تحل في 10 مايو ذكرى ميلاد المخرج المصري صلاح أبو سيف، الذي لُقب بمخرج الواقعية، وضم تاريخه السينمائي عشرات الأفلام المهمة في تاريخ السينما المصرية، وتعد إضاءات لا يمكن تجاهل تأثيرها في شكل السينما وتطور الإخراج وفتح الباب لجيل آخر يعد امتداد لهذه الواقعية.
وتقول الباحثة الألمانية إريكا ريتشر عنه: "لا يمكن أن نتكلم عن السينما المصرية دون أن يكون للمخرج صلاح أبو سيف نصيب الأسد في الحديث، فهو واحد من أهم فصول السينما الواقعية في هوليوود الشرق مصر".
وفي ضوء الاحتفاء بميلاد مخرج من أهم مخرجي السينما المصرية، نُلقي الضوء على واحدة من أبرز تيمات مجموعة من أفلامه، وهو "القهر"، والذي يُعرف أنه "حالة من فقدان سيطرة الإنسان على مصيره تحت تسلط سُلطة ما، أيا كان نوعها، طبيعية أو بشرية"، وفقا للتعريف الوارد في كتاب "التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور".
قدم صلاح أبو سيف مجموعة من الأفلام التي تتناول بشكل رئيسي علاقة القهر بالفقر، في ثنائية درامية مُركبة، من بينها: بداية ونهاية "1960"، القاهرة 30 "1966"، الزوجة الثانية "1967"، المواطن مصري "1991"، تعاون أبو سيف في هذه الأفلام مع أسماء بارزة في عالم التأليف، مثل: نجيب محفوظ، ومحسن زايد، ويوسف القعيد، وغيرهم.
كان القهر في هذه الأفلام هو المنظومة الحاكمة للبطل الرئيسي، حيث يُمارس عليه العنف المعنوي والمادي من سُلطة ما، تتمثل في شخص بيده مقاليد الحُكم/ السيطرة، ويقول الدكتور مصطفى حجازي في كتابه" مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور" : "لا يجد الإنسان المقهو من مكانة له في علاقة التسلط العنفي هذه سوى الرضوخ والتبعية، والوقوع في الدونية كقدر مفروض، وهنا يخلق عالم التخلف، حيث يختل التوازن بين السيد والإنسان المقهور"، ويمكن رؤية ذلك منعكسا دراميا بشكل واضح في الثنائية "المتسلط/ المقهور" البارزة في فيلم المواطن مصري بين "العمدة عبد الرازق والفلاح عبد الموجود"، و"العمدة عتمان والفلاح أبو العلا".
يصف الناقد التونسي خميس خياطي ما قام به أبو سيف عامة في أفلامه، في كتابه "صلاح أبو سيف": " لقد خرج بالفيلم المصري من ضِيق الاستوديو إلى بَراح الشارع، قاصدًا رصْدَ الحياة اليومية، ومؤسِّسًا تيارًا جديدًا في السينما المصرية هو تيار الواقعية، الذي عبَّر من خلاله عن معاناة الإنسان المصري وطُموحاته؛ فاتخذ من لقمة العيش والحرية محورًا رئيسًا يَدور في فلَكه شخوصُ أفلامه".
حيث تُعد "لقمة العيش" هي وسيلة الضغط الأولى التي يمارسها الطرف الأول في الثنائية "المُتسلط" على الطرف الثاني "المقهور"، وفي مشهد بليغ يعبر عن تلك السطور، يمكن تذكر ما فعله العمدة عتمان ضد أبو العلا وأسرته عندما اتهمه بالسرقة وحرمه من أسرته، وعندما حاول إقناعه أتى إليه ببعض أرغفة الخبز وكوبا من اللبن لأطفاله، في دلالة واضحة على تحكم الرجل في مصير هؤلاء جميعا.
كما أن أبو سيف لم يكن معنياً فقط برصد القهر، بل بكشف أثره النفسي العميق على الإنسان، وهو ما يظهر في التحولات الداخلية لشخصياته، التي كثيرا ما تبدأ بسيطة وحالمة ثم تنتهي مهزومة أو مشوهة بفعل واقع قاسٍ لا يترك مساحة للنجاة.
ففي "القاهرة 30" يصبح الصعود الاجتماعي مرهونا بالتنازل الأخلاقي، ويتحول الطموح إلى أداة ابتزاز تمارسها السلطة السياسية والطبقية على الأفراد، فيغدو الإنسان مستعدا للتخلي عن مبادئه مقابل فرصة للحياة داخل مجتمع غير عادل، وفي المواطن مصري يتجلى مفهوم القهر بكل قسوته في مشهد الفلاح عبد الموجود "عزت العلايلي" عندما يُجبر على التعرف على جثمان ابنه وإنكار ذلك، ومن خلال نظرة عين العلايلي وتعبيرات وجهه ولسانه غير القادر على نطق الكلام، يعبر بشكل واضح عن الحالة النفسية التي يجد فيها الإنسان نفسه بلا قدرة على دفع الظلم.
ومن اللافت أن صلاح أبو سيف لم يقدم أبطاله باعتبارهم نماذج مثالية أو ثورية بالضرورة، بل منحهم هشاشتهم الإنسانية الكاملة؛ فهم يخافون، ويتراجعون، ويخضعون أحيانا، لكن هذا الضعف ذاته هو ما منح أفلامه صدقها وقوتها، إذ بدا الإنسان في سينماه كائنا محاصرا بشروط اجتماعية واقتصادية أكبر من قدرته الفردية على المقاومة، لذلك ظلت أفلامه قريبة من الوجدان الشعبي، لأنها لم تتعامل مع القهر كفكرة مجردة، بل كخبرة يومية يعيشها ويختبرها الناس في حياتهم.
وفي بعض أفلامه كانت المرأة ضحية واضحة لهذا القهر، ومن نماذج ذلك إحسان في "القاهرة 30"، وفاطمة في "الزوجة الثانية"، ونفيسة في "بداية ونهاية"، وتُدفع المرأة غالبا في هذه الأعمال إلى الهامش تحت وطأة الفقر الذي يؤدي بالتبعية إلى القهر، ففي "الزوجة الثانية" تتحول شخصية "فاطمة" إلى نموذج مكثف للإنسان المقهور الذي يُنتزع حقه الأساسي في الاختيار، حين يفرض العمدة إرادته على الجميع مستندا إلى نفوذه وسطوته، هنا لا يكون القهر فعلا فرديا معزولا، بل بنية كاملة يتواطأ فيها الخوف والصمت والعجز، حتى يصبح الاعتراض نفسه مخاطرة قد تكلّف الإنسان حياته أو لقمة عيشه.
هذه القدرة على تجسيد حالة الإنسان المقهور ومحاولاته للتماهي أو الرفض، جعلت من سينما صلاح أبو سيف حاضرة حتى اليوم، ليس فقط بوصفها مرحلة مهمة في تاريخ الواقعية المصرية، وإنما لأنها استطاعت أن تُحول معاناة الإنسان البسيط إلى سؤال فني وإنساني مفتوح، يتجاوز زمن إنتاج هذه الأفلام إلى كل زمن يُولد فيه القهر بأشكال جديدة.
المصدر:
الشروق