آخر الأخبار

خارج تاريخ الصلاحية!

شارك

قالت:

«... ألا تظنين أن هذا العمر لم يعد يناسب بعض الأشياء؟»

لم تكن تقصد شيئًا قاسيًا.

أعرف ذلك.

كانت تقولها بالطريقة التى يقول بها الناس أشياء كثيرة اعتقادًا منهم أنهم يحموننا.

لكن الكلمات اللطيفة أحيانًا تترك أثرًا مربكًا.

سألتها:

«أى أشياء؟»

ابتسمت وقالت:

«السفر الكثير.. العمل الطويل أو أن تبدئى من جديد... أو أن تقعى فى الحب مثلًا».

ضحكت.

ضحكة قصيرة خرجت من فمى، لكنها لم تكن من قلبى.

لأننى فهمت ماذا تقصد.

كانت تتحدث عن العمر.

ذلك الرقم الذى يراه الناس قبل أن يراه صاحبه.

فى تلك الليلة، جلست وحدى فى الشرفة.

كانت القاهرة نائمة تقريبًا.

أما أنا، فكنت أفكر فى كل الأشياء التى أجلتها احترامًا للعمر.

فستان لم أشتره.

رحلة لم أذهب إليها.

رقصة لم أرقصها.

مشاعر أخفيتها.

كم مرة دفنا أنفسنا أحياء كى نبدو مناسبين للآخرين؟

بعد أسابيع قليلة، كنت فى معرض للفنون.

وقفت طويلًا أمام لوحة.

امرأة بشعر أبيض تقف فى مواجهة البحر.

لم تكن جميلة بالمقاييس المعتادة.

لكن شيئًا فيها كان يشع.

حرية ربما.

أو سلامًا.

أو شجاعة لا تساوم.

بينما كنت أتأملها، وقف رجل بجوارى.

فى مثل عمرى تقريبًا.

قال دون أن ينظر إلى:

«الغريب أننا نمضى نصف حياتنا نحاول أن نكبر، ثم نمضى النصف الآخر معتذرين لأننا كبرنا»!!.

التفت إليه.

ابتسم.

وأكمل:

«كأن الناس يسمحون للشباب أن يحلموا، لكنهم يغضبون حين يحلم الكبار.»

عدت إلى البيت فى ذلك اليوم وأنا أفكر فى كلامه.

كم من الأحلام تموت بسبب الخجل لا بسبب العمر؟

كم من النساء توقفن عن ارتداء الألوان لأن أحدهم قرر أن الفرح له سن محددة؟

وكم من الرجال أخفوا دموعهم ووحدتهم لأن المجتمع أخبرهم أن الحنين لا يليق بهم؟

بعد أيام، فتحت دولابى.

أخرجت وشاحًا أحمر كنت أحتفظ به منذ سنوات.

اشتريته من باريس.

ولم أرتده مرة واحدة.

كنت أنتظر مناسبة خاصة.

اكتشفت فجأة أن المناسبة الخاصة لم تكن يومًا معينًا.

المناسبة الخاصة هى أننى ما زلت هنا.

ما زلت أرى.

وأحب.

وأشتاق.

وأتأثر بموسيقى قديمة.

وأفرح برسالة مداعبة.

وأتطلع إلى الغد رغم كل شىء.

فى الصباح التالى ارتديت الوشاح.

نظرت إلى المرآة.

رأيت خطوط الوجه.

ورأيت الشعر الذى غزاه الشيب.

ورأيت أيضًا امرأة قوية نجت من أشياء كثيرة.

امرأة تخطت الكثير من الصعاب كى تصل إلى هذه اللحظة.

وفكرت:

ما أغرب الناس.

يهنئونك لأنك عشت طويلًا.

ثم يستغربون أنك ما زلت ترغب فى الحياة.

ومنذ ذلك اليوم، كلما قال أحدهم:

«ألا ترين أنك كبرتِ على هذا؟»

أبتسم فقط.

وأجيب فى سرى:

«لا يا عزيزتى...

لقد كبرت بما يكفى لأعرف أن الحياة أقصر من أن أعيشها وفق مقاسات الآخرين».

شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا