آخر الأخبار

"ما لم يُحك عن جريمة بني مزار".. 10 قتلى بلا جاني في أغرب قضايا الصعيد | مصراوي

شارك
مصدر الصورة

مع بدء العد التنازلي لعرض حكاية "ما لم يُحك عن بني مزار" (الحكاية الثانية من مسلسل "القصة الكاملة"، والمقرر عرضها يوم الجمعة 25 سبتمبر عبر منصة MBC شاهد)، يُعاد فتح ملف إحدى أكبر القضايا الجنائية في الصعيد، والتي شهدت مقتل 10 أفراد من ثلاث أسر داخل منازلهم عام 2005 دون تسجيل أي علامات لمقاومة أو استغاثة، وهي القضية التي انتهت قضائيًا بـ حصول المتهم الوحيد فيها على حكم بات بالبراءة في أواخر 2008.

وتعود تفاصيل الواقعة الحقيقة إلى أواخر عام 2005، ففي الساعات الأولى من صباح 29 ديسمبر 2005، لم تكن عزبة شمس الدين، التابعة لمركز بني مزار في المنيا، تعرف بعد أن ثلاثة منازل ستصبح خلال ساعات مسرحًا لجريمة قتل راح ضحيتها عشرة أشخاص من ثلاث أسر.

كان أفراد الأسر داخل منازلهم عندما وقعت الجريمة، لم يصل إلى الشرطة في البداية بلاغ عن شجار أو مطاردة، ولم يكن هناك متهم محدد، ومع انكشاف ما جرى بعد الفجر، بدأت واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في بني مزار.

وفق محضر الشرطة الذي استندت إليه التحقيقات، تلقت الأجهزة الأمنية في صباح 29 ديسمبر بلاغًا بمقتل أفراد من ثلاث عائلات داخل منازلهم.

في المنزل الأول، عُثر على سيد محمود محمد عبده، 50 عامًا، وزوجته صباح علي عبدالوهاب، 46 عامًا، وطفليهما أحمد، 9 أعوام، وفاطمة، 7 أعوام، وفي المنزل الثاني، عُثر على طه عبدالحميد محمد، 30 عامًا، ووالدته، أما المنزل الثالث فكان يخص يحيى محمد أبوبكر، 40 عامًا، وزوجته نعمات علي محمد، وطفليهما محمود، عامًا واحدًا، وأسماء، 7 أعوام.

مسرح الجريمة

أظهرت التقارير الطبية أن الوفيات نتجت عن إصابات شديدة في الرأس، وما ترتب عليها من كسور بالجمجمة وإصابات أدت إلى توقف المراكز الحيوية وهبوط بالدورتين الدموية والتنفسية، كما سجلت التحقيقات وجود اعتداءات أخرى على جثامين بعض الضحايا.

وفي أحد المنازل، عثرت الأجهزة على ستة حمامات نافقة بعد قطع رؤوسها، بينما عُثر على أربع رؤوس فقط، وأثبت التقرير البيطري أن نفوقها نتج عن فصل الرأس عن الجسم.

بدورها استمع رجال النيابة العامة إلى شهادة 33 شخصاً بينهم أقارب الضحية، وتشابهت رواياتهم في نقطة أساسية وهى أنهم لم يروا الجريمة نفسها، حيث قالت إحدى بنات سيد محمود، إنها كانت تنام مع شقيقتيها في الطابق الثاني، بينما كان والداها وطفلاهما في الطابق الأرضي، ولم تعرف بما حدث إلا بعد الفجر، عندما سمعت أصوات الناس والصراخ.

وقال أحد الأهالي إنه استيقظ في نحو الخامسة صباحًا على أصوات استغاثة، ثم عرف بمقتل أفراد أسرة سيد محمود، وبعدها وصل إليه خبر مقتل طه ووالدته، ثم مقتل يحيى وأسرته.

ولم يقدم هؤلاء الشهود، بحسب ما ورد في التحقيقات، رواية مباشرة عن لحظة ارتكاب الجرائم، إذ كانت الواقعة بالنسبة إليهم تبدأ من لحظة اكتشاف الجثث.


مرت خمسة أيام قبل أن تتجه التحريات إلى محمد علي محمد عبداللطيف، 27 عامًا، وهو كهربائي من أبناء العزبة، وقالت الشرطة في محاضرها إن محمد كان معروفًا بإصابته باضطرابات نفسية ويتلقى علاجًا، وإن التحريات ركزت على الأشخاص الذين لديهم تاريخ مرضي نفسي في المنطقة، ثم ظهر شاهد قال إنه رأى محمد في الشارع قرابة الثانية صباحًا ليلة الجريمة، بالقرب من منزل يحيى أبوبكر، لكن الشاهد لم يقل إنه رأى عملية القتل أو دخول المنزل، وعندما سألته النيابة كيف تأكد من أن الشخص الذي رآه كان محمدًا، قال إنه عرفه من مشيته وشكله.

اعتراف من سبع صفحات

عقب ضبطه، نسبت الشرطة للمتهم "محمد" اعترافات تفصيلية بارتكاب الواقعة، جاءت في سبع صفحات. وأفاد المتهم بأنه كان فى منزله مساء ليلة الواقعة، وإنه تناول العلاج الذي كان يتلقاه، ثم استيقظ وشعر بما وصفه بأنه "هاتف" يدعوه إلى قتل أي شخص، وأضاف أنه أخذ ساطورًا وسكينًا، وخرج من المنزل، ثم دخل منازل الضحايا عن طريق الأسطح، وارتكب الجرائم تباعًا، كما قال إنه تخلص من أدوات الجريمة بإلقائها في ترعة الإبراهيمية، وإن ملابسه غُسلت بعد ذلك.

وعلى الرغم من تفاصيل الاعتراف المنسوب للمتهم، إلا أنه لم يكن كافيًا لإدانته؛ إذ كشفت التحقيقات عن عدم العثور على الأداتين المُستخدمتين في الجريمة بـ "ترعة الإبراهيمية" خلافًا لما ورد في إقراره، إلى جانب تضارب روايات بعض أفراد أسرته مع التفاصيل التي أدلى بها بشأن تحركاته ليلة الحادث.

وفي هذا السياق، نفى شقيق المتهم ملاحظة أي تصرفات غير طبيعية على شقيقه أثناء وجوده بالمنزل مساء ليلة الواقعة تُشير لنية ارتكاب جريمة، كما أكد والده أن ابنه، رغم خضوعه لعلاج نفسي، لا يمتلك القدرة على تنفيذ مثل هذه المجزرة بمفرده.

وفي تطور لاحق، تقدم والد المتهم بطلب رسمي للنيابة العامة يعلن فيه تراجعه وأسرته عن أجزاء من أقوالهم، كاشفا عن تعرضهم لضغوط وإكراه مادي ومعنوي وشبهات تعذيب أثناء فترة الاحتجاز لإجبار نجله على تحمل مسئولية القضية تحت ستار المرض النفسي، وهي الادعاءات التي شُكلت حولها تحقيقات مستقلة، بالرغم من نفي المتهم نفسه التعرض لأي ضغوط خلال استجوابه الأول أمام النيابة.

نتائج الفحص الطبي

ولم يتوقف التشكيك عند حد الاعترافات والتضارب في الأقوال؛ بل امتد إلى الفحص الفني للطب الشرعي، الذي استُدعي لحسم مدى إمكانية تنفيذ الجريمة وفق السيناريو الميداني المعتمد في التحريات.

وأوضح الدكتور جلال عبد الحميد سيد صالح، نائب كبير الأطباء الشرعيين، في التحقيقات أن التغيرات الرمية على الجثامين تُشير إلى أن ارتكاب الوقائع استغرق نحو 6 ساعات متواصلة، مؤكدًا أن الشخص المتمرس لا يكفيه النطاق الزمني لنحو ساعتين لتنفيذ الحوادث بمفرده، وهو ما أوجد معضلة زمنية خاصةً أن أحد الشهود أدعى رؤية المتهم في حدود الثانية صباحًا، بينما اكتُشفت الجثة مع الفجر، مما أثار شكوكًا جوهرية حول قدرة شخص واحد على تنقل المنازل الثلاثة وإتمام الجريمة في تلك الفترة الوجيزة.

وفي السياق ذاته، ظل صمت مسرح الحادث علامة استفهام رئيسية؛ إذ خلت أوراق التحقيق من تسجيل أي شهادة تُفيد بوجود صيحات استغاثة أو مظاهر مقاومة، رغم وجود الضحايا في غرف متجاورة داخل المنازل، وبسؤال مساعد كبير الأطباء الشرعيين، أكد أن الفحص الظاهري لم يكشف عن أي جروح أو إصابات تُشير إلى وجود محاولات للمقاومة قبل الوفاة.

ولم تقتصر المفارقات الفنية على الجانب الشرعي، بل امتدت إلى التقييم النفسي؛ حيث أدلت الدكتورة أمل توفيق (إحدى الطبيبات المعالجات للمتهم) بشهادتها أمام النيابة، مشيرة إلى أن مظاهر العنف لدى مريض الهياج النفسي تتسم بالعشوائية والانكشاف المباشر، بينما تظهر الجريمة محل التحقيق بنمط منتظم ودقيق خالي من الآثار الفورية، وأكدت أن هذا السلوك المنظم لا يتسق مع طبيعة الشخص الذي يعاني من تشوش في الوعي أو اضطرابات عقلية نشطة.

المحكمة تكشف أسباب براءة المتهم

وانتهت النيابة العامة في ختام تحقيقاتها إلى توجيه اتهام رسمي لـ"محمد عبد اللطيف" بقتل الضحايا العشرة، غير أن محكمة جنايات المنيا لم تتخذ من التحريات والاعترافات المنسوبة للمتهم دليلاً جازماً، وقضت ببراءته رسمياً من التهم المنسوبة إليه.

وأرجعت المحكمة حكم البراءة في أسبابها إلى عدة ثغرات جوهرية؛ في مقدمتها عدم جدية التحريات التي أُصدر بناءً عليها إذن القبض، وإشارتها إلى بطلان الاعترافات لكونها وليدة إكراه مادي ومعنوي، كما لفتت أسباب الحكم إلى وجود أخطاء في إجراءات تحريز بعض المضبوطات، فضلاً عن تناقض الأدلة واستحالة التصور الفني لارتكاب المجزرة بواسطة شخص واحد وفق سيناريو الاتهام.

ولم تقف القضية عند هذا الحد، حيث طُعن على الحكم أمام محكمة النقض، التي أيدت بدورها حكم البراءة في أواخر عام 2008 ليصبح حكماً باتاً ونهائياً، وأكدت حيثيات النقض في تفنيدها للطعن على تضارب التقارير الطبية مع أقوال الشهود، معتبرة أن كيفية تصوير الواقعة تُجافي الواقع والمعقولية الفنية.

مصراوي المصدر: مصراوي
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا