تحتاج مصر إلى إعادة إحياء نظام الوقف ليدخل مجالات جديدة، أهمها مجالا التعليم والبحث العلمى اللذان تقلص إنفاق الدولة عليهما، وبات من الضرورى البحث عن وسائل جديدة كانت موجودة وفعالة مثل نظام الوقف، وتمثل جزءًا من ثقافة المجتمع وتاريخه وتطبقها تقريبًا الدول المتقدمة أو الراغبة فى التقدم، وحافظ بلد مثل تركيا على قوة جامعتها ومراكز أبحاثها بفضل نظام الوقف الذى استمر فى عمله حتى فى ظل الانقلابات العسكرية السابقة.
وسواء سُمى هذا النظام بالوقف فى عالمنا العربى والإسلامى أو سميناه وديعة كما هو موجود فى أمريكا ودول عديدة، فهو قائم على وجود أصل أو مبلغ مالى يوضع أو يوقف لصالح ليس فقط عمل خيرى إنما لصالح جامعة أو مركز أبحاث أو مؤسسة علمية تضمن رواتب العاملين فيها وتنفق على الأبحاث والاكتشافات العلمية وتمول شراكات مع جامعات عالمية وغيرها من الأنشطة العلمية.
صحيح أن هناك شروطًا أخرى لنجاح عمل مراكز الأبحاث، وخاصة فى مجال العلوم الاجتماعية والسياسية، مثل أجواء الحرية التى تسمح لها بالتفاعل الإيجابى مع مختلف النخب السياسة وصناع القرار، والحصول على المعلومات والعمل الميدانى وفق قواعد وليس قيودًا، وتحتاج أيضًا إلى الاستقلالية فى العمل بحيث تنطلق من الدستور والقانون والقواعد العامة دون أن تكون متحدثًا رسميًا باسم الحكومة أو المعارضة، أو لجهات التمويل التى تعمل فى كثير من الأحيان لصالح أولوياتها الخاصة. ومن ثم فهى بحاجة إلى إيجاد حلول وطنية لمشكلة التمويل من أجل جذب الكفاءات العلمية والبحثية، وتحقيق الفاعلية والتأثير المطلوبين، وأيضًا الحفاظ على استقلاليتها ومصداقيتها وجودة منتجها العلمى والبحثى.
وهنا تأتى أهمية وجود وديعة أو وقف يمول أنشطة مراكز الأبحاث ويحفظ لها استقلاليتها ونشاطها.
إن ضمان وجود موارد مالية مستدامة لاسيما عبر توفير وقف أو وديعة، هى أهم العوامل التى ستضمن الحفاظ على الاستقلالية والاستمرار فى العمل، بما يحقق التراكم والتأثير المنشودين.
والمعروف أن المادة 90 من الدستور المصرى تلزم الدولة بتشجيع ودعم نظام الوقف لرعاية المؤسسات العلمية والثقافية، وهو أمر قد يحل ضعف إنفاق الدولة على التعليم مقارنة بالنص الدستورى.
إن إصلاح التعليم وتطويره لن يتم بإجراءات شكلية أو أمور لا علاقة لها بجوهر العملية التعليمية إنما بحل مشكلة الإنفاق على التعليم، وهو لن يتحقق إلا إذا اعتبرت الدولة أن التعليم والبحث العلمى من أولوياتها الأولى.
لقد طُبق نظام الوقف طوال التاريخ الإسلامى وكان مزدهرًا قبل ثورة يوليو، وشهد فى الفترة الأخيرة تراجعًا ملحوظًا وتهميشًا لدوره، وحان الوقت لإعادة الاعتبار له ليس فقط فى مجال الزكاة والإنفاق على المحتاجين أو لعلاج مرضى أو محاربة وباء، إنما أيضًا أو أساسًا فى الإنفاق على التعليم والبحث العلمى.
elshobaki62@gmail.com
المصدر:
المصري اليوم