لم تعد صناعة السياحة عالميًا تعتمد فقط على زيارة المعالم الأثرية والمتاحف والمواقع الشهيرة، وإنما تتجه بصورة متزايدة إلى تقديم تجارب تعيد السائح إلى زمن مضى، من خلال الشوارع القديمة والسيارات الكلاسيكية والموسيقى والسينما والقطارات والمقاهى والحرف والأزياء والمأكولات، فيما يُعرف عالميًا بـ«سياحة الحنين إلى الماضى».
وفى الوقت الذى بدأت فيه دول عديدة فى تحويل ذكريات مراحل تاريخية مختلفة إلى منتجات وتجارب سياحية تحقق عائدات اقتصادية، يرى حمدى عز، نقيب السياحيين فى مصر، أن القاهرة تمتلك فرصة استثنائية فى هذا المجال، لأنها لا تحتاج إلى اختراع ماضٍ أو بناء ذاكرة مصطنعة، وإنما تمتلك ذاكرة حقيقية تمتد لآلاف السنين، وصولًا إلى التاريخ الحديث والمعاصر الذى ارتبط بالسينما والموسيقى والعمارة والحياة الاجتماعية.
وفى حوار خاص لـ«المصرى اليوم»، يشرح عز مفهوم سياحة الحنين إلى الماضى، ويستعرض نماذج دولية نجحت فى استثمار ذكرياتها، قبل أن يطرح رؤيته لما يمكن أن تقدمه مصر فى هذه السوق.
بداية.. ماذا تعنى «سياحة الحنين إلى الماضي»؟ ولماذا أصبحت اتجاهًا مهمًا فى صناعة السياحة؟
- سياحة الحنين إلى الماضى تقوم على فكرة بسيطة لكنها شديدة القوة اقتصاديًا: أن السائح لا يريد دائمًا أن يرى المكان فقط، وإنما يريد أن يشعر بأنه عاد إلى زمن آخر.
قد يكون هذا الزمن هو طفولته، أو فترة تاريخية يحبها، أو مرحلة ارتبطت فى ذاكرته بالموسيقى والسينما والسيارات والعمارة أو حتى بطريقة تناول الطعام، وهنا تحولت الذكريات من مجرد مشاعر شخصية إلى منتج سياحى يمكن أن يدفع السائح أموالًا من أجل تجربته.
وهل توجد دول نجحت بالفعل فى تحويل الحنين إلى الماضى إلى منتج سياحى؟
- بالتأكيد، وهناك نماذج مهمة جدًا يمكن أن نتعلم منها، كوبا وبالتحديد هافانا، من أشهر النماذج عالميًا فى سياحة الحنين إلى الماضى، عندما تذهب إلى هافانا تشعر وكأنك عدت إلى خمسينيات القرن الماضى، السيارات الأمريكية الكلاسيكية الشهيرة المعروفة باسم «Almendrones»، والشوارع ذات العمارة الاستعمارية الملونة، والمقاهى التى تقدم الموسيقى اللاتينية القديمة، كلها عناصر تشكل تجربة متكاملة، السائح لا يذهب إلى هناك لمشاهدة مبنى فقط، وإنما يذهب ليعيش أجواء زمن آخر، وهذا بالضبط هو المفهوم الذى أريد أن ننتبه إليه فى مصر.
وماذا عن بريطانيا؟
بريطانيا تقدم نموذجًا مختلفًا لكنه شديد الذكاء فى استثمار الماضى، هناك اهتمام كبير بالحنين إلى العصر الفيكتورى وعصر القطارات البخارية، ويتم تشغيل خطوط وقطارات تاريخية، ومن أشهر التجارب قطار «Belmond British Pullman»، إذ لا تكون الرحلة مجرد انتقال من مكان إلى آخر، وإنما تجربة كاملة تحاول استعادة أجواء الماضى، من ملابس العاملين إلى طريقة تقديم الطعام والتفاصيل الموجودة داخل القطار، وهناك أيضًا تجارب مرتبطة بطقوس «شاى بعد الظهيرة» فى أماكن تاريخية، فيتحول التقليد الاجتماعى نفسه إلى منتج سياحى.
وماذا فعلت اليابان فى هذا المجال؟
- اليابان لديها تجربة شديدة التميز فى استعادة أجواء عصر «شووا» «Showa Era»، خصوصًا فى بعض الأحياء القديمة المعروفة بطابعها التقليدى، فى طوكيو وأوساكا، توجد مناطق أعيد إحياء تفاصيلها بحيث يشعر الزائر بأنه عاد إلى خمسينيات أو ستينيات القرن الماضى، من الشوارع الضيقة والمقاهى القديمة إلى محال الحلوى والألعاب الكلاسيكية، الكبار يذهبون إليها لاستعادة ذكريات طفولتهم وشبابهم، بينما يذهب الشباب ليعيشوا تجربة لم يعرفوها بأنفسهم، وهذه نقطة مهمة جدًا؛ لأن سياحة الحنين لا تستهدف فقط من عاشوا الماضى، وإنما يمكن أن تجعل الأجيال الجديدة «تعيش» زمنًا لم تعشه.
والولايات المتحدة أيضًا لديها نموذج شهير؟
- بالتأكيد، وأشهر نموذج هو طريق «Route ٦٦»، أمريكا لم تكتفِ بالطريق نفسه، وإنما بنت حوله تجربة كاملة؛ الاستراحات القديمة، والمطاعم الكلاسيكية «Diners»، ومحطات الوقود القديمة، ولوحات النيون، والسيارات، وكل التفاصيل التى تجعل السائح يشعر بأنه يعيش جزءًا من أمريكا فى الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، وهناك أيضًا مدن الملاهى التى تخصص مناطق كاملة لإعادة تجسيد أجواء أمريكا فى عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضى، إذن، نحن أمام صناعة قائمة على التفاصيل.
بعد كل هذه النماذج.. أين تقف مصر من هذا النوع من السياحة؟
- هنا تحديدًا أقول إن مصر لديها ميزة لا تملكها معظم هذه الدول، هم فى بعض الأحيان يصنعون أو يعيدون بناء أجواء الماضى، بينما نحن لدينا الماضى نفسه، لدينا آثار عمرها آلاف السنين، ولدينا القاهرة الخديوية، ووسط البلد، والإسكندرية الكوزموبوليتانية، والسينما المصرية، وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ، والمقاهى القديمة، والحرف التقليدية، والفنادق التاريخية، نحن لا نحتاج إلى اختراع «ذاكرة» حتى نبيعها، نحن نمتلك ذاكرة حقيقية.
كيف يمكن تحويل هذه الذاكرة إلى منتج سياحى؟
- خذ مثلًا القاهرة الخديوية ووسط البلد، وسط البلد ليس مجرد حى، وإنما ذاكرة لجيل كامل، وربما لأجيال عربية أيضًا، فنحن لدينا المقاهى الأدبية، ودور السينما القديمة، والمبانى التاريخية، والمحال التى ارتبطت بأسماء وشخصيات وأحداث، لكننا نحتاج إلى أن نقدم هذه المنطقة باعتبارها «حكاية»، السائح لا نريده أن يقف أمام مبنى ونقول له: «هذا المبنى أنشئ عام كذا»، وننتهى.
وماذا عن الإسكندرية؟
- الإسكندرية يمكن أن تكون واحدة من أهم مدن سياحة الحنين إلى الماضى فى المنطقة، لدينا الإسكندرية الكوزموبوليتانية، المدينة التى عاش فيها المصرى واليونانى والإيطالى وغيرهم، ولدينا العمارة والمقاهى والكورنيش والموسيقى والسينما والقصص المرتبطة بالمدينة.
وماذا عن السائح العربى؟
- هذه من أكبر الفرص التى أراها أمام مصر، السائح الخليجى والمغربى والشامى يحمل فى ذاكرته مصر مختلفة عن السائح الأجنبى، هو يعرف أم كلثوم، ويعرف عبد الحليم وفاتن حمامة، ويعرف السينما المصرية، ويعرف القاهرة ومقاهيها وأغانيها، السائح العربى لا يريد فقط أن «يزور» القاهرة، وإنما يريد أن «يعود» إليها، وهنا يمكن أن نصنع برامج سياحية كاملة قائمة على ذاكرة القاهرة الثقافية والفنية، وعلى الأماكن التى ارتبطت بالأغانى والأفلام والشخصيات المصرية.
هل يمكن أن تدخل الحرف التقليدية فى هذا المنتج؟
- بالتأكيد، بل أرى أنها من أهم العناصر لدينا الخيامية والنحاس والفخار والصياغة وغيرها من الحرف التى ما زالت حية، المشكلة أننا نبيع المنتج، ولا نبيع الحكاية، فالسائح يجب أن يدخل الورشة، ويتعرف على الحرفى، ويجرب بيده، ويصنع قطعة صغيرة، ثم يأخذها معه، هنا لا يشترى منتجًا فقط، وإنما يأخذ معه ذكرى.
وهل يمكن للتكنولوجيا أن تخدم سياحة الحنين إلى الماضى؟
- بالتأكيد، التكنولوجيا ليست عدوًا للتراث، وإنما يمكن أن تكون جسرًا إليه، تخيل مثلًا أن يدخل السائح قصر البارون، ويستطيع من خلال الواقع المعزز أن يرى المكان فى عشرينيات القرن الماضي؛ السيارات القديمة، والملابس، وحركة الشارع، ويمكن أن نستخدم الذكاء الاصطناعى لتقديم تجربة شخصية لكل سائح حسب اهتماماته، المهم ألا نسمح للتكنولوجيا بأن تقتل روح المكان، وإنما نستخدمها لإعادة الماضى إلى الحياة.
وما الذى تحتاجه مصر حتى تبدأ فى استثمار هذه الفرصة؟
- نحتاج إلى خريطة طريق واضحة، وأقترح إنشاء وحدة متخصصة فى سياحة الحنين إلى الماضى، تكون مهمتها تحديد المنتجات القابلة للتطوير والترويج لها، كما نحتاج أيضًا إلى مرشدين متخصصين فى «رواية الحكاية»، وليس فقط سرد المعلومات.
ونحتاج إلى حماية المبانى التاريخية والحرف التقليدية، لأننا إذا فقدنا هذه العناصر فقدنا جزءًا من المنتج نفسه.
وأقترح إطلاق حملة دولية بعنوان «مصر.. اكتشف ذاكرتك»، وتنظيم مهرجان سنوى يجمع السينما القديمة والموسيقى والحرف والمأكولات والتراث.
أخيرًا.. هل تعتقد أن مصر تأخرت فى استثمار سياحة الحنين إلى الماضى؟
- أعتقد أن الفرصة ما زالت أمامنا، لكن الوقت لا ينتظر، العالم يبيع الذكريات بمليارات الدولارات، كوبا تبيع أجواء هافانا فى الخمسينيات، وبريطانيا تبيع تجربة القطارات البخارية والعصر الفيكتورى، وألمانيا تبيع تجربة ألمانيا الشرقية، واليابان تعيد إحياء عصر «شووا»، وأمريكا لديها «Route ٦٦»، أما نحن، فنملك أم كلثوم، والقاهرة الخديوية، والإسكندرية الكوزموبوليتانية، والسينما المصرية، والحِرف، والمقاهى، والعمارة، ولدينا قبل كل ذلك حضارة عمرها آلاف السنين.
نحن نملك ذاكرة عالمية حية، لكننا نحتاج إلى الجرأة لتحويل هذه الذاكرة إلى اقتصاد ومنتج سياحى.
المصدر:
المصري اليوم