د. إبراهيم سيف منشاوي يكتب: حدود توظيف ترامب للخرائط في إعادة تشكيل النفوذ الأمريكي
لم تعد الخريطة فى السياسة الدولية مجرد أداة محايدة لتمثيل الحدود والمواقع الجغرافية، وإنما أصبحت فى بعض السياقات وسيلة لإنتاج تصورات جديدة للمجال الاستراتيجى وتوجيه الخطاب الجيوسياسى وإعادة تعريف دوائر النفوذ. وقد برز ذلك بوضوح فى توظيف الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للخرائط والتصورات الجغرافية المتعلقة بكندا وغرينلاند وآيسلندا وقناة بنما؛ مما أثار نقاشاً حول ما إذا كانت هذه الخرائط تعكس مجرد خطاب سياسى ضاغط، أم تعبر عن تصور أوسع لإعادة تحديد المجال الحيوى للمصالح الأمريكية.
وتكتسب هذه الممارسات أهمية خاصة بالنظر إلى القيمة الاستراتيجية لهذه المناطق؛ فكندا تمثل الامتداد الجغرافى المباشر للولايات المتحدة الأمريكية، وغرينلاند تقع فى موقع بالغ الأهمية فى القطب الشمالى وشمال الأطلسى، وآيسلندا تحتل موقعاً محورياً فى منظومة الأمن البحرى والجوى لشمال الأطلسى، بينما تمثل قناة بنما إحدى أهم ممرات التجارة والاتصال البحرى بين المحيطين الأطلسى والهادئ.
وتتجاوز أهمية هذه الظاهرة دلالتها الرمزية إلى ما تثيره من تساؤلات بشأن العلاقة بين الجغرافيا السياسية وموازين القوة والقانون الدولى. فالخريطة لا تنشئ بذاتها حقاً إقليمياً ولا تغير الحدود القانونية للدول، غير أن استخدامها فى الخطاب السياسى لقوة كبرى قد يسهم فى إعادة تشكيل التصورات المتعلقة بمناطق النفوذ واختبار مواقف الحلفاء والخصوم. ومن هذا المنطلق، تكتسب دراسة توظيف ترامب للخرائط أهمية خاصة لفهم التحولات فى الاستراتيجية الأمريكية تجاه نصف الكرة الغربى والقطب الشمالى وشمال الأطلسى، ومدى ارتباطها باعتبارات الأمن والموارد والممرات البحرية والمنافسة مع القوى الكبرى، إضافة إلى انعكاساتها على سيادة الدول واستقرار التحالفات القائمة.
خرائط ترامب
برز توظيف الخريطة فى الخطاب السياسى لإدارة ترامب الثانية بصورة لافتة من خلال الخرائط والصور التى نشرها الرئيس الأمريكى عبر وسائل التواصل الاجتماعى، ولا سيّما الخريطة التى نشرها فى ٧ سبتمبر ٢٠٢٦، والتى تعكس تصوراً متخيلاً للولايات المتحدة؛ حيث غطى العلم الأمريكى دولاً ومناطق مثل كندا وغرينلاند وآيسلندا وأجزاءً من المكسيك وأمريكا الوسطى ومنطقة الكاريبى.
وعلى الرغم من أن هذه الخرائط لا تترتب عليها أى آثار قانونية ولا تغير الحدود المعترف بها دولياً؛ فإن أهميتها السياسية تكمن فى قدرتها على تقديم تصور بصرى لمجال جغرافى أوسع ترى الإدارة الأمريكية أن أمنها ومصالحها الاستراتيجية يرتبطان به. وقد أثارت الخريطة ردود فعل رسمية، بما فى ذلك استدعاء آيسلندا للسفير الأمريكى، إلى جانب اعتراضات دنماركية وكندية. ويكشف هذا الاستخدام عن انتقال الخريطة من تمثيل الجغرافيا القائمة إلى إنتاج جغرافيا سياسية متخيلة؛ بمعنى أن الخريطة لا تصف بالضرورة ما هو قائم، وإنما تعرض ما يمكن أن يكون عليه المجال الاستراتيجى وفق تصور سياسى معين. ويتصل ذلك بخطاب ترامب بشأن جعل كندا الولاية الحادية والخمسين، والسيطرة على غرينلاند، وإعادة تأكيد الأهمية الاستراتيجية لقناة بنما. وقد ربط ترامب، فى تصريحاته بشأن غرينلاند، الاهتمام الأمريكى بها باعتبارات الأمن القومى ومواجهة الوجود الروسى والصينى فى القطب الشمالى، بينما ربط مواقفه من قناة بنما بأهميتها الاستراتيجية والتجارية وبمخاوفه بشأن النفوذ الصينى.
ومن زاوية أخرى، تؤدى الخريطة وظيفة مرتبطة بالضغط السياسى وإعادة تعريف حدود التفاوض. فالانتقال من التصريحات اللفظية إلى التمثيل البصرى للأراضى بوصفها جزءاً من المجال الأمريكى يمنح الخطاب السياسى درجة أعلى من الرمزية، ويضع الدول المعنية أمام تصور يصعب التعامل معه باعتباره مجرد موقف تفاوضى عابر. وفى حالة غرينلاند، على سبيل المثال، اقترن خطاب واشنطن بتأكيد أهميتها للأمن القومى الأمريكى، بينما دفعت التصريحات والخرائط المتكررة لترامب الدنمارك وغرينلاند إلى تأكيد رفض أى تغيير فى وضع الجزيرة دون موافقتهما.
وفى حالة آيسلندا، جاءت ردود الفعل الرسمية عقب نشر خريطة ٧ سبتمبر الجاري؛ لتوضح أن إدراج دولة ذات سيادة داخل تمثيل بصرى للولايات المتحدة يمكن أن يتحول سريعاً من أداة خطابية إلى مصدر توتر دبلوماسى. وهذا يعنى أن القيمة السياسية للخريطة لا تكمن فى قدرتها القانونية على تغيير الحدود، وإنما فى قدرتها على اختبار ردود الفعل، ورفع سقف الخطاب التفاوضى، وإعادة ترتيب أجندة القضايا الاستراتيجية.
إعادة توزيع النفوذ
تختلف وظيفة الخرائط باختلاف الموقع محل الاهتمام؛ إذ تتداخل فى حالات كندا وبنما وغرينلاند اعتبارات الجغرافيا مع المصالح الاقتصادية والأمنية والتنافس على النفوذ، وهو ما يتضح فى الآتى:
١- كندا وإعادة تعريف المجال الجيوسياسى لأمريكا الشمالية: تكشف الخرائط والتصورات الجغرافية المرتبطة بخطاب ترامب تجاه كندا عن محاولة لإعادة صياغة مفهوم المجال الجيوسياسى الأمريكى فى أمريكا الشمالية؛ بحيث لا يقتصر على الحدود السياسية والقانونية القائمة، وإنما يمتد إلى تصور أوسع لمجال نفوذ أمريكى تتداخل فيه اعتبارات الأمن والاقتصاد والموارد والطاقة والجغرافيا الاستراتيجية. فقد اقترنت الإشارات المتكررة إلى إمكانية انضمام كندا إلى الولايات المتحدة؛ بخطاب سياسى واقتصادى مارس ضغوطاً بشأن التجارة والحدود والعلاقات الثنائية؛ الأمر الذى جعل الحدود الكندية الأمريكية تظهر فى الخطاب السياسى بوصفها أكثر من مجرد خط فاصل بين دولتين مستقلتين، وإنما باعتبارها مجالاً لإعادة التفاوض حول توزيع القوة والمصالح داخل أمريكا الشمالية.
٢- قناة بنما والحفاظ على النفوذ الأمريكى فى مواجهة الصين: تختلف حالة قناة بنما عن كندا وغرينلاند؛ لأن المسألة لا تتعلق بضم إقليم إلى الولايات المتحدة، وإنما بالسيطرة على ممر مائى يقع خارج الأراضى الأمريكية. وقد جعلت إدارة ترامب أمن قناة بنما وإمكانية وصول الولايات المتحدة إليها جزءاً من مقاربتها الأوسع لنصف الكرة الغربى، فى ظل مخاوف واشنطن من توسع النفوذ الصينى فى مجال البنية التحتية الاستراتيجية. وقد أشار تقرير خدمة أبحاث الكونغرس (Congressional Research Service) لعام ٢٠٢٦، إلى أن إدارة ترامب أكدت أهمية ضمان الوصول العسكرى والتجارى الأمريكى إلى مواقع استراتيجية، من بينها قناة بنما وغرينلاند، كما أبرمت الولايات المتحدة وبنما فى إبريل ٢٠٢٥ ترتيبات لتعزيز التعاون الدفاعى والوجود العسكرى المشترك فى المناطق المحيطة بالقناة.
٣- غرينلاند والمنافسة الأمريكية مع القوى الكبرى فى القطب الشمالى: تمثل غرينلاند الحالة الأكثر وضوحاً فى انتقال الخريطة من التعبير الرمزى إلى أداة ضمن خطاب تفاوضى واستراتيجى متكامل. فقد ربط ترامب مراراً السعى إلى وضع غرينلاند تحت السيطرة الأمريكية باعتبارات الأمن القومى ومواجهة روسيا والصين فى القطب الشمالى، إضافة إلى موقعها فى منظومة الدفاع الصاروخى والمراقبة الاستراتيجية. وفى المقابل، أكدت الدنمارك وغرينلاند أن مستقبل الجزيرة لا يمكن أن يحدد إلا وفق إرادة سكانها؛ الأمر الذى أدى إلى توتر فى العلاقات الأمريكية الدنماركية وإلى تداعيات على العلاقات داخل حلف شمال الأطلسى «الناتو». ولا يخفى أن هذه التطورات دفعت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند إلى إنشاء آلية حوار رفيعة المستوى فى يناير الماضي؛ ما يوضح كيف يمكن للخطاب الجغرافى والضغوط السياسية أن يتحولا إلى أداة لإعادة تشكيل جدول المفاوضات.
وفى هذا السياق، أعلن ترامب، فى ١٨ سبتمبر الجارى، أن واشنطن أبرمت اتفاقاً مع الدنمارك وغرينلاند يمنح الولايات المتحدة سيطرة دائمة على الشؤون الأمنية وجميع الاحتياجات الأخرى فى الجزيرة. ومن جانبها، قالت رئيسة وزراء الدنمارك مته فريدريكسن إن هذا الاتفاق سيعزز أمن شمال الأطلسى والقطب الشمالى. كما أكد رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن أن الاتفاق يعترف بمصالح الجزيرة القطبية ومكانتها فى التعاون الدولى، وأضاف «هذا يفيدنا جميعاً».
وتكشف الحالات الثلاث تعدد وظائف الخرائط فى خطاب ترامب، بين إعادة تصور المجال القارى فى حالة كندا، وتأمين الممرات الاستراتيجية فى حالة قناة بنما، وتعزيز المنافسة بالقطب الشمالى فى حالة غرينلاند.
قيود التغيير
تعكس الحالات السابقة توجه إدارة ترامب الثانية إلى إعطاء نصف الكرة الغربى والمناطق القطبية وشمال الأطلسى وزناً أكبر فى تصورها للمجال الاستراتيجى الأمريكى، مع التركيز على الوصول إلى المواقع الحيوية والحد من نفوذ الصين وروسيا.
غير أن القدرة على إعادة رسم المجال فى الخطاب السياسى تختلف جذرياً عن القدرة على تحويله إلى ترتيبات جيوسياسية فعلية. فالمجال الذى يمكن أن تظهره الخريطة بوصفه امتداداً للمصلحة الأمريكية يظل خاضعاً لوجود دول ذات سيادة، وتحالفات قائمة، والتزامات اتفاقية دولية، وقيود قانونية وسياسية تحول دون انتقال التصور الجغرافى بصورة تلقائية إلى واقع إقليمى جديد. ويظهر ذلك فى حالة غرينلاند، فقد أكدت إدارة ترامب أهميتها للأمن القومى الأمريكى فى مواجهة التنافس مع روسيا والصين فى القطب الشمالى، لكن تبقى غرينلاند جزءاً يتمتع بالحكم الذاتى داخل الدنمارك، وقد أكد مسؤولو الدنمارك وغرينلاند أن مستقبلها يتعين أن يحدده سكانها. كما أثارت هذه المسألة فى البداية توترات فى العلاقات الأمريكية الدنماركية ومخاوف بشأن انعكاساتها على حلف الناتو، قبل الإعلان فى ١٨ سبتمبر الجارى عن التوصل إلى اتفاق بشأن الجزيرة.
كما يمكن أن تؤدى إعادة تعريف المصالح الأمريكية ومجالات النفوذ إلى إعادة تقييم هؤلاء الحلفاء لعلاقات الاعتماد الاستراتيجى على الولايات المتحدة. وقد أظهر تقرير نشرته وكالة «رويترز»، فى ١٧ سبتمبر الجارى، أن الضغوط الأمريكية داخل الناتو، إلى جانب حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الالتزام الأمريكى بأوروبا؛ دفعت عدداً من الدول الأوروبية وكندا إلى زيادة الإنفاق الدفاعى، وفى بعض الحالات إلى البحث عن بدائل للتكنولوجيا والمعدات الدفاعية الأمريكية. ولا يعنى ذلك تفكك الناتو، بل احتمال إعادة توزيع بعض عناصر القوة داخله؛ بحيث تسعى الدول الأوروبية وكندا إلى زيادة قدراتها الذاتية وتنويع مصادر تسليحها وشراكاتها؛ وهو ما قد يؤدى إلى نتيجة مزدوجة تتمثل فى دفع الحلفاء إلى تحمل أعباء أكبر، وفى الوقت نفسه تقليل اعتمادهم طويل الأمد على القوة الأمريكية.
أما فى أمريكا اللاتينية، فإن إعادة صياغة المجال الجيوسياسى الأمريكى ترتبط بصورة وثيقة بمحاولة تعزيز النفوذ فى مواجهة الحضور الاقتصادى والاستراتيجى للقوى الخارجية، ولا سيّما الصين. ولكن يظل توسيع النفوذ الأمريكى فى هذه المنطقة محكوماً بمواقف الدول المعنية وبمبدأ السيادة الإقليمية، كما يتضح من تأكيد مسؤولى بنما أن الترتيبات المتعلقة بالقناة لا تعنى التنازل عن سيادة البلاد.
ختاماً، تكشف حالات كندا وغرينلاند وآيسلندا وقناة بنما أن توظيف الخرائط فى خطاب الرئيس ترامب يتجاوز البعد الرمزى إلى محاولة إعادة تعريف نطاق المصالح الأمريكية ورفع سقف التفاوض بشأن مناطق ذات أهمية استراتيجية. غير أن قدرة هذه الخرائط على التأثير فى الإدراك السياسى لا تعنى قدرتها على تغيير الحدود أو الأوضاع القانونية القائمة؛ ومن ثم يتمثل الأثر الأهم لهذه المقاربة فى إعادة صياغة تصورات النفوذ والمصالح واختبار استجابات الحلفاء والخصوم، بينما يظل تحويلها إلى واقع جيوسياسى مستدام مرهوناً بقدرة واشنطن على توظيف أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية والاستراتيجية، وبمدى قبول الدول المعنية لهذه الترتيبات فى ظل قيود السيادة والقانون الدولى.
* أستاذ القانون الدولى والتنظيم الدولى المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة القاهرة
ينشر بالتعاون مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة