الموسيقار منير مراد كان يتعامل ليس فقط مع الصوت ولكن الملامح والأحاسيس، يرسم لحناً لا يليق سوى على حليم، «بأمر الحب»، بينما تلك الأغنية تفتح نفسك على الحياة شادية «يا دنيا ذوقوكى بالفرح والهنا»، ثم تسهر مع شريفة فاضل فى «الليل الليل»، وتسأل صباح «علمنى الحب»، بينما يمزج فى صوت محمد رشدى الرجولة والشقاوة «كعب الغزال يا متحنى بدم الغزال».
التقيت مرة واحدة الموسيقار الكبير منير مراد، كان بيته فى شارع «عدلي» هو أيضاً مكتبه، بعدها بأسابيع رحل عن عالمنا، تصادف أن يفصله ١١ يوماً فقط عن رحيل الرئيس أنور السادات، فلم يمنحه الإعلام الاهتمام اللائق، ذهبت لوداعه فى جامع عمر مكرم، بين عدد قليل جداً من الذين يعرفون قدره، لا أتذكر أننى رأيت منير مراد فى لقاء تليفزيونى، ولو كان قد حدث فإن هناك مع الأسف من مسح كالعادة هذا التسجيل، مثلما فرطنا فى الكثير من الوثائق، كان لديه مشروع أن يلحن يومياً باسلوبه الساخر ما يكتب فى الجرائد، ولكن لم يتحمس وقتها المسؤول.
ما أتذكره فى لقائى معه أنه اصطحبنى إلى غرفة صغيرة بمنزله، وأشار إلى اسطوانات «سلك» قبل اختراع الاسطوانة التقليدية، وقال لى هذا تراث أتمنى أن تحافظ عليه الدولة، مع الأسف كل هذه الأشرطة كان مصيرها مثل عشرات غيرها عند بائع «روبابيكيا»، بعد رحيله، لم يهتم أحد بمقتنياته، سألت الراحل أشرف وجيه أباظة ابن شقيقته ليلى مراد، عن مقتنيات خاله، أجابنى لا أعرف شيئاً.
أتذكر تسجيل إذاعى مع أحد عمالقة الحوار طاهر أبو زيد، سأله عن عمره ضحك قائلاً «أنا مواليد ١٩٤٢»، ومن الممكن أن تعكسها، فهو إذن مواليد ٢٤، أى أنه أصغر من الموجى والطويل بعام، وأكبر من حليم بخمسة أعوام، كان حليم يضعه أيضاً فى مكانة الصديق، يحرص على أن يصطحبه معه فى رحلاته لأوروبا لأنه يجيد الإنجليزية والفرنسية وقليل من الإسبانية.
منير حالة إبداعية متكاملة يرقص ويغنى ويمثل، الجزء العميق فى تلك الموهبة والمصدر الأساسى لهذا الإبداع أنه ملحن عبقرى، امتلك من الأنغام كل الأطياف وكأنه «قوس قزح»، أنور وجدى احتضنه، شارك معه كمساعد مخرج وله لقطة فى «غزل البنات» ممسكاً بـ«الكلاكيت».
قدم أسكتش غنائى أسمه «هنا القاهرة»، يقلد فيه المطربون أمثال عبد الوهاب والأطرش وعبد المطلب وليلى مراد وغيرهم، أنه الأكثر تداولاً، إلا أن الأكثر إبداعاً، عندما امسك بالعود وتخيل كيف يلحن «لا مش أنا اللى أبكي» لـ محمد عبد الوهاب، كل من الأطرش والطويل والسنباطى والموجى فتقمصهم موسيقياً.
منير صاحب أكثر النغمات مشاغبة وشبابية، هل ننسى كيف استغل منير كل الأصوات فى مشهد داخل فيلم «يوم من عمرى» عبد السلام النابلسى وسهير البابلى والثلاثى المرح وحتى المزمار الشعبى كان بطلاً، والحصان كان يرقص مثلنا على الإيقاع فى أغنية «ضحك ولعب وجد وحب»؟!
بدأ المشوار نهاية الأربعينيات مع شادية، وإذا كان الموسيقار محمد فوزى أطلقها والموسيقار محمود الشريف هو العمق الاستراتيجى لصوتها، فإن منير هو توأمها الروحى، منذ أن قدم لها «واحد اتنين واحد اتنين»، ومضات صوت شادية تتوهج على موسيقى منير مراد، أنها لا تغنى بل تضىء فى قلوبنا فيضان من البهجة، «دور عليه دور»، «سونة يا سنسن».
كيف كان يرى شريفة فاضل بنت البلد الجدعة الفهلوية «حارة السقايين»، وبذكاء أعادت نانسى عجرم غناءها قبل نحو ٢٠ عاماً، فساهمت فى شهرة نانسى وغناها معها أيضاً «دويتو» محمد منير، فصار أحد اشهر الثنائيات الغنائية العربية.
وقال لى أيضاً منير مراد فى هذا الحوار أن أم كلثوم تواصلت معه قبل رحيلها بنحو عام، طلبت منه أن يستعد بخمسة ألحان قصيرة سوف تقدمها فى حفل واحد، وأكدت عليه أن ينسى تماماً أنه يلحن لأم كلثوم، حتى يتحرر من القيد «الكلثومى»، كانت تريده أن يقدم لها فقط روح منير مراد، كان القدر أسرع.
كم مرة كرمناه، وكم مره استعدنا تراثه فى حفلات، أنه المظلوم الأول والموهوب الأول أيضاً فى حياتنا الموسيقية!!.
المصدر:
المصري اليوم