آخر الأخبار

تأثير الفراشة (١)

شارك

التاريخ يشغلنى دائمًا، واهتمامى بقراءته والتعلم من دروسه لا ينقطع. وقد لا يدانيه فى هذا الاهتمام سوى الأدب والقانون والاقتصاد. السؤال الذى أطرحه اليوم هو هل يمكن لحوادث مفاجئة أو وقائع غير مرتبة أو مواقف شخصية خارجة عن التوقع والمعتاد أن تغير فى مجرى التاريخ؟

الإجابة هى بكل تأكيد نعم، فالأحداث والوقائع والتصرفات العارضة يمكن أن تغير مصائر الأمم وتبدل خريطة العالم وتقود إلى النزاع والدمار أو تحقق ازدهارًا يمتد إلى عقود وأحيانًا إلى قرون. ذلك ما يعرف فى التحليل التاريخى بتأثير الفراشة Butterfly Effect.

فى يوليو الماضى وقفت بين مجموعة صغيرة من كبار القضاة المصريين، وبترتيب من الدكتور أشرف منصور رئيس أمناء الجامعة الألمانية فى القاهرة، نستمع إلى شرح قاضٍ ألمانى للمبنى التاريخى الذى تحتله وزارة العدل الفيدرالية الألمانية فى ٣٧ شارع مورنشطراسه فى شرق برلين. أشار أثناء الجولة التفقدية إلى لوحة تذكارية، ثم قادنا لنقف أمام قاعة صغيرة نسبيًا مازالت محتفظة بمقاعدها الحمراء ومنصتها المتواضعة منذ ٩ نوفمبر ١٩٨٩. ماذا حدث فى هذا المكان فى ذلك اليوم؟

هنا كان المركز الصحفى الدولى لحكومة ألمانيا الشرقية، وكان المتحدث جونتر شابوفسكى يعقد مؤتمرًا صحفيًا يجيب فيه عن أسئلة المراسلين الأجانب. سأله صحفى إيطالى فى نهاية المؤتمر سؤالًا مباشرًا عن موعد تطبيق اللائحة الجديدة التى أشار إليها وتسمح بسفر ألمان الشرق إلى الغرب. لم تكن لديه معلومات عما انتهى إليه الأمر فى قرار الحكومة، فنظر مرتبكًا فى الورقة التى وضعت بين يديه، إلا أنه لم يجد تاريخًا محددًا مذكورًا، فبادر بزلة لسان إلى القول: «بحسب معلوماتى، فإن هذا القرار يدخل حيز التنفيذ فورًا وبدون تأخير». استمع الناس إلى ذلك عبر البث المباشر لوسائل الإعلام، فاندفعوا إلى سور برلين بالآلاف للعبور. إزاء التدافع لم تجرؤ قيادات حرس الحدود فى ظل عدم وجود تعليمات على إصدار قرار بإطلاق النيران، وقرر قائد نقطة تفتيش يورنهولمر شتراسه فتح البوابات لتفادى مجزرة قد تحدث سواء بسبب التدافع الشديد أو إطلاق نار. فى الليلة نفسها بادر الناس من الجانبين إلى هدم السور، ما قاد إلى انهيار حكومة ألمانيا الشرقية، وبعدها توحيد ألمانيا. وهكذا فإن زلة لسان المتحدث قد عجلت– ولا أقول تسببت– فى ذلك الحدث التاريخى.

لننتقل الآن إلى حدث آخر عابر كان تأثيره كبيرًا فى التاريخ العربى قبل الإسلام. لقد تسبّب سباق خيل ناتج عن رهان شخصى فى اندلاع حرب قبلية طاحنة بين فرعى قبيلة غطفان (عبس وذبيان) استمرت لنحو ٤٠ سنة وأتت على الأخضر واليابس، وهى المعروفة بحرب داحس والغبراء. فقد كان قيس بن زهير (سيد عبس) يمتلك فرسًا أصيلة تُدعى داحس، بينما كان حذيفة بن بدر (سيد ذبيان) يمتلك فرسًا تُدعى الغبراء، وقد اتفقا على تنظيم سباق بين الفرسين لمسافة طويلة، ووضع كل منهما رهانًا كبيرًا (مائة من الإبل) على فوز فرسه. اتهم قيس رجال منافسه باستخدام الخديعة لتغيير نتيجة السباق، واشتد الخلاف والجدال بين الطرفين حتى أقدم مالك بن زهير (أخو قيس) على قتل أحد أبناء حذيفة، فردّ حذيفة وذووه بقتل مالك، لتبدأ الحرب رسميًا. استمرت الحرب بين عبس وذبيان لأربعة عقود، وشهدت معارك طاحنة، وقُتل فيها كبار سادة القبيلتين، وبرزت فيها شخصيات تاريخية مثل عنترة بن شداد الذى خاض معظم معاركها دفاعًا عن قومه بنى عبس، وصور أهوالها فى معلقته. ولم تنتهِ الحرب إلا بفضل تدخل رجلين من سادة ذبيان والعرب هما هَرِم بن سنان والحارث بن عوف، اللذان تحمّلا ديات جميع القتلى من أموالهما الخاصة. وتخليدًا لفعلهما مدحهما الشاعر زهير بن أبى سلمى فى معلقته الشهيرة.

والآن أنتقل لبيان تأثير موقف فرد واحد على مستقبل أمته. وقد اخترت جورج واشنطن الذى شكلت مواقفه وقراراته نقطة الأساس فى التاريخ الأمريكى والقاعدة الأخلاقية والقانونية التى حدّدت الهوية السياسية للولايات المتحدة وحمتها من المصير الذى سقطت فيه معظم الثورات الكبرى من الفوضى أو الدكتاتورية. الواقع أن هناك ثلاثة مواقف حاسمة لجورج واشنطن رسمت مجد أمريكا وضمنت لها ازدهارها وتفوقها المستقبلى: أولها هو رفضه الانقلاب العسكرى وإحباطه مؤامرة نيوبورج عام ١٧٨٣، إذ إنه بعد الانتصار على البريطانيين، غضب ضباط الجيش الأمريكى لعدم تلقى رواتبهم من المؤتمر القارى، وفكروا فى القيام بانقلاب عسكرى وفرض سيطرتهم بالقوة، وعرضوا على واشنطن أن يكون حاكمًا أو ملكًا برتبة عسكرية، إلا أنه شجب الفكرة وألقى خطابًا فيهم رسخ فيه مبدأ خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية، مما أدى إلى تراجعهم عن الفكرة. وثانيها قيامه فى عام ١٧٨٣ بعد توقيع معاهدة السلام مع الإنجليز إلى الاستقالة التطوعية من قيادة الجيش والذهاب بنفسه إلى الكونجرس وتسليم سيفه ليعود إلى مزرعته كمواطن عادى. وهو الموقف الذى كان محل إكبار العالم، حتى إن ملك بريطانيا جورج الثالث قال حين سمع باستقالته: «إذا فعل ذلك حقًا، فسيكون أعظم رجل فى العالم».

الموقف الثالث لجورج واشنطن هو رفضه بعد انتخابه كأول رئيس للولايات المتحدة لفترتين (١٧٨٩ – ١٧٩٧) تجديد ولايته لمرة ثالثة، رغم إمكانية بقائه فى الحكم مدى الحياة لشعبيته الطاغية. لقد أكد موقفه ذلك فى «خطاب الوداع» عام ١٧٩٦ ليُرسى تقليدًا ديمقراطيًا للتداول السلمى للسلطة لا يزال ساريًا حتى اليوم. وقد ظل عرفًا مرعيًّا إلى أن أُقر رسميًّا فى التعديل الثانى والعشرين للدستور الأمريكى.

شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا