اخترنا اسم لعبة معينة، وسألنا عدة أفراد من جيلى زد وألفا «1997-2012» و«2010-2025» هل سبق وشاركتم هذه الغرفة؟.. كانت إجابتهم نعم، باختلاف محافظاتهم ومستواهم التعليمى جمعتهم منصة مختلفة عن عالم «blue ocean» الشهير، هى «ديسكورد»، لنكتشف عالما رقميا جديدا أكثر من نصفه، بحسب البيانات، من الجيلين اللذين يشتهران بسمات تحمل الكثير من الجدل، فما قصة هذا العالم وكيف يجمع كل هؤلاء ولماذا؟
فى البداية، حملنا التطبيق، وأنشأنا حسابًا على المنصة بسهولة كبيرة، لكننا لم نجد إحصاء دقيق يخص عدد المستخدمين للتطبيق فى مصر، كما لم نجد أى تدوينات أو آراء.. حتى وصلنا إلى «إبراهيم» من قنا، طالب بالصف الثانى فى كلية الهندسة، قال «إن الأمر هنا مختلف فهذا عالمنا للهروب من عالمكم».
يروى «إبراهيم» أن بدايته مع التطبيق جاءت لدخول عالم الألعاب الالكترونية الذى يجمع أطيافا مختلفة، ومع غلق عدة ألعاب بسبب انصراف عدد كبير عنها؛ نظرًا لحاجتها لسرعة نت كبيرة، ما جعل لديسكورد فور معرفتنا به ميزة كبيرة، هنا يمكن أن تلعب عبر غرف خاصة لكل لعبة ومحبيها، بإنترنت جودته ضعيفة جدًا، ومع ذلك لا تتأثر سرعة اللعبة، كان هذا مدخلا استقطب إبراهيم وعددا كبيرا من محيطه حسب حديثه لـ«المصرى اليوم».
ربما لا يعلم كل من «جيسون سيترون» و«ستانيسلاف فيشنفسكى»، إبراهيم وأصدقاءه، لكن بالتأكيد نجحت فكرتهما، حيث يدعم حديث إبراهيم السبب الرئيس لتأسيس الثنائى للمنصة عام 2015 كمنصة للألعاب والتواصل الاجتماعى تحت شعار «مكانك للتحدث»، معتمدة على الصوت عبر بروتوكول الإنترنت، حيث يُمكن للمستخدمين إنشاء مجتمعاتهم الخاصة «خوادم» أو الانضمام إلى مجتمعات قائمة، إذ صُممت المنصة فى البداية؛ لتلبية رغبات محبى ألعاب الفيديو، ثم وفرت إمكانية التفاعل النصى والصوتى والفيديو، إلى جانب البث المباشر، وتم تقديم قنوات المنتدى، التى تسمح بإجراء محادثات أطول ومنفصلة، إلى المنصة فى سبتمبر 2022، وحاولت شركة مايكروسوفت شرائه مقابل 10 مليارات دولار، لكن الصفقة باءت بالفشل فى النهاية.
لم تنتهِ رحلة إبراهيم مع ديسكورد عند هذا الحد، إذ كشف لنا جانبًا آخرًا للمنصة جعلها عالمًا موازيًا لملايين الطلاب المصريين، ومنه وصلنا إلى «محمود» من أسيوط الذى عرفه من غرفة أخرى يتم عليها تداول مراجعات الامتحانات المختلفة ما يجعلها عالمًا بذاته للتعليم وتبادل الأسئلة وهو غير متوفر فى المنصات التقليدية التى انتهت فيها الخصوصية تقريبا ما جعلهم يهربون منها.
يشير محمود إلى أن «ديسكورد» ملىء بالغرف، والاستخدامات التى تمكنه وأصدقاءه من إنشاء خادم بأنفسهم بلا أى تكلفة وبإنترنت ضعيف الجودة لا يستهلك الباقة، وبلا أى إعلانات وخوارزميات تنهى على حقهم فى الوصول لمرادهم أو تضع أمامهم معرفة مسبقة ومصممة لخدمة أغراض بعينها: «كل شىء مباح ويبدأ من المستخدم لا المنصة».
وتظهر قوة ديسكورد كعالم بحد ذاته للغرف المتداولة لأغراض تعليمية سواء بشكل سليم كمراجعات أو غير سليم عبر تسريبات الامتحانات، ويشتمل ديسكورد على 15 ألف خادم تعليمى نجحوا فى استقطاب 18 مليون عضو، بينهم خادم «Sui» الذى يضم نحو 642 ألف عضو وهو ضمن أكبر 22 خادما من حيث الأعضاء داخل المنصة، مقارنة بخوادم الألعاب التى تستحوذ على 22٪ فقط من المستخدمين، وفقًا لموقه «cloudwards.net» المتخصص فى تقييم خدمات الحوسبة السحابية وأدوات الأمان عبر الإنترنت.
وفى مقالة تعريفية لديسكورد، تناولتها صحيفة نيويورك تايمز، تتكون المنصة من مجموعة خوادم، وهى عبارة عن سلسلة من غرف الدردشة تشبه أداة «سلاك» فى بيئة العمل - والتى تُسهّل إجراء محادثات عفوية وسلسلة حول الألعاب والموسيقى والميمات والحياة اليومية. بعض الخوادم كبيرة ومتاحة للجميع، بينما البعض الآخر مخصص للمدعوين فقط.
لا تحتوى الخدمة على إعلانات، بل تعتمد فى ربحها على خدمة اشتراك تتيح للمستخدمين الوصول إلى ميزات مثل الرموز التعبيرية المخصصة مقابل 5 أو 10 دولارات شهريًا. كما بدأت المنصة مع الوقت فى تجربة السماح لبعض المستخدمين بفرض رسوم مقابل الوصول إلى خادمها، تصل إلى 100 دولار شهريًا، وتحصل الشركة على نسبة 10٪ من هذه الرسوم.
يعد «نترو» أكبر ممول حالى لـ«ديسكورد» بنسبة 54٪ من تمويل التطبيق بواقع 304 ملايين دولار من خلال أكثر من 7 ملايين و300 ألف مستخدم، باشتراك شهرى 9.99 دولار، ومثلهم سنويًا، بينما حقق التطبيق 561 مليون دولار إيرادات العام الماضى، كما ارتفعت اشتراكات «Gifted Nitro» بنسبة 26٪، بفضل الحملات الترويجية داخل التطبيق.
ويضم ديسكورد أكثر من 32.6 مليون خادمًا، يتبادلون أكثر من 1.1 مليار رسالة يوميًا، وسيطر خادم «Midjourney» القائم على تحويل النصوص إلى صور مُدعمة بالذكاء الاصطناعى على الشعبية الأكبر بـ20 مليونا و440 عضوًا، يليه «Dank Memer» الذى يضم 8.6 ملايين عضو، ثم «Viggle» المتخصص فى إنشاء مقاطع فيديو مدعومة بالذكاء الاصطناعى من خلال 3 ملايين و970 ألف عضو، بينما خادم «Blox Fruits» الذى يزدهر بفضل لعبة روبلوكس الشهيرة والمحظورة مؤخرًا فى مصر فيعد سادس أكبر خوادم المنصة، إذ يضم مليونا و750 ألف عضو.
من «دردشة اللاعبين»
إلى «منصة لتنظيم الجماعات»
لم تنتهِ الرحلة التى من أجلها بدأنا مهمة استكشاف منصة «جيل تغيير العالم» بحسب وصفه فى المقالات السياسية والتكنولوجية، وكعادة كل المنصات تعرضت لما يعرف بنقطة التحول مع الانفجار الكبير فى استخدامها لتُغير شعارها من «دردشة اللاعبين» إلى «منصة لتنظيم الجماعات».
ومن هنا، استخدمتها عدة جماعات ليس فقط سياسية ولكن أيضًا موسيقية وذات أنشطة مختلفة لتنظيم تحركاتهم، يظهر ذلك فى عام 2017، حيث انضم «قوميون» مجتمعات البيض فى خوادم ديسكورد اليمينية المتطرفة للتخطيط إلى مسيرة «توحيد اليمين» فى شارلوتسفيل بولاية فيرجينيا. ووفقًا لتقرير صحيفة نيويورك تايمز، فإن مسؤولى المنصة، على الرغم من علمهم بوجود القوميين البيض عليها، لم يمنعوهم إلا بعد انتهاء المسيرة.
ووفقًا لورقة بحثية قام بها القس بيرج بجامعة سنترال فلوريدا ودانيال غرانت هيسليب، تحت عنوان «رسم خريطة الجانب المظلم لمنصة ديسكورد: شبكات الكراهية الموزعة على ديسكورد» فى سبتمبر 2021، فإن التطبيق يحظى بتاريخ فى إيواء جماعات عنصرية متطرفة وغالبًا ما تُعلن عن مجتمعاتها على أنها عنصرية، ومُوجهة نحو الغارات، من خلال عينة 3600 خادم.
لم يكن ذلك ظاهرة عالمية، لكنها محلية أيضًا، بحسب سامر طالب بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية الذى تحدث مع «المصرى اليوم» ليكشف جانبًا آخر من الديسكورد «الجانب المظلم»، التى اعتبرها بديلًا عن تطبيق «team speak» القائم على الفكرة ذاتها فى اللعب والتواصل والذى تم حجبه؛ بسبببعض الانتهاكات.
ويرى سامر أن جائحة كورونا التى دفعت أعدادًا كبيرة إلى نقل أعمالهم وتواصلهم اليومى عبر الإنترنت بشكل أكبر، ساهمت فى استقطاب ديسكورد المزيد ومعه روّج لمواقع إباحية من قبل أشخاص ممولين من خوادم التطبيق عن طريق الروابط والدعوة، إذ أن هناك بعض الخوادم المخصصة لذلك.
ووفقًا لموقع «DemandSage» يضم ديسكورد 915 مليون مستخدم حتى اليوم، بينهم 656 مليون مسجل بزيادة 12٪ عن عام 2024 الذى بلغ عددهم 585 مليونًا، و259 مليونا آخرين نشطين شهريًا بزيادة نحو 14٪ عن العام السابق له والبالغ 227.7 مليون مستخدم، و868 مليون حركة مرور على الموقع الإلكترونى.
وبلغ عدد مستخدمى ديسكورد النشطين أثناء جائحة كورونا 100 مليون مستخدم، ليزداد بنسبة 159٪ خلال 5 سنوات بإجمالى 259.2 مليون مستخدم فى 2025، بينما بلغ عدد المسجلين 300 مليون مستخدم ليزداد 119٪ خلال الفترة ذاتها بإجمالى 656 مليون مستخدم.
وبالتزامن مع ذلك؛ واجه سامر بعض الضغوط النفسية فى مرحلته الثانوية، وفى أثناء تصفحه على تطبيق تيك توك؛ تعرّف على صديقه المصرى صاحب الرابعة عشرة من عمره، الذى عرّفه فيما بعد على المجتمع الداعم لأفكار الإلحاد والاضطراب الجندرى «العبور الجندرى» على ديسكورد، ليس من السهل القبول بأعضائه، كما لديه مجتمع فرعى عبر موقع «Reddit»؛ كى ينخرط فى مجموعات أكبر تزيل آلامه النفسية.
أثار الفضول رغبة العشرينى فى اكتشاف المجتمع الغامض الذى لا يصل إليه أحد سوى بدعوة أو بحث عميق، وأقدم على الاشتراك فيه؛ فواجه مجموعة من الأسئلة الدينية، لاسيما التى تختبر إلحاده، كذلك اضطراباته الجنسية وآرائه فى «المثليين»، باعتبار أن ذلك مقياسًا لحريته التعبيرية التى هى شرط من شروط القبول لديهم، فما كان به سوى الإجابة بالحرية من أجل فقط الدخول.
«قعدت تقريبًا يوم كامل بيعملوا معايا انترفيو بس عشان أدخل السيرفر بتاعهم بأسئلة تفصيلية جدًا عنى»، هكذا وصف سامر المكالمة التى أجراها مسؤول المجتمع «الأدمن» عند الانضمام؛ حتى يتم معرفة أسباب رغبته فى الالتحاق بهم والتأكد من هويته.
وبعد فترة من القبول؛ تصادف سامر بصديقه الذى عرّفه على المجتمع يساوم أحد أعضاء الخادم حول عقارات التحول الجنسى؛ لرغبته فى التحول إلى أنثى؛ نظرًا لفشل علاقاته العاطفية وصعوبتها -وفقًا لكلام سامر- ليتفاجأ بعد ذلك أن أغلب أعضاء الخادم تحت السن القانونية وهم مَن يروجون لذلك، لكنه لا يعلم المصدر الحقيقى لأموال تلك العقاقير غير القانونية مقارنة بعمره، لينتقل سامر فيما بعد إلى اكتشاف خادم آخر شبيه الأول عن طريق صديق آخر.
وتابع سامر أن بعض الأعضاء يستخدمون صور «أنمي» معروفة، لاسيما الأطفال والمراهقين المتأثرين بشخصيات كرتونية معينة تعبر عنهم، لكن البعض الآخر ينتهزون ذلك فى انتحال شخصيات أنثوية، لاسيما أن التطبيق يسمح بتغيير الصوت أو بإمكانك الاقتصار على الكتابة فقط، فلا تعرف هوية المتحدث الحقيقية.
وفقًا لـ «مجلة SQ» أن متوسط الوقت للمستخدم على «ديسكورد» يوميًا عبر الصوت 53 دقيقة، وهو ما يتخطى ضعف الاستخدام النصى بواقع 24 دقيقة يوميًا، وتحدث ذروة الاستخدام بين الساعة 8 مساءً و11 مساءً فى جميع المناطق.
ويشير سامر إلى أن الأطفال والمراهقين داخل ديسكورد يتعرضون إلى التحرش و«البيدوفيليا» -اضطراب عِشق الأطفال- والتى يمكن لمرتكبيها التحدث معهم، بل وسبق مقابلتهم وأصبحوا أصدقائهم المقربين؛ لاستغلالهم فى تلبية رغباتهم فى الانضمام إلى غرفة المكالمات مفتوحة الكاميرا وتنفيذ بعض الأوامر الخبيثة التى تنتهك طفولتهم وتخالف الأديان والعادات، بينها الحديث معهم عن المثلية؛ ما يتسبب فى إحداث اضطرابات نفسية لديهم فى سن مبكرة، كذلك الاعتداءات اللفظية من قبل أشخاص تود مصادقتهم أو تقوم ببيع بعض متطلباتهم -شراء ممنوعات- بينما يتوجب على بعضهم تحمّل ذلك؛ للترّبح أو الحصول على مصالح معينة عبر التطبيق.
ووفقًا لموقع «statista»، خلال الربع الأخير من عام 2023 وحده، قام «ديسكورد» بحذف 28 ألف خادم؛ بسبب مخاطر تتعلق بسلامة الأطفال، بينما أبلغ المستخدمون عن حوالى 1119 خادمًا أخرى للسبب ذاته، إلى جانب حذف 12 ألفًا و516 خادمًا بسبب تنفيذ أنشطة غير القانونية، مقابل تلقى 619 بلاغًاللسبب ذاته.
وقال سامر إن «ديسكورد» يسمح بالتحدث مع الأجانب، ما يسهم فى انتشار الثقافات الغربية المخالفة للعادات المصرية، كما أقدمت لعبة «league of legends» «دورى الأساطير» الشهيرة على تنفيذ خادم عربى داخلها، ما قد يشير إلى كثرة المستخدمين العرب فيها، كما يفتقر عنصر الأمان.
وفقًا لموقع «cloudwards» نحو 78٪ من مستخدمى «ديسكورد» هم الآن من غير اللاعبين، إذ يقضى مستخدموه حوالى 8٪ وقتاً أطول على الخوادم غير المخصصة للألعاب مقارنة بالخوادم المخصصة للألعاب، كما يحتل التطبيق المرتبة الثالثة بين أكبر مطورى الألعاب بنسبة 15٪، بعد كل من «Blender»، و«Unreal Engine» بنسبة 27٪ و18٪ على الترتيب.
وحاولت «المصرى اليوم» التواصل مع بعض أصدقاء سامر لكنهم امتنعوا عن ذلك، مرددين: «الموضوع ده هتخلى الديسكورد يتمنع فى مصر».
«قُصى» شاب فى العقد الثالث من عمره، قال لـ«المصرى اليوم» إنه يستخدم ديسكورد منذ 3 سنوات، شهد خلالها بعض الخوادم التى توفر ملفات إباحية، بينهم خادم يحتوى على 5 تيرابايت لذلك، بالتناقض مع توفير ميزة «قفل المحتوى غير اللائق» فى الخوادم ذاتها، إلى جانب أخرى قائمة على فكرة الألوهية -يحسبون أنفسهم إله- وما به إلا أنه أبلغ عن ذلك، لكن ديسكورد لم يستجيب له.
وتابع قُصى أنه تعرّض لخوادم ديسكورد أخرى يتحرش أعضاؤها بالآخرون مهما اختلفت أعمارهم بداية من 18 حتى 60 عامًا، كذلك الابتزاز من خلال إجبارهم على تنفيذ بعض الأوامر التى تلبى رغباتهم تحت التهديد بافتضاح أمرهم، والتى بينها إيذاء أنفسهم: «اكتب بجلدك كلام معين»، ولأن الشخص مغلوب على أمره؛ خوفًا من افتضاح أمره ينفذ ما يؤمر به.
ويمثل المستخدمون الذين تراوح أعمارهم بين 25 و34 عامًا 53٪ من إجمالى ديسكورد، مقابل 20.6٪ ممن هم فى الـ16 إلى 24 عامًا والذين بلغ متوسط وقت استخدامهم التطبيق 117 دقيقة يوميًا، و19٪ لمن هم فى عمر الـ35 إلى 44 عامًا.
«أنا ولد فيها وما خلونى فى حالى، منتشر فيها بيدوفيليا والترصد بديسكورد بشكل مخيف زى بدايات تيم سبيك»، هكذا رصدنا تحذير مستخدم يحمل اسم «u/Emotional-Grade7935» على موقع «Reddit» محذرا من الانضمام إلى خوادم عامة عبر ديسكورد، كذلك استخدام صورهم الشخصية؛ لاستخدام صوره من قِبل بعض الخوادم دون وجه حق.
مستخدم يحمل اسم «_atgu»، أيضًا، كشفت عن هويتها الجندرية الأنثوية؛ محذرة البنات من التعمق عبر منصة ديسكورد، لاسيما خوادم كوبا وأيس، إذ تعرضت إلى الابتزاز من قبل أعضائه، كذلك عدم الثقة فى الأشخاص أو إرسال صورهم الشخصية لهم: «قلبى يصقع فى صدرى كأنه فى ضربة».
وفى وقت سابق، غرّمت اللجنة الوطنية للمعلوماتية والحريات (CNIL) ديسكورد 800 ألف يورو؛ لانتهاكه اللائحة العامة للحماية، كما علّق «ديسكورد» على حادثة أمنية أخرى تتعلق بالعملاء فى الربع الثالث من العام الماضى، أنه حدد نحو 70 ألف مستخدم تم الكشف عن صور هوياتهم الحكومية، والتى استخدمها لمراجعة الطعون المتعلقة بالعمر، لكنه لم يجد أى تجاوز -من وجهة نظره- سواء بالرسائل أو الأنشطة.
الميل لكل ما هو جديد
أكرم ألفى الباحث الديموجرافى يفسر لـ«المصرى اليوم» دوافع تفضيل جيلى «زد وألفا» لـ«ديسكورد» بأنهما نشآ فى بيئة رقمية تميل لكل ما هو جديد، كما يمكن للتطبيق استيعاب أعدادًا كبيرة من الأعضاء قد تصل إلى 100 ألف عضو، ما يخلق تفاعلًا أكبر يتناسب مع خصائص الجيلين. وتابع: «أمر طبيعى ليس خطرًا يتوفر فى كل وسائل التواصل الاجتماعي»، هكذا رد ألفى على تجاوزات ديسكورد، مؤكدًا أنها ليست السمة الرئيسية له.
قبائل رقمية
الجديد هو ما اتفق فيه الدكتور محمد فتحى أستاذ الإعلام بجامعة حلوان مع أكرم ألفى، إذا يشير إلى أن قبائل رقمية جديدة مثل ديسكورد وريديت وغيرهما، تتيح خصوصية أكبر فى النقاشات تسمح بمعرفة غير محدودة بالخوارزميات وكلها أمور جعلت جيلى «زد وألفا» يهربان إلى هذا العالم بمنطق نشكّله لا يشكّلنا.
خليل فاضل استشارى الطب النفسى قال لـ«المصرى اليوم» إن الأجيال الجديدة بالمجتمعات الرقمية «ديسكورد» يستبدلون الأسرة والمجتمع بالواقع الافتراضى.
وتابع «فاضل» أن هذه الأجيال تعتبر ذلك مساحة للتحرر من قيود الأسرة وأحكام المجتمع والقلق الوجودى، إذ يسمح ديسكورد باستخدام «أنا» الخام المؤدية لاستخدامه بلا حدود، والانعزال عن الواقع وفقدان الحياة اليومية، كذلك انفصال الأبوين والإهمال العاطفى للأبناء، وغياب الرقابة، إلى جانب تدنى العلاقات الإنسانية والذوق العام سببًا جوهريًا فى ذلك، والسلوكيات غير المشروعة داخل ديسكورد موجودة فى «الدارك ويب» ومجموعات التواصل الاجتماعى المغلقة -التى تفتقر الرقابة الأسرية والجهات المعنية- ليس سببها التطبيق، إنما المستخدمين أنفسهم.
فيما يشير إبراهيم مجدى حسين استشارى الطب النفسى لـ«المصرى اليوم» إلى أن هناك مبرمجا نفسيا لـ«ديسكورد» يعرف طبيعة الأجيال الجديدة التى تتسم أساسًا بالرقمية، ما سمح له باستقطاب واسع ساهم فى الحفاظ على استمرارية التطبيق وزيادة الانضمام للأجيال التكنولوجية «زد وألفا»؛ نظرًا لطبيعتها المتمردة والميل إلى التغيير، والتحرر من قيود المجتمع.
وتابع «حسين» أن هناك أسبابا سيكولوجية واجتماعية تدفع الأجيال الجديدة للانجذاب لتلك المجتمعات، بينها اضطراب الشخصية، وميول انحرافية، والنبذ المجتمعى، وعدم الشعور بالهوية، كذلك التعلق المرضى، وتسلط أو الدلال الزائد من الأهل، ناهيك عن الحماية الزائدة، والاندفاعية، أيضًا الفراغ، وغياب الرقابة، والقدوة الدينية المشكوك فيها طوال الوقت.
والحل لا يقع على عاتق الأسرة وحدها، والحجب ليس سوى حلًا مؤقتًا يحد من الظاهرة، لكن لا يقضى عليها؛ لذا لابد من الرقابة، والوعى التكنولوجى، البحث عن بدائل نافعة.
خوارزميات تندمج
مع الاستخدام غير المشروع
هشام الناطور خبير التطوير التكنولوجى والذكاء الاصطناعى قال لـ«المصرى اليوم» إن فكرة ديسكورد تقوم على نظام غرف كتابية، صوتية، وفيديو مجانية مفتوحة طوال الوقت دون إذن أو شرط للدخول كذلك دون الكشف عن الهوية.
وأوضح الناطور إن خوارزميات ديسكورد تختلف عن باقى منصات التواصل الاجتماعى تعمل مع بعضها البعض، إذ إن هناك خوادم مسؤولة عن التوصية بمحتوى معين؛ نتيجة لتردد ومدة تعرض الشخص لمحتوى معين، وأخرى لتفاعل الارتباط «Engagement» متخصصة فى زيادة التفاعل عن طريق الإشعارات، وإضافية اجتماعية؛ تعمل على إمداد الأعضاء بألقاب تعطيهم صلاحيات تميزهم عن غيرهم، بينها مشرف أو «VIP».
وأضاف أن ديسكورد لا يروّج للمحتوى غير اللائق بشكل مباشر، لكن خوارزمياته المخصصة لزيادة التفاعل تندمج مع الاستخدام غير المشروع فيظهر على ما هو عليه ومن ثم الإدمان، إذ يبدأ المشوار من خادم ألعاب يتحول إلى دردشة عامة، ثم غرف صوتية خاصة، ثم قنوات مغلقة ورسائل خاصة بكل ما يحدث بها من انتهاكات وأفكار تتنافى مع الدين والمجتمع الشرقى.
وأكد أن التطبيق يفتقر الرقابة عليه كما يفتقد عنصر الخصوصية، إذ لا يملك خاصية التشفير عالية كما الحال فى «واتساب»، لا سيما الأطفال والمراهقين؛ لوجود العديد من المتخفين وراء الأسماء المستعارة يقومون بابتزازهم واستدراجهم، وبعد جائحة كورونا زاد تجاهل البلاغات وأصبح الرد من خلال الروبوت «سيتم الرد قريبًا».
ومهما بذلت الدولة من جهود لحظر أو حجب التطبيق؛ هناك أساليب احتيال تعيق ذلك، بينها برمجيات بعض الأجهزة التى لا تستجيب للحظر، و«VPN» الذى يفتح المجال أمام تعرضه إلى خروقات أكبر، بينها التجسس من خلال الكاميرا أو الميكروفون أو زرع تطبيقات قرصنة معينة، ومن خلالها يبدأ بالابتزاز.
ويشير «الناطور» إلى أن الراوتر التعليمى يمكن أن يحد من ذلك، إذ يُحدد عليه المواقع المراد زيارتها والتعرض إليها، كذلك أوقات العمل وحجم الميجابايت اليومية، إلى جانب منع إضافة خوادم عشوائية.
ويظل ديسكورد مساحة خفية يجد فيها الشباب والمراهقون ملاذا بعيدا عن الرقابة، قد يحمل فى سماته جانبا إيجابيا مثلما تعكس مجتمعات التعليم بداخله، لكنه على الجهة الأخرى يطرح أسئلة كبيرة حول عالم مغلق مباح فيه كل شىء، معزول عن الواقع، ولا يمكن بحال تجاوز تأثيره، خاصة عندما نطالع شهادات بعض من انضموا إليه، فى قصتنا نعكس جانبا من الصورة غير أن واقع التطبيق أكبر بكثير مما نتخيل.
المصدر:
المصري اليوم