في تجربة سينمائية مختلفة ومشحونة بالأسئلة الوجودية، يقدّم فيلم «آخر المعجزات» للمخرج عبد الوهاب شوقي رحلة نفسية معقدة لرجل يعيش على هامش الحياة، قبل أن تقلب مكالمة هاتفية غامضة عالمه رأسًا على عقب، وتدفعه للبحث عن معنى وسط الفوضى والعدم.
الفيلم يقترب من فكرة الإنسان الذي يتشبث بأي إشارة تمنحه أملًا أو إحساسًا بأن حياته ليست عبثًا، حيث يتحول بطل العمل «يحيى» من شخص غارق في الروتين واللاجدوى، يعمل في صفحة الوفيات ويقضي لياليه داخل حانة معزولة، إلى إنسان يظن أن الكون بدأ يرسل له رسائل خفية تغير مصيره بالكامل.
وتبدأ الحكاية حين يتلقى مكالمة غامضة من شخص يفترض أنه ميت، وهي اللحظة التي تتحول فيها المصادفة إلى ما يشبه المعجزة، ليدخل البطل في دوامة من التأويلات والإشارات التي تجعله يرى المعنى في كل تفصيلة حوله، من الكلمات العابرة إلى الوجوه والحركات وحتى الصدف اليومية.
العمل لا يهاجم فكرة الإيمان أو التصوف، لكنه يطرح سؤالًا عميقًا حول هشاشة الإنسان المعاصر وحاجته المستمرة إلى التعلق بأي خيط يمنحه شعورًا بالأهمية أو النجاة. ومن خلال هذه الرحلة، ينجح عبد الوهاب شوقي في خلق حالة بصرية ونفسية متوترة، مستخدمًا الحانة كرمز لعالم داخلي خانق، بينما تتحول المساجد والحضرات والمقابر إلى محطات لاكتشاف الذات والبحث عن اليقين.
ويعتمد الفيلم على لغة بصرية شديدة الخصوصية، حيث لعبت الإضاءة وحركة الكاميرا والموسيقى دورًا أساسيًا في نقل التحولات النفسية التي يعيشها البطل، خاصة مع المزج بين أصوات الزمن الجميل والأجواء الصوفية التي منحت الأحداث طابعًا روحانيًا مشحونًا بالغموض.
كما لفت خالد كمال الأنظار بأداء إنساني دقيق، نجح من خلاله في تجسيد شخصية ممزقة بين السخرية والإيمان، بينما جاء ظهور أحمد صيام في المشاهد الأخيرة بمثابة صدمة درامية قلبت مسار الحكاية بالكامل، كاشفًا حقيقة اللعبة التي تورط فيها البطل حتى فقد قدرته على التفرقة بين المعجزة والوهم.
«آخر المعجزات» لا يقدّم مجرد قصة عن خدعة أو مكالمة غامضة، بل يفتح بابًا واسعًا للتأمل في طبيعة البشر، وكيف يمكن لفكرة صغيرة أو إشارة عابرة أن تتحول داخل العقل إلى يقين كامل يغيّر مصير إنسان بأكمله.
المصدر:
الفجر