ويحدد مواردها ويضع طرقًا للوصول إليها.
وأكد بشار أبو طالب، نقيب المرشدين السياحيين بالبحر الأحمر، أنه رغم مرور أكثر من ثلاثة آلاف عام، لا تزال بردية «تورين» تفرض نفسها على الباحثين باعتبارها وثيقة فريدة فى تاريخ الخرائط والتعدين فهى ليست مجرد قطعة بردى محفوظة داخل متحف فى إيطاليا، وإنما نافذة مفتوحة على مرحلة كان فيها المصريون القدماء يخوضون الصحراء الشرقية، ويحددون طرقهم، ويستخرجون أحجارهم ومعادنهم، ويعودون بها إلى وادى النيل لتدخل فى صناعة حضارة تركت آثارها فى التاريخ ومن وادى الحمامات إلى مناطق الذهب الحديثة فى الصحراء الشرقية، تبدو القصة واحدة فى جوهرها:
أرض غنية بالثروات، وإنسان يحاول أن يقرأ أسرارها.
لكن الفارق أن المصرى القديم كتب أولى صفحات هذه القصة على ورق البردى، ورسم جبالها ووديانها ومساراتها قبل آلاف السنين من ظهور الخرائط الجيولوجية الحديثة، ولهذا تظل بردية «تورين» الأثرية واحدة من أقدم الشهادات على أن التعدين فى مصر ليس قصة حديثة، وأن معرفة المصريين القدماء بثروات أرضهم تمتد جذورها إلى عمق التاريخ، وأن الخريطة التى رسمها المصرى القديم بحثًا عن الحجر والذهب لم ترسم فقط طريقًا داخل الصحراء، وإنما رسمت أيضًا فصلًا مبكرًا من تاريخ العلم، وأثبتت أن أرض مصر كانت منذ آلاف السنين مختبرًا مفتوحًا للجغرافيا والجيولوجيا والتعدين.