فى الحروب يفترض أن ارتفاع التكلفة يقرب الأطراف من التسوية.. لكن المواجهة الأمريكية- الإيرانية تبدو، حتى الآن، وكأنها تتحرك فى الاتجاه المعاكس: كلما ازدادت الخسائر واتسعت ساحات الصراع، أصبحت الحاجة إلى الدبلوماسية أكبر، وأصبحت قدرتها على الحركة أقل.
كان اجتماع عُمان المقرر بين إيران وعدد من دول الخليج فرصة، ولو محدودة، لكسر هذه الحلقة. لم يكن متوقعا أن ينتج اتفاق ينهى الحرب، وإنما كان يمكن أن يبدأ من أكثر الملفات إلحاحًا، مضيق هرمز، لكن تأجيل الاجتماع قبل انعقاده يكشف حجم المسافة بين الأطراف أكثر مما يكشف عجز الوسيط العُمانى.
المشكلة أن الخلاف لم يعد يتعلق فقط بإعادة السفن إلى المضيق. إيران تريد أن تتحول قدرتها على تعطيل هرمز إلى مكسب سياسى دائم، من خلال الاعتراف بدور لها فى تنظيم الملاحة وربما تحصيل مقابل مالى. أما أمريكا ودول الخليج، فتخشى أن يعنى ذلك تحويل أمر واقع فرضته الحرب إلى حق مكتسب بعد انتهائها. وهنا تصبح الدبلوماسية أسيرة السؤال الصعب: كيف يمكن منح إيران ما يكفى كى تتراجع، من دون مكافأتها على استخدام القوة؟
لكن هرمز لم يعد الملف الوحيد.. خلال أسابيع قليلة، اتسعت دائرة الأزمة؛ أمريكا تضرب الناقلات الإيرانية، وإيران تضغط على الملاحة، والحوثيون يصعّدون ضد السعودية، وخط النفط السعودى شرق- غرب تعرّض للهجوم، فيما اقترب التهديد من باب المندب. وهكذا أصبح على أى مسار تفاوضى أن يتعامل مع شبكة من الأزمات، لا أزمة واحدة.
الأكثر تعقيدا أن الطرفين ما زالا يعتقدان أن الوقت يمكن أن يعمل لمصلحتهما.. واشنطن تراهن على الحصار والعقوبات وتراجع صادرات النفط والضغط المتزايد على الاقتصاد الإيرانى. وطهران تراهن على أن اضطراب هرمز وارتفاع أسعار الطاقة واتساع تكلفة الحرب على دول الخليج والاقتصاد العالمى ستجعل استمرار الضغط الأمريكى أكثر صعوبة.
طالما ظل كل طرف مقتنعا بأن الألم الذى يصيب خصمه أكبر من الألم الذى يتحمله، فلن يشعر بالحاجة إلى تقديم التنازل الأول.
وهذه ربما عُقدة الدبلوماسية الحقيقية الآن. المشكلة ليست غياب الوسطاء الذين يحاولون إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة. المشكلة أن الوسيط يستطيع نقل الرسائل واقتراح المخارج، لكنه لا يستطيع خلق إرادة سياسية غير موجودة.
مع ذلك، سيكون من الخطأ اعتبار التسوية خيالا. الأكثر واقعية فقط هو التخلى عن فكرة التسوية الكبرى التى تحل النووى والصواريخ والعقوبات والنفوذ الإقليمى وهرمز دفعة واحدة.
الطريق الممكن يبدأ بأصغر الاتفاقات، وقف استهداف السفن، قواعد مؤقتة للملاحة فى هرمز، تجميد متبادل للضربات، ثم الانتقال إلى الحصار والعقوبات والملف النووى.
المفارقة أن الدبلوماسية تتعثر فى اللحظة التى أصبحت فيها أكثر ضرورة، لكن الخطر الأكبر ليس فشل اجتماع أو تأجيله، وإنما أن يسبق التصعيد الوسطاء إلى خلق وقائع جديدة تجعل التراجع أكثر صعوبة.
فالحروب لا تنتهى دائمًا عندما ينتصر أحد الأطراف. أحيانًا تبدأ نهايتها عندما يكتشف الجميع أن الانتصار الذى يبحثون عنه أصبح أغلى من التسوية التى يرفضونها.
المصدر:
المصري اليوم