مصر لم تخرج، فى أى من أزماتها الاقتصادية الكبرى، من عنق الزجاجة بأداء اقتصادى بحت، بل ساعدتها فى ذلك مناورة سياسية حصيفة استثمرت موقعها ودورها الإقليمى. فبعد إنهاك حرب الاستنزاف وأكتوبر، لم يكن الخروج عبر إصلاح بنيوى وحده، بل عبر التحول أيضاً نحو واشنطن الذى حوّل السلام إلى معونة سنوية مستمرة حتى اليوم. وحين اشتدت أزمة الديون مطلع التسعينيات، لم يكن الحل فى الميزان التجارى فقط، بل فى مشاركة مصر بجانب التحالف الدولى فى حرب الخليج أيضاً، وهو ما أثمر إسقاط نحو عشرين مليار دولار من الديون دفعة واحدة. وفى كل أزمة تالية، من ٢٠١٣ إلى اتفاق رأس الحكمة، كان الدعم الخارجى، وخاصة الخليجى، إلى جانب الصادرات والإنتاجية، هو ما أعاد ملء الاحتياطى.
هذا النمط لا ينبغى أن يُقرأ كإخفاق، بل كمهارة وطنية مكتسبة: القدرة على تحويل الموقع الجيوسياسى إلى مكاسب اقتصادية ملموسة حين تضيق السبل. غير أن هذا يفتح الباب أمام سؤال أكثر إلحاحاً: هل ما زال الإصلاح التدريجى وحده طريقاً واقعياً للخروج النهائى من الأزمة؟
الإجابة سلبية، وسببها حسابى بحت. فخدمة الدين، التى تلتهم اليوم نحو نصف إيرادات الدولة، تلتقط أى تحسن اقتصادى قبل أن يصل أثره إلى المواطن. أى نمو يتحقق يُستهلك فى سداد الفوائد وأصل الدين قبل أن يتحول إلى معيشة أفضل. ولو استمر هذا المسار، فإن الفارق بين الجهد الإصلاحى والنتيجة الملموسة قد لا يظهر بوضوح إلا بعد عدة أجيال. هذا ليس تشاؤماً، بل نتيجة مباشرة لواقع أن الدين، حين يبلغ هذا الحجم، يتحول من عبء إلى قيد بنيوى يعطل مفعول أى إصلاح مهما كان جاداً.
إذا كان النمو عاجزاً بحكم الحساب عن اللحاق بخدمة الدين، فإن الحل لا يأتى من التراكم البطيء، بل من رهان استراتيجى أكبر يعيد ترتيب المعادلة دفعة واحدة. والمفارقة أن مصر امتلكت هذه الورقة طوال الوقت، لكنها لم توظفها بما يوازى حجم أزمتها الحقيقى.
فمصر كانت تختار، فى كل مرة، الاصطفاف كموقف رمزى متحفظ، لا التعرض كالتزام فعلى يحمل مسؤولية. الاصطفاف إشارة سياسية قابلة للتراجع عنها: تصريح، تحالف مؤقت، موقف تصويتى. أما التعرض فالتزام حقيقى، تتحمل الدولة تبعاته السيادية والأمنية لفترة طويلة، ويصعب التراجع عنه. والفارق بين النوعين هو الفارق بين إنقاذ يشترى أشهراً من الاستقرار، وتسوية تعيد رسم الوضع المالى للدولة جذرياً بما يقترب من إسقاط جزء حقيقى من الدين لا مجرد تأجيله.
بمعنى أدق: مصر لم تستثمر دورها الإقليمى بالقدر الذى يستحقه حجم أزماتها المتكررة. والسؤال الذى ينبغى أن تطرحه القيادة اليوم ليس: «هل نستمر فى الحذر المعتاد؟» بل: «ما الذى يمنعنا من تفعيل دورنا الإقليمى بما يوازى حجم أزمتنا الفعلية؟»
والإجابة تبدأ من أهم ما تملكه مصر أصلاً: رصيد الثقة الذى بنته بعناء على مدى عقود طويلة، عبر انتهاج سياسة متوازنة لم تنحز فيها بشكل صارخ لمعسكر ضد آخر، وحافظت من خلالها على قنوات تواصل مفتوحة مع أطراف متصارعة فيما بينها، من الرياض إلى طهران، ومن واشنطن إلى بكين وموسكو، ومن حماس إلى إسرائيل ذاتها. هذا الرصيد لم يتكوّن بالصدفة، بل هو ثمرة دبلوماسية صبورة ومتأنية، ترفض الانجرار إلى الاستقطاب الحاد، وتحرص على أن تبقى مصر محاوراً مقبولاً من الجميع حتى حين يتقاتل هؤلاء فيما بينهم. وهذا الرصيد ليس غاية فى ذاته، ولا مفخرة تُذكر وتُنسى، بل هو أساس المعادلة كلها: فطالما ظلت الدبلوماسية الهادئة قادرة على تحقيق المطلوب، فهى الخيار الأول والدائم الذى لا بديل عنه. غير أن اللحظة التى تستنفد فيها هذه الدبلوماسية طاقتها دون أن تصل إلى نتيجة هى اللحظة التى يصبح فيها الإنفاق من هذا الرصيد، لا الاحتفاظ به، هو الخيار الأصوب. فالثقة التى لا تُستخدم حين تستدعى الضرورة ذلك ليست ثروة بل عبء، ومصر اليوم أمام لحظة كهذه بالتحديد: لحظة يجب أن تتحول فيها من الحياد المريح إلى القوة الاستقرارية التى لا غنى عنها.
وإلى جانب هذا الرصيد، تملك مصر أيضاً قدرة على الإنذار والردع، حين تقتضى الضرورة تجاوز حدود الثقة إلى لغة أكثر صرامة. فحين حشدت قواتها المدرعة على حدودها الغربية عام ٢٠٢٠ تحذيراً من تجاوز خط سرت-الجفرة، لم تكن تطلب دعماً، بل رسمت حدوداً لما يمكن تحمله، وأثبتت أن استعراض القدرة قد يغيّر حسابات الخصم دون إطلاق رصاصة واحدة.
يمكن تصور، على سبيل الافتراض، خمسة مسارات تجسد هذا المنطق.
الأول، غزة: عوضاً عن الدور المحدود الذى التزمت به القاهرة تجنباً لتبعات الفشل، يمكن تصور تولٍ مصرى كامل لعملية الإعمار والإدارة الانتقالية، فى مقابل التزام دولى وخليجى بدعم هذا الدور بما يوازى كلفته، على أن يُفهم بوضوح أنه ليس تنفيذاً لمخطط «ريفيرا ترامب»، بل نقيضه: ضمانة لبقاء الفلسطينيين على أرضهم لا لتهجيرهم. ومما يعزز واقعية هذا المسار أنه يحظى بترحيب واسع، وفى مقدمة المرحبين الفلسطينيون أنفسهم، الذين يرون فى مصر الضامن الأكثر ثقة.
الثانى، السودان، الأقرب إلى مصلحة مصر المباشرة: عوضاً عن الموقف الحذر القائم على دعم غير معلن، يمكن تصور دور معلن وحاسم يرجّح كفة التوازن العسكرى لصالح استقرار الدولة السودانية ووحدتها، بما يحمى أمن مصر المائى والحدودى. وهذا يستدعى مقاربة واقعية لتعقيدات المشهد الداخلى، بما فى ذلك حضور أطراف ذات توجهات إسلامية ضمن معسكر الدعم، وهو تعقيد لا ينبغى أن يُعطّل الحسم، بل يُدار ضمن معادلة إقليمية أوسع تشمل السعودية وتركيا، دون اصطفاف حاد يُربك علاقات مصر الأخرى. ومثل هذا الدور يحقق لمصر أيضاً ميزة استراتيجية فى ملف مياه النيل، فى مقابل تمويل دولى يعترف بأن استقرار السودان مصلحة مشتركة.
الثالث، البحر الأحمر: يمكن تصور توسّع الدور الأمنى المصرى ليشمل البحر الأحمر بأكمله، بما يجعل مصر ضامناً مباشراً لخطوط التجارة فى مواجهة التهديدات الحوثية. ومن المرجح أن يحظى موقف مصرى أكثر صرامة فى هذا الملف بترحيب وتمويل من الجميع تقريباً، بمن فيهم واشنطن وباريس، مقابل معاملة خسائر القناة كمسؤولية دولية مشتركة.
الرابع، الهجرة مع أوروبا: عوضاً عن التعاون المحدود القائم، يمكن تصور مصر وهى تتبنى دوراً أكبر فى احتواء تدفقات الهجرة، فى مقابل تسوية ديون تعكس قيمة هذا الدور لأوروبا. وقد يكون مفيداً أن تستفيد القاهرة من تجربة أنقرة، التى حوّلت اتفاقها مع الاتحاد الأوروبى حول اللجوء إلى أداة ضغط فعالة. وهذا الدور يحمل أيضاً بعداً إنسانياً وقائياً، إذ يحول دون تكرار مآسى الغرق والتهريب.
الخامس، ليبيا: عوضاً عن الدعم غير المعلن لأطراف بعينها فى الشرق الليبى، يمكن تصور تولٍ مصرى أوضح لرسم مستقبل ليبيا، لكن عبر تفاهم مباشر مع تركيا لا فى مواجهتها، بما يحوّل الحضور المتوازى فى ليبيا من مصدر توتر إلى شراكة مُدارة تخدم الطرفين، خصوصاً فى ظل العلاقة المتنامية بين القاهرة وأنقرة، دون المخاطرة بعلاقة أصبحت من ركائز سياسة مصر الإقليمية.
ما يجمع هذه المسارات أنها تتضمن التزاماً فعلياً تتحمل مصر مسؤوليته — سيادياً أو أمنياً أو سياسياً — لا مجرد إشارة قابلة للتراجع عنها، وهو ما يمنحها القدرة على انتزاع تسوية جذرية للديون، لا مجرد تمديد جديد لأجل الأزمة.
وتجدر الإشارة إلى أن ما سبق ليس دعوة لاستخدام القوة أو الانخراط فى مغامرات غير محسوبة. فالدبلوماسية الصبورة تظل الخيار الأول والدائم، ولا يُصار إلى ما هو أبعد منها إلا حين تستنفد طاقتها دون أن تحقق المطلوب. عندها فقط تصبح «الدبلوماسية بوسائل أخرى» — على غرار ما ذهب إليه كلاوزفيتز فى تعريفه للحرب كامتداد للسياسة — ضرورة لا خياراً، استمراراً للحكمة لا نقيضاً لها.
وفى الختام، إذا كانت مصر خلال السنوات الثلاث الماضية قد أبحرت وسط العاصفة بحنكة اتسمت بالحذر وتفادى المجازفة، فإن المرحلة المقبلة تستدعى، على الصعيد الخارجى، نهجاً أكثر حزماً. فالإصلاح الاقتصادى ضرورة لا غنى عنها. غير أن أثره لن يصل إلى المواطن قبل مرور أجيال إن استمر بمفرده، وهذا ما يفرض تفعيل الدور الإقليمى، بكل ما يحمله من مقومات القوة لا الحاجة وحدها، كإجراء تكميلى عاجل لا بديل عنه.
المصدر:
المصري اليوم