يهدد قرار أمريكا المُحتمل بحظر صادرات الديزل نمو الاقتصاد العالمي، كما قد يتسبب في ركود حاد، كونه وقود النشاط الاقتصادي بدءًا من النقل إلى الزراعة وحتى الصناعة، إضافة إلى أن واشنطن أكبر مُصدّر عالمي له.
وتواصل أسعار الديزل ارتفاعاتها، وحققت داخل الولايات المتحدة مستوى قياسيًا جديدًا الخميس الماضي، إذ سجلت 6.528 دولار للجالون، ما أثار ضجة سياسية كبيرة، خصوصًا في ظل مخاوف من تأثير ذلك في أصوات الناخبين؛ مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل.
ونتيجة لقفزة أسعار النفط الخام وتفاقم أزمة الوقود العالمية، تشهد أسعار البنزين في الولايات المتحدة ارتفاعًا أيضًا؛ إذ بلغ متوسطها الوطني 4.4761 دولار للجالون، صعودًا من 4.1044 دولار قبل شهر، ومن 3.1894 دولار في مثل هذا الوقت من العام الماضي.
قد تؤثر هذه الارتفاعات الحادة في أسعار البنزين والديزل على سلوك الناخبين في انتخابات التجديد النصفي، لكن الأهم من ذلك أن المستوى القياسي لسعر الديزل قد يفاقم توقعات التضخم ويؤدي إلى تباطؤ الاقتصاد.
ففي الأسبوع الماضي، رفع الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الرئيسي للمرة الأولى منذ عام 2023، وصرح رئيس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، قائلًا: "الحقيقة الواضحة هي أن معدل التضخم مرتفع للغاية، وظل كذلك لفترة طويلة جدًا".
وبدأ الارتفاع الكبير في أسعار الديزل يهيمن على النقاشات الدائرة حول تباطؤ النمو الاقتصادي واحتمالية حدوث ركود، حسب موقع "أويل آند غاز".
وكان بنك جولدمان ساكس قد قدّر احتمالية حدوث ركود خلال 12 شهرًا بنسبة 30% في شهر مارس الماضي، أي في بداية الصراع في الشرق الأوسط.
إلا أن صمود الاقتصادين العالمي والأمريكي في وجه اضطرابات الإمدادات على مدار الأشهر الستة الماضية أدى إلى خفض هذه الاحتمالية لتصل إلى 15% حاليًا. وقال جان هاتزيوس، كبير الاقتصاديين في البنك، لـ"ياهو فاينانس" في وقت سابق من سبتمبر الجاري: "لقد خفّضنا تقديراتنا لاحتمالية حدوث ركود اقتصادي خلال الـ12 شهرًا المقبلة، إذ كانت النسبة تبلغ نحو 30% في شهر مارس، بينما تبلغ الآن 15%".
وأضاف: "مع ذلك، ففي حال شهدنا صدمة أخرى، سنرفع هذه النسبة مجددًا".
وأشار محللون، إلى أن العالم يشهد أزمة في إمدادات الديزل؛ بسبب صراع الشرق الأوسط، والحرب الروسية الأوكرانية.
فقد أدى تقييد صادرات النفط الخام الثقيل عالي الكبريت القادم من الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز، والمثالي لإنتاج مشتقات النفط المتوسطة -مثل الديزل ووقود الطائرات- إلى نقص مباشر وحاد في الإمدادات.
كما أدى تعطل مسار الشحن عبر مضيق هرمز إلى صعوبة تشغيل مصافي التكرير في الشرق الأوسط بكامل طاقتها الإنتاجية، وبالتزامن مع ذلك، فرضت الصين -وهي مستهلك رئيسي للطاقة- قيودًا على تصدير المنتجات النفطية "بما في ذلك الديزل" من مصافيها المحلية في شهر مارس من العام الجاري.
وتفاقمت الأزمة بعد تعرض مصافي تكرير رئيسية في روسيا -ثاني أكبر مُصدّر للديزل في العالم- لأضرار جسيمة، ما دفع موسكو لفرض قيود على تصدير الديزل تستمر حتى نهاية الشهر المقبل.
ونتيجة لذلك، اختفت كمية من معروض الديزل في الأسواق العالمية تصل إلى مليون برميل يوميًا، وفق بيانات مؤسسة "إس آند بي جلوبال إنيرجي".
وكان الديزل الأمريكي جزءًا رئيسيًا من أسباب تحقيق المعروض العالمي بعض التوازن في ظل هذا النقص الكبير، إذ تصدر 1.2 مليون برميل يوميًا من إجمالي إنتاج يبلغ 5.1 مليون برميل يوميًا.
وتوقع محللو "وود ماكنزي" أن تختفي 700 ألف برميل من الديزل يوميًا من الأسواق حال اتخاذ قرار في واشنطن بحظر الصادرات، وفق ما ذكرته وكالة رويترز.
ورغم نفي البيت الأبيض لما يتردد عن اتجاه إلى حظر صادرات الديزل، إلا أن مصادر قالت لوكالة رويترز إن كريس رايت، وزير الطاقة، يتحدث مع بعض مصافي تكرير النفط في البلاد، لمناقشة إمكانية اتخاذ قرار بحظر صادرات الديزل لمدة 90 يومًا، "أي لما بعد الانتخابات".
وفي الوقت نفسه، يدرس المسئولون بدائل مثل التعليق المؤقت للضريبة الفيدرالية على الديزل، في حين تحركت بعض حكومات الولايات لتخفيف القيود المفروضة على استخدام الديزل المعفى من الضرائب في النقل البري.
وهناك سابقة تاريخية في هذا الشأن تجعل هذه الخطوة غير مستبعدة؛ ففي أكتوبر 2022 -حين بلغت تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية ذروتها وانخفضت مخزونات نواتج التقطير الأمريكية "التي تشمل الديزل وزيت التدفئة وما شابه" إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1951- درست إدارة الرئيس السابق جو بايدن أيضًا فرض حظر على صادرات الديزل لكنها لم تنفذ ذلك.
ولا يعني اتخاذ مثل هذه الإجراءات حاليًا أن خيار تقييد صادرات الديزل الأمريكية قد استُبعد تمامًا؛ خصوصًا وأن ترامب أعلن تأييده لحظر صادرات الديزل لكبح جماح الأسعار المتفاقمة جراء الحرب التي أشعلها في الشرق الأوسط.
وقال تشو يانج-جون، كاتب مقال في موقع "ذا سول دايلي": "قبل كل شيء، وكما أُشير سابقًا، تظل الانتخابات هي المتغير الأهم. إذا ظلت أسعار الديزل مرتفعة وعصية على الانخفاض رغم التدابير البديلة، وانقلب المشهد الانتخابي ضد الجمهوريين، فقد تلجأ الإدارة إلى هذه الخطوة التي تنطوي على مخاطرة. وقد عكست وكالة بلومبرج هذا المناخ السائد، مشيرة إلى أن بعض شركات التكرير بدأت بالفعل الاستعداد لنزاعات قانونية مع عملاء أجانب قد تنجم عن وقف شحنات الديزل المتجهة إلى الخارج".
المصدر:
الشروق