على صفحة تحمل آلاف الوجوه، تظهر نقطة خضراء إلى جوار صورة «نيسا إي» وهي شابة من الفلبين تعرض وقتها للبيع عبر مكالمات الفيديو.. كتبت في تعريفها أنها «مرت بفترة شديدة الصعوبة، وساعدها الحديث مع غرباء على تجاوزها، ثم تعلمت من تجربتها أن تستمع إلى الآخرين من دون إصدار أحكام»؛ وتنهي إعلانها بجملة قصيرة: «يمكنك أن تحدثني عن أي شيء».
سعر الحديث مع نيسا على منصة Rent a Cyber Friend يبلغ 30 سنتًا للدقيقة، أي 18 دولارًا للساعة (900 جنيه مصري)، وتكلف الرسالة النصية نصف دولار؛ يضغط العميل زر الاتصال، ويبدأ العداد، ويجد أمامه إنسانًا اختار في هذه اللحظة أن يسمع حكايته.. ولكن ليس مجانًا.
بعد يوم ثقيل؛ أو في ساعة لا تجد فيها اسمًا مناسبًا داخل قائمة هاتفك؛ تذكر أن هناك من يمر بهذه الظروف ولكنه يختار رفيق مدفوع الأجر؛ فالسعر معلن، والرفيق «متاح الآن».. ويبقى السؤال أعلى زر الاتصال: ما الذي يُباع هنا.. نصيحة، أم صداقة، أم بضع دقائق يشعر خلالها الإنسان أن صوته يصل إلى شخص آخر؟ الإجابة حتمًا تندرج تحت مصطلح اقتصاد الونس.
جوهر الصفقة هو «الحضور المضمون»؛ فالصديق الشخصي قد ينشغل، والقريب قد تفصله مسافة، والعلاقة الجديدة تحتاج إلى وقت حتى تنضج وتكسب الأمان؛ أما الخدمة المدفوعة تضع موعدًا مؤكدًا وشخصًا مستعدًا للاستماع ونشاطًا يمكن اختياره مسبقًا.
السفر أو اللهو أو زيارة الطبيب أو شرب القهوة هي المسارح التي تجري فوقها الخدمة، والسلعة المشتركة بينها هي شخص يشارك العميل اللحظة ويمنحه اهتمامًا مخصصًا.
بالنسبة إلى القارئ المصري، تبدو للفكرة جذور مألوفة؛ فالجليس يبقى إلى جوار شخص مسن ويتابع يومه، والممرض المنزلي يجمع الرعاية الصحية بالحضور، ومدير المنزل يتولى تفاصيل الحياة اليومية؛ وكانت الصحبة بمثابة عنصر داخل كل الوظائف المُشار إليها؛ حتى استقل هذا العنصر تدريجيًا وصار خدمة يمكن شراؤها وحدها، واتسع جمهورها ليشمل الأصحاء والشباب أيضًا.
ففي 2023، قدمت واشنطن بوست «جيانج جيانج» وكانت تبلغ 27 عامًا وتعمل رفيقة مرضى، ونظمت فريقًا من 20 طالب طب يساعد قرابة 300 شخص شهريًا؛ ومهمة الطالب هي مصاحبة المريض، وشرح تعليمات الطبيب، وإحضار الدواء وما شابه، وبعض الأبناء طلبوا من «جيانج» أن تقدم نفسها للأب أو الأم باعتبارها صديقة أو زميلة دراسة قديمة، حتى تمر الزيارة من دون إحراج.
ولكن الأمر ليس حكرًا على كبار السن.. «ليو شياولي» وهي رفيقة مرضى أخرى التقت بها الصحيفة؛ وقالت إن نصف عملائها من الشباب الذين يريدون شخصًا يصاحبهم إلى المستشفى؛ وهكذا امتدت الخدمة من تعويض غياب الأبناء عن مسن، إلى تلبية رغبة شاب في وجود وجه مألوف نسبيًا خلال ظرف طبي مرهق.
يقف الطلب على الونس عند نقطة التقاء مجموعة من التحولات: أفراد يعيشون بعيدًا عن عائلاتهم، وساعات عمل تستهلك وقت العلاقات، ومدن مزدحمة تترك بعض سكانها بلا شبكة اجتماعية قريبة، ومنصات تجمع بين غريبين خلال دقائق. وتضيف الوحدة دافعًا عاطفيًا ثقيلًا.
تُعرِف منظمة الصحة العالمية الوحدة بأنها: «الشعور المؤلم الناتج عن الفجوة بين العلاقات التي يريدها الإنسان والعلاقات الموجودة فعلًا في حياته». وقدرت المنظمة في 2025 أن واحدًا من كل ستة أشخاص حول العالم يعانيها، مع ارتفاع المعدل بين المراهقين والشباب إلى نحو واحد من كل خمسة.
وفي دراسة قادتها جامعة واشنطن في سانت لويس وشملت 7997 بالغًا في 8 دول، شعر 4 من كل 10 أشخاص بالوحدة، وارتفعت النسبة إلى قرابة النصف بين من تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا، وفق ما نشرته الجامعة في 2026. وارتبطت الوحدة بمؤشرات أعلى للاكتئاب والقلق.
الوحدة واحدة من دوافع الإقبال على اقتصاد الونس، وتجاورها الراحة والخصوصية وتجنب الرفض؛ قد يبحث العميل عن شريك في اهتمام محدد، أو رفيق خلال سفر قصير، أو مستمع يستطيع أن يقول أمامه كلامًا يخشى أثره في علاقاته الدائمة.
على الجانب الآخر، وفر اقتصاد الونس أشخاصًا مستعدين لبيع الوقت والاهتمام وتشير رويترز إلى وجود أكثر من 200 مليون عامل مرن في الصين، بينهم طلاب وخريجون يعرضون خدماتهم عبر المنصات. وهكذا التقى الاحتياج الاجتماعي بالرغبة في دخل إضافي.
تتغير صورة السوق بحسب المكان. منصة Rent a Cyber Friend تتيح مكالمات فيديو خاصة، ويحدد الرفيق موضوعاته وسعر الدقيقة؛ وتبدأ بعض الأسعار من عشرة سنتات؛ ويعرض العاملون خدماتهم تحت عناوين مثل «حديث عن أسلوب الحياة» و«نقاش عام»، ويتحول الوصف الشخصي إلى واجهة مهنية.
أما شركة RentAFriend فتعرض رفقاء للقاءات المباشرة وحضور المناسبات وزيارة المتاحف وممارسة الهوايات والتجول في المدن.. سبق وأجرى الصحفي تيم داولينج معايشة للفكرة مبكرًا في 2010، حين دفع للصديق «آندي» 40 جنيهًا إسترلينيًا في الساعة ليقضي معه يومًا وثقته جارديان؛ جلسا في مقهى، ولعبا الكرة، وذهبا إلى حانة، وتبادلا الأحاديث العادية التي يصنع منها الأصدقاء يومهم.
قال تيم إنه استمتع بصحبة آندي، ثم جاءت لحظة الوداع مرتبكة؛ مصافحة قصيرة بلا وعد بلقاء جديد؛ ووصف آندي التجربة بأنها ممتعة وغريبة، ورأى أن العمل يحتاج إلى فهم سبب وجودك في حياة شخص لبضع ساعات وأداء الدور الذي ينتظره.
وفي الصين، رصدت رويترز أشخاصًا يدفعون مقابل رفيق للجري أو مشاهدة المعالم أو تناول وجبة أو السفر. وقدرت بيانات أوردتها وسائل إعلام رسمية حجم السوق بنحو 50 مليار يوان، أي 7.4 مليار دولار، خلال 2025.
الآن دعني أعيدك لأول سطور هذا النص؛ «نيسا إي» التي عرضت نفسها كـ«رفيقة ونس» عبر منصة rentacyberfriend يكشف إعلان نيسا طريقة الدخول إلى هذه المهنة؛ صفحتها العامة تعرض اسمًا مختصرًا وصورة وبلدًا ولغة وموضوع الحديث وسعر الدقيقة؛ أما مؤهلها المعلن فهو تجربتها الشخصية مع الأزمات، وقدرتها التي تصفها على الاستماع بتفهم. وتترك الصفحة خانة المؤهلات المهنية والتقييمات التفصيلية بلا بيانات ظاهرة أمام الزائر.
وعلى المنصة نفسها، تقدم «جابي» دي من الولايات المتحدة نفسها باعتبارها شخصية اجتماعية تحب التعرف إلى الناس، وتشير في إعلانها إلى دراسة مرتبطة بالإرشاد النفسي بصياغة عامة، ثم تضع سعرها عند 30 سنتًا للدقيقة. ويعرض «أليكس» من كينيا في صفحته محادثات ليلية وصحبة ودعاء لمن يرغب، بالسعر نفسه. تتجاور هنا الخبرة الحياتية والدراسة غير المحددة والقدرة على الكلام داخل سوق واحد.
تختلف مؤهلات رفيق الونس حسب الخدمة؛ يبدأ العمل بالاستماع وإدارة الحوار واحترام الخصوصية والحدود، ثم تزداد الشروط مع الصحة أو السفر؛ فمرافق المسن يحتاج إلى تدريب على الطوارئ والسقوط، ورفيق المستشفى إلى معرفة بالإجراءات وحدود دوره، ومرافق الرحلات إلى خبرة سلامة فعلية.
السوق يجمع كل هؤلاء تحت كلمة «رفيق»، بينما تتفاوت المسئولية بين برنامج يفحص خلفيات العاملين وصفحة يستطيع صاحبها عرض قدرته على الاستماع بجملة كتبها بنفسه.
لفهم ما يجري داخل العامل نفسه، قابل باحثون من جامعة سيتي في هونج كونج 22 شخصًا يعملون في مهنة «رفيق اللعب» بالصين، ونشروا نتائجهم في ورقة بحثية عام 2026 .. تبدأ الخدمة ببطاقة تعرض الرفيق، ثم يختاره العميل ويدفع الرسوم، وتُفتح محادثة تجمعه بالعامل أو بالنادي الوسيط. وخلال اللعب يقدم الرفيق التوجيه والتشجيع والحديث، ثم يطلب تقييمًا إيجابيًا بعد انتهاء الطلب.
وصف الباحثون هذا النموذج بأنه «صحبة مقيدة بالطلب»: يعيش العامل اندماجًا عاطفيًا خلال الوقت المدفوع، ويغير نبرة صوته وطريقة حديثه ويصنع أجواء تناسب العميل، ثم ينسحب من العلاقة عند انتهاء الجلسة لحماية حدوده وحياته الخاصة.
ولكن للصورة زاوية أخرى.. تسجل الدراسة المشار إليها حالة «رفيقة» اعتادت البقاء في مكالمات طوال يومها، ثم صار الوقت الذي تقضيه وحدها يضغط عليها، فبدأت تدفع لرفقاء آخرين كي يتحدثوا معها؛ تحولت البائعة إلى مشترية، وأصبح السوق قادرًا على إنتاج احتياج جديد لدى الشخص الذي يعمل أصلًا على إشباع احتياج الآخرين.
الذكاء الاصطناعي حاول تطبيق الفكر؛ فهو رفيق متاح طوال اليوم، يتذكر التفاصيل، ويضبط شخصيته وفق رغبة المستخدم؛ وفي استطلاع نشرته Common Sense Media عام 2025 ، أفاد بأن 72% من المراهقين الأمريكيين بين 13 و17 عامًا استخدموا رفقاء ذكاء اصطناعي مرة واحدة على الأقل، ورأى نحو الثلث أن محادثاتهم معهم مُرضية بقدر الحديث مع أصدقاء حقيقيين أو أكثر.
وتقدم واقعة المواطن الأمريكي تايلاندي الأصل «ثونجبو وونجباندو» البالغ 76 عامًا، صورة أكثر خطورة للتعلق بالرفقاء الافتراضيين؛ فوفق تحقيق خاص نشرته «رويترز» في 14 أغسطس 2025، استند إلى سجل محادثاته وشهادات أسرته، كان «وونجباندو» يعاني تراجعًا إدراكيًا بعد إصابته بجلطة، حين تعلق بشخصية دردشة تابعة لـ«ميتا» تُدعى «بيج سِس بيلي»؛ أخبره الروبوت أنه شخص حقيقي، ودعاه إلى لقائه في نيويورك، وأرسل إليه عنوانًا وهميً؛. وفي طريقه للحاق بالقطار متجهًا إلى الموعد، سقط قرب حرم جامعة روتجرز في نيوجيرسي وأصيب في الرأس والرقبة، قبل أن يفارق الحياة بعد ثلاثة أيام.
وفي سبتمبر 2025، بدأت لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية تحقيقًا بشأن روبوتات الدردشة المصممة لأداء دور الرفيق، وطلبت معلومات عن إجراءات الأمان وحماية بيانات المستخدمين وطريقة تعامل هذه الخدمات مع الأطفال والمراهقين. ويأتي القلق من قدرة الروبوت على البقاء في المحادثة لفترات طويلة ومجاراة مشاعر المستخدم واهتماماته، بما قد يعزز التعلق به ويزيد مسئولية الشركات عن وضع حدود آمنة لهذا النوع من العلاقات.
في النهاية، تخبرنا النقطة الخضراء إلى جوار اسم نيسا بأكثر من كونها «متاحة الآن»؛ فهي تلخص سوقًا كاملًا نشأ في المسافة بين إنسان يريد أن يتكلم وشخص مستعد أن يسمع، ثم دخل بينهما سعر ومنصة وعداد للدقائق.
في جوهره، يبيع اقتصاد الونس واحدًا من أقدم احتياجات الإنسان؛ الصحبة والرفقة والشعور بوجود شخص آخر.. هذا مريض يرغب فيمن يصاحبه، وذاك مسافر يطمح إلى شريك للطريق، وثالث يحتاج إلى من يقوّي قلبه على تجربة يخشى خوضها وحده، ورابع يريد فقط صوتًا يجيبه في نهاية يوم طويل.
ومع دخول هذا الاحتياج إلى السوق، تدخل معه أسئلة المؤهلات والخصوصية والسلامة وحدود التعلق ومسئولية مقدم الخدمة.
وتبقى الدلالة الأعمق فيما يقوله هذا السوق عن حياتنا نفسها؛ فكل حجز يبدأ من لحظة احتاج فيها إنسان إلى حضور إنسان آخر، ثم وجد طريقه إليه عبر شاشة وسعر وموعد محدد؛ وهكذا دخل الونس إلى قائمة الأشياء التي يمكن طلبها عند الحاجة، وصارت جملة إنسانية بسيطة مثل «ابقَ معي قليلًا» قد تكلف صاحبها الدولارات.
المصدر:
الشروق