لا يفهم محمود رجب، المزارع فى محافظة المنيا، كثيرا فى مصطلحات التضخم، كيف يؤثر الرى الحديث فى زيادة المحصول، وكيف يمكن أن يكون مواطن صالح يأكل ما يزرعه، لكنه شديد النباهة حول ماذا تعنى عدم قدرته على سداد ديونه نتيجة زيادة نفقاته على أرضه فى مقابل تآكل مدخوله نتيجة هذه النفقات، وفى مقدمتها المحروقات التى أثرت ارتفاعاتها على حياته بشكل كلى.

آخرون
كريم بدوى - صورة أرشيفية
عاطف أندراوس

«محمود» رب أسرة بسيط، ورث الفلاحة، يشرح أنه فى 2019 كان فدان الطماطم يكلفه 20 ألف جنيه، لكن فى 2026 تصل التكلفة إلى 120 ألفا تقريبا، يرجع ذلك بشكل رئيسى إلى ارتفاع أسعار السولار الذى كان من الممكن أن يصل إلى متوسط 80 جنيها لـ«الصفيحة» الواحدة، فيما تصل الآن إلى 410 جنيهات.

احتاج أن يكمل فى فلاحته، فلا ضير أن يتحمل لكن العيب كل العيب فى رأيه أن يترك أرضه، ما جعله يتجه لبيع جزء من أرضه، قبل أن يستدين بالقروض لكى يتمكن من سداد التكلفة الزائدة عن إمكاناته ما جعله مديونا فى 2026 بعدما كان مدخرا فى 2019.

إنفوجرافيك
إنفوجرافيك
إنفوجرافيك

تكلفة المحروقات الزائدة تؤثر على كل حياته، على سبيل المثال زادت أسعار الزراعات، منها الطماطم، ومنها القمح، حيث وصلت تكلفة الكيماوى للفدان إلى 1500 جنيه، وهكذا تكلفة الدريس 1500 جنيه وإيجار الأرض 1500 جنيه، وكذا فى اليد العاملة، فيما زادت شركات الأدوية من الدخل بنسبة 50٪ كاملة، فأى فلاح يمكنه تحمل كل ذلك؟!. وأضاف: «نتحمل؟.. بالتأكيد سنتحمل لا يمكننا ترك بلدنا ونتفهم، لكن بلا رقابة حقيقية من الحكومة، سنقول: فوق طاقتنا يا حكومة».

من 3 فئات رئيسية، بنينا متوازية لحجم صرف المصريين على المحروقات فى ظل زيادات مستمرة خلال الـ10 سنوات الأخيرة، فلاحون وصغار مربو الدواجن وطيارو الدليفرى، وجميع من تحدثنا معهم أشاروا إلى ضرر واسع ليس فقط بسبب الزيادات المتتالية غير المحسوبة من الحكومة على اقتصادهم المنزلى البسيط لكن أيضا من ضعف الرقابة التى تصيب القطاعات المسؤولة ما يضاعف الضرر ويزيد المديونيات بداية من طيار الدليفرى البسيط إلى الاقتصاد الحكومى الواسع.

نحو 500٪ زيادة فى تكلفة الفدان متأثرة بارتفاع كلفة المحروقات وارتداداته على القطاعات التشغيلية المختلفة للزراعة بحسب حديثنا مع محمود وعدد من الفلاحين، وهو قريب من نفس النسبة التى يظهرها حجم الارتفاع فى السولار من 2017 إلى 2026 حيث سجل السولار أيضًا زيادة كبيرة وصلت إلى 461.6٪، وهو ما يحمل تأثيرات ممتدة على مختلف القطاعات، خاصة النقل والخدمات، باعتباره عنصرًا أساسيًا فى حركة الاقتصاد.

القطاع العائلى الأكثر تأثرًا

من السولار إلى أنبوبة البوتاجاز والبنزين، لا تخلو الطبقات من معاناة، فلم يتحملها «محمود»، مواطن بالمنيا، وتحمل تبعاتها على قوت يومه، حيث يشعر مثله الدكتور عاطف أندراوس، أستاذ الاقتصاد فى جامعة الإسكندرية، الذى أثر سعر البنزين على نفقاته بالتأكيد، بعد أن تضاعفت عليه خلال نفس الفترة 2017- 2026.

هذا كمواطن ينزل من بيته إلى عمله، وفى ظل كونه خبيرا للاقتصاد، يشير إلى أن كل شىء فى الاقتصاد يعود تأثيره فى النهاية إلى العائلة، خاصة الطاقة التى تعد المؤثر الرئيسى فى القطاعات الاقتصادية مثل المال والأعمال إلا أن كل ذلك فى النهاية يؤثر على اقتصاد الأسرة.

وأضاف أن القطاع العائلى يتأثر بشكل مباشر من خلال ارتفاع تكاليف المواصلات، سواء فى وسائل النقل العامة التى قد تشهد زيادات سعرية، أو فى النقل الخاص نتيجة ارتفاع تكلفة الوقود، وهو ما ينعكس فورًا على ميزانية الأسر، إلا أن التأثير الأكثر عمقًا يتمثل فى الأثر غير المباشر، حيث تتحمل كافة السلع والخدمات التى يستهلكها الأفراد جزءًا من تكلفة الطاقة والنقل، ما يؤدى إلى ارتفاع عام فى الأسعار.

وأوضح أن هذا التأثير يختلف من فرد لآخر وفقًا لأنماط الاستهلاك والقرارات الاقتصادية المتعلقة بالإنفاق والاستثمار، لكنه فى المجمل يمثل عبئًا واسع النطاق على القطاع العائلى، بما يعكس حجم التأثير الكبير لأسعار الطاقة على الاقتصاد ككل. وفسر ذلك بأن قطاع الأعمال على سبيل المثال يعد المستهلك الأكبر للطاقة ككمية وكحجم المدفوع، ومن ثم يلجأ إلى تحميل الزيادات فى الطاقة إلى زيادة أسعار السلع والخدمات المقدمة ما ينقل العبء بشكل مباشر إلى القطاع العائلى، فى إطار علاقة مترابطة تجعل الاقتصاد ككل منظومة متصلة تتأثر فيها جميع الأطراف ببعضها البعض.

وأضاف أن حجم التأثير على المستهلكين يتحدد وفقًا لمرونة الطلب على السلع المتأثرة بزيادة أسعار الوقود، حيث يؤدى ارتفاع الأسعار فى حالة السلع ذات الطلب المرن إلى تراجع الاستهلاك، بينما لا يحد من الطلب فى حالة السلع الأساسية غير المرنة التى لا يمكن الاستغناء عنها، ما يضاعف العبء على الأسر. ولفت إلى أن هذه العلاقة التبادلية تعكس تداخل الأدوار بين القطاعات المختلفة، إلا أن قطاع الأعمال يظل المحرك الرئيسى لنقل أثر الزيادات، فى حين يتحمل القطاع العائلى النصيب الأكبر من تداعياتها باعتباره الطرف النهائى فى سلسلة الاستهلاك.

وأوضح أن تحليل تأثير ارتفاع أسعار المحروقات يصبح أكثر دقة عند النظر إلى الأسرة كوحدة إنفاق وليس الفرد، نظرًا لاختلاف أنماط الاستهلاك داخلها بين الفئات العمرية، حيث يقل استهلاك كبار السن مقارنة بالشباب، إلا أن الأثر فى النهاية يمتد إلى جميع أفراد الأسرة دون استثناء. ونوه بأن هذا التأثير يظهر بشكل مباشر فى زيادة تكاليف الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمواصلات والغاز، ما يضغط على ميزانية الأسرة بشكل فورى. وأضاف أن التأثير غير المباشر يظل الأكثر اتساعًا، إذ تنعكس زيادة أسعار المحروقات على مختلف السلع والخدمات التى تستهلكها الأسرة، نتيجة تحميل تكاليف الطاقة والنقل على عناصر الإنتاج، ما يؤدى إلى موجة ارتفاعات سعرية عامة.

ولفت إلى أن ارتفاع تكاليف المواصلات والكهرباء والغاز فى ظل محدودية الدخل وتعدد الاحتياجات يدفع الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها، من خلال تقليص الإنفاق على بعض البنود لصالح تغطية الاحتياجات الأساسية، بما يعكس جوهر المشكلة الاقتصادية القائمة على ندرة الموارد مقابل تعدد الاستخدامات.

وأضاف أن هذا المفهوم لا يقتصر على الأفراد فقط، بل يمتد إلى الدولة نفسها التى تواجه معادلة مشابهة بين محدودية الموارد وتزايد الالتزامات، ما يدفعها إلى اتخاذ قرارات اقتصادية صعبة تتعلق بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق. وقال إن السنوات الماضية شهدت تآكلًا واضحًا فى الدخل الحقيقى للمواطنين، نتيجة الفجوة المتزايدة بين الدخل الاسمى ومستويات الأسعار، موضحًا أن القيمة الفعلية للحد الأدنى للأجور تراجعت بشكل كبير مقارنة بما كانت عليه قبل نحو عقد من الزمن.

وأكد أن الحد الأدنى الحالى للأجور لم يعد يعكس القدرة الشرائية الحقيقية، مشيرًا إلى أنه فى حال ربط الأجور بمعدلات التضخم عبر آلية الموازنة بين الأسعار والدخول، فإن الحد الأدنى العادل فى الوقت الراهن كان يجب أن يصل إلى نحو 15 ألف جنيه للفرد، وليس للأسرة، حتى يتناسب مع الارتفاع الكبير فى تكاليف المعيشة.

البنزين الأكثر زيادة

تظهر الأرقام قفزة كبيرة فى أسعار الوقود فى مصر خلال الفترة من 2017 إلى 2026، حيث سجّل بنزين 80 أعلى معدل زيادة بنسبة وصلت إلى 468.5٪، ما يعكس اتجاهاً تصاعدياً حاداً مقارنة بباقى الأنواع. ويتضح من البيانات أن جميع أنواع البنزين، إلى جانب السولار، شهدت زيادات تدريجية فى السنوات الأولى، قبل أن تتسارع وتيرتها بشكل ملحوظ بدءاً من 2022، وصولاً إلى مستويات قياسية فى 2025 و2026.

أنبوبة البوتاجاز

الرقابة التى طالب بها المواطنون لكى يتحملوا فوق طاقتهم من زيادة لتكلفة المحروقات باختلاف أنواعها، تظهر أهميتها وتعترف بغيابها الحكومة أحيانا، حيث يعد مؤتمر وزير البترول الحالى كريم بدوى فى مايو 2025 علامة على ذلك عندما قاطعته إحدى الصحفيات لتقول له فى البث المباشر: «شركتكم تبيع أنبوبة البوتاجاز بأعلى من سعرها».

هذا ما يطلبه «محمد»، مواطن يعول 6 أفراد، الذى يؤكد زيادة معاناته من عدم وجود سعر ثابت أصلا للأنبوبة التى وصلت بعد الزيادات الأخيرة فى السوق السوداء إلى 320 جنيها.

وقال: كثيرون سيقولون: «إيه اللى رماك على المر؟!».. لا أحد سينظر إلى الواقع، تتحدث عن أنبوبة بوتاجاز كان سعرها فى 2019 نحو 130، 140 جنيها، الآن وصلت إلى هذا الرقم «320 جنيهًا» مع العلم ضاعف الرقم المطلوب مع كل سلعة زادت وأسئلة مستمرة أن توفرها كرب أسرة داخل المنزل.

«كل دا وقارن بين دخل 2019 وحاليا فى 2026 وانت تعرف ماذا نعانى».. هكذا يروى فى حديثه عن تكلفة الأنبوبة التى بدونها، لا طعام، لا حركة، أفواه مفتوحة تجعلك تقبل بشرائها من أى مكان حتى لو أكثر من سعرها برقم ليس قليلا، ومن هنا نقول: «شددوا الرقابة والحقونا».

وتُظهر الأرقام الارتفاع الحاد فى سعر أنبوبة البوتاجاز خلال الفترة من 2017 إلى 2026، حيث قفز السعر بنحو 817٪ خلال عشر سنوات، ما يعكس واحدة من كبرى الزيادات فى أسعار الطاقة المنزلية. وبدأت الزيادة بشكل تدريجى من نحو 30 جنيهًا فى 2017 لتصل إلى قرابة 65 جنيهًا فى 2019، قبل أن تشهد حالة من الاستقرار النسبى حتى 2022 مع زيادات محدودة.

التحول الأبرز يظهر بدءًا من 2023، حيث تسارعت وتيرة الارتفاع بشكل كبير، ليقفز السعر إلى نحو 150 جنيهًا فى 2024، ثم يواصل الصعود إلى 200 جنيه فى 2025، وصولًا إلى 275 جنيهًا فى 2026.

ويعكس هذا المسار تأثير سياسات رفع الدعم وإعادة هيكلة أسعار الطاقة، ما أدى إلى زيادة مباشرة فى تكلفة المعيشة، خاصة بالنسبة للأسر التى تعتمد على أنبوبة البوتاجاز كمصدر رئيسى للطهى. وحسب أحدث إصدارات بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء بخصوص استهلاك المصريين للبوتاجاز، كشفت عن انخفاض واضح، إذ استُهلك منه 315.9 ألف طن فى ديسمبر 2025، وهو ما يعنى انخفاضا بنسبة 4.9٪ عن الاستهلاك فى ديسمبر 2024، الذى بلغ 331.3 ألف طن، فيما أنتجت مصر 131.2 ألف طن من استهلاكها فى ديسمبر 2025، بنسبة 39.6٪، فيما استوردت 147.4 ألف طن، بنسبة 60.4٪، فيما كانت استوردت 171 ألف طن فى ديسمبر 2024.

التفويلة أمل فى حد ذاتها

فى القاهرة، لا يغفل عن عينك طيار الدليفرى أحد عوامل كونها ساهرة حتى ساعات الصباح وهو يره أنه لم يعد قادرا على الطيران. يقول مصطفى عامل الدليفرى الذى يروى حجم زيادة تكلفة البنزين على نفقاته. مضيفًا: «الدروس الخصوصية لأولادى تحولت إلى مجموعات، والوجبات التى كانت تعتمد على السمك أو اللحوم أصبحت أقل بكثير، وتُستبدل بالدجاج كخيار أقل تكلفة».

مصطفى وغيره من عمال الدليفرى يعانون بشكل واضح خاصة أنهم بموتوسيكلات، يعتمدون بشكل كبير على بنزين 80 الذى شهد أكبر نسبة ارتفاع تقريبا فى المحروقات منذ 2017، إذ يشير إلى أن تفويلته لم تكن تكلفه أكثر من 11 جنيها، فيما وصلت حاليا إلى أنه لا يمكنه التفويل أصلا، ويقوم بالتموين بـ50 جنيها فقط تساعده يوميا على المضى فى عمله.

مصطفى يحسب كلفة البنزين من الدخل اليومى، مشيرًا إلى أنه كان قادرا على توفير 100٪، الآن البنزين أخذ منهم ع الأقل 30٪، وبشكل غير مباشر كل شىء مرتبط بالمحروقات: «طبق الفول ده كنا بنحط عليه بقى ليمون وكمون وفلفل والكلام ده كله عشان يتاكل.. دلوقتى بزيت وشحم وزى الفل برضه».

«4 مرات البنزين يزيد ولا زيادة فى دخلى».. هكذا هو القطاع الخاص الذى يعمل فيه مصطفى، الذى يشير إلى أن آخر زيادة فقط يمكن أن تحسب زيادة 2 جنيه على ساعة الطيران للدليفرى، وهى نسبة ضئيلة جدا بمقارنتها مع زيادة أسعار البنزين وكافة السلع الأخرى، ومع ذلك يقول: «مخليها على الله عشان لو حسبتها هروح فى ستين داهية».

2024.. تعويم للجنيه

وزيادة قياسية فى المحروقات

ويعد عام 2024 من الأعوام القياسية فى زيادة تكلفة المصريين على المحروقات، إذ شهدت أكبر زيادات فى سعر المحروقات بعدما قررت الحكومة زيادتها 3 مرات على مدار العام، وسجلت أعلى زيادة فى بنزين 92 بنسبة 33 ٪، بنزين 80 بنسبة 38٪ فى السولار بنسبة 64٪ فيما زاد سعر الأنبوبة الضعف مرة واحدة، و36٪ بالنسبة لبنزين 95. وفى عام 2024، شهد الجنيه انخفاضا واضحا فى قيمته، عندما سجل سعر الدولار فى مارس تحديدا ارتفاعا قياسيا من 30 إلى 50 جنيها للدولار، ووصف العام بـ«الشاق اقتصادياً»، حيث ارتفعت الأسعار بشكل ملحوظ نتيجة لارتفاع تكلفة الاستيراد.

قطاع الدواجن

أبرز المتأثرين بتقلب الأسعار

يعد قطاع الدواجن من أكبر المتأثرين حسب مسعد نحلة أحد كبار سماسرة الدواجن فى مصر، يقول: «كل شىء تأثر خلال السنوات الأخيرة، فالتكلفة ترتفع بلا توقف وسوق لا تحتمل هذه الزيادات المتتالية». وأضاف أن ارتفاع أسعار المحروقات لم يكن مجرد عامل إضافى، بل صار محور الأزمة كلها. «كل حاجة داخلة فى التكلفة غليت»، هكذا يلخص المشهد؛ الجاز والغاز والكهرباء، ومعها الأدوية والعلف، كلها حلقات فى سلسلة واحدة تضغط على المربى من كل اتجاه. يسترجع مسعد الفارق بين الأمس واليوم، موضحا: «زمان كنا بنتكلم فى علف بـ8 أو 9 آلاف جنيه، النهارده الأرقام مختلفة تمامًا»، مشيرًا إلى أن المقارنة مع سنوات مثل 2019 تكشف حجم التحول الكبير فى بنية التكلفة.

الأزمة، كما يراها، لا تقف عند حدود الأرقام، بل تمتد إلى هيكل السوق نفسه.