آخر الأخبار

أمجد مصطفى يكتب: فى أول تعليق له بعد حصوله على وسام فارس للفنون.. رمزى يسى: الوسام الفرنسى تتويج لمشوار طويل

شارك

«أعتبر الوسام تتويجًا لمسيرة طويلة من العمل الصادق والإيمان بالفن، لكنه فى الحقيقة ليس نهاية الرحلة، بل لحظة تأمل أستعيد فيها كل خطوة، وكل جهد، وكل حلم آمنت به يومًا».. بتلك الكلمات عبر الموسيقار المصرى العالمى رمزى يسى فى أول تعليق له بعد منحه وسام فارس فى الفنون والآداب من فرنسا، وقال: سعادتى الحقيقية، والأعمق أثرًا فى نفسى، لم تأتِ من الوسام ذاته، بل من تلك الموجة الجارفة من مشاعر الحب التى غمرتنى من أبناء بلدى فى مصر. لم أختبر فى حياتى فرحًا يشبه هذا الذى شعرت به حين أعلنت الخبر على صفحتى؛ وجدت قلوبًا تنبض بصدق نادر، وكلمات خرجت من الروح لتصل إلى الروح، على نحو لم أكن أتخيله أبدًا.

وأضاف: الحقيقة التى ربما لا يعرفها كثيرون، أن هذا الوسام لم يكن وليد اللحظة، بل هو ثمرة سنوات من الترشيحات التى جاءتنى من جهات متعددة، حتى جاءنى الخطاب الرسمى من وزيرة الثقافة الفرنسية، يحمل إلىّ هذا التقدير الذى أعتز به كثيرًا. إنه تكريم أضعه بكل فخر فى رصيد بلدى قبل أن يكون فى رصيدى الشخصى، وأهديه إلى كل من آمن بى، وساندنى، ومنحنى من مشاعره ما يفوق أى وسام.

وكان الفنان العالمى رمزى يسى قد توج بوسام فارس فى الفنون والآداب من الجمهورية الفرنسية، تكريمًا لمسيرة إبداعية استثنائية حملت اسم مصر إلى أهم المسارح وقاعات الموسيقى فى العالم. لم يكن هذا التكريم مجرد وسام يُعلّق على الصدر، بل شهادة دولية رفيعة تؤكد أن الفن الحقيقى لا يُقاس بالضجيج، بل بما يتركه من أثر عميق فى وجدان الشعوب.

رمزى يسى ليس مجرد عازف بيانو بارع، بل حالة فنية متفردة، صاغ من موهبته لغة عالمية، وجعل من موسيقاه جسرًا ممتدًا بين الحضارات. فى عزفه تنصهر الجغرافيا، وتذوب الحدود، ويصبح اللحن سفيرًا صادقًا يحمل روح مصر إلى العالم، دون ادعاء أو استعراض. هو نموذج للفنان الذى آمن بأن الإبداع رحلة طويلة من العمل والتراكم، لا قفزة سريعة نحو الشهرة.

ورغم أن اسمه يلمع فى كبريات العواصم الثقافية، فإن الإنسان بداخله ظل كما هو: بسيطًا، متواضعًا، بعيدًا عن الأضواء المصطنعة. يتحدث إليك دون حواجز، بلا وسيط أو مدير أعمال، وكأنك أمام فنان من زمن آخر، زمن كانت فيه القيمة الحقيقية للفن هى المعيار الوحيد. لذلك لم يكن غريبًا أن يحظى باحترام كل من تعامل معه، إنسانيًا قبل أن يكون فنيًا.

تبدأ الحكاية من قلب القاهرة، من شارع البستان القريب من ميدان التحرير، حيث نشأ طفل يحمل ملامح الصعيد وجذوره الممتدة إلى قنا والأقصر. هناك، فى منزل الأسرة، وُلدت البذرة الأولى. والدته، عازفة البيانو، كانت المعلم الأول، وهى التى غرست فيه حب الموسيقى مبكرًا، حتى قيل إنها كانت تُسمعه الألحان قبل أن يرى النور. لم يكن الأمر مجرد تعليم، بل تشكيل مبكر لوجدان فنان.

التحق مبكرًا بالدراسة الموسيقية، قبل افتتاح الكونسرفتوار المصرى، وتلقى دروسه الأولى على يد أستاذ إيطالى مقيم فى مصر. وعندما تقدم لاختبارات القبول، صادف مرور ثروت عكاشة، الذى كان يتابع هذا المشروع الثقافى الوليد، فأُعجب بأدائه، وكانت تلك اللحظة إشارة مبكرة إلى موهبة استثنائية فى طور التشكل.

فى تلك الفترة، كانت الدولة المصرية تؤمن بأن رعاية الموهبة أهم من أى اعتبارات شكلية، فابتكرت نظامًا مرنًا يسمح للطلاب بتلقى الدروس خارج أسوار المعهد، مع تحمل الدولة لتكاليف التعليم. كان الهدف واضحًا: صناعة جيل حقيقى من الفنانين، لا مجرد خريجين. ومع انتقاله إلى المراحل المتقدمة، بدأت الدراسة تأخذ طابعًا أكثر انتظامًا، ووجد نفسه أمام مفترق طرق: هل يسير فى طريق تقليدى كوالده الطبيب، أم يغامر فى عالم الموسيقى؟ اختار المغامرة، بدعم من أبو بكر خيرت، رغم رحيله المبكر الذى ترك أثرًا نفسيًا كبيرًا عليه.

تخرج فى أواخر الستينيات بامتياز، فى زمن لم تكن فيه الأبواب مفتوحة بسهولة أمام السفر إلى الغرب، خاصة بعد نكسة 1967. لكن العلاقات الثقافية مع الاتحاد السوفيتى فتحت له نافذة ذهبية، فحصل على منحة للدراسة فى معهد تشايكوفسكى، أحد أهم معاهد الموسيقى فى العالم. هناك، خاض تجربة قاسية ومثرية فى آن واحد، بين منافسة شرسة وانضباط صارم، شكلت شخصيته الفنية وصقلت أدواته.

لم يكتفِ بالدراسة، بل شارك فى مسابقات دولية، فحصد جوائز فى فرنسا وإيطاليا، ما دفع إدارة المعهد إلى تمديد بعثته لخمس سنوات، تقديرًا لتفوقه.

كانت تلك المرحلة بمثابة شهادة اعتماد عالمية، تؤكد أنه لم يعد مجرد طالب موهوب، بل فنان على أعتاب العالمية.
عاد إلى مصر لفترة قصيرة، عمل خلالها فى الكونسرفتوار، لكن بداخله كان صوت آخر يدعوه إلى استكمال الرحلة. سافر إلى باريس، فى البداية لفترة مؤقتة، لكنه سرعان ما أدرك أن هذه المدينة ستكون محطته الأهم. لم تكن الإقامة سهلة، فاضطر للعودة إلى مقاعد الدراسة، فالتحق بـ«إيكول نورمال دى ميوزيك»، حيث اكتشف أساتذته أنه أمام عازف ناضج، فمنحوه فرصة جديدة.

فى فرنسا، خاض تحديًا جديدًا: إثبات الذات فى بيئة لا تعترف إلا بالكفاءة. شارك فى مسابقات، وكانت نقطة التحول حين فاز بالجائزة الأولى فى إسبانيا، لتُفتح أمامه أبواب الحفلات الدولية. من هنا بدأت مسيرته تتصاعد، ليس فقط كعازف، بل كاسم له ثقله فى عالم الموسيقى الكلاسيكية.

استقر فى باريس، وتزوج، وحصل على وضع قانونى مستقر، ثم تم تعيينه أستاذًا فى المعهد الذى درس به، فى واحدة من أندر صور الاعتراف، حيث يتحول الطالب الأجنبى إلى أستاذ يُدرّس لطلاب من مختلف أنحاء العالم. منذ أواخر السبعينيات، وهو يؤدى هذا الدور، إلى جانب مشاركاته فى لجان تحكيم مسابقات دولية، وحفلات فى أشهر القاعات العالمية.

وقف على مسارح كبرى مثل قاعة الشانزليزيه فى باريس، ورويال ألبرت هول فى لندن، وغيرها من القاعات التى لا يقف عليها إلا الكبار. ومع ذلك، ظل يحمل فى داخله نفس الطفل الذى خرج من شارع البستان، يحتفظ بذكرياته، ويعود إلى منزل الأسرة كلما زار القاهرة، وكأنه يستمد من المكان طاقة جديدة.

رمزى يسى يقدم درسًا مهمًا لشباب اليوم: لا توجد «عالمية سهلة»، ولا يمكن اختصار الطريق. النجاح الحقيقى يحتاج إلى موهبة، وعمل، وصبر، وإيمان بالهدف. فى زمن تُسوّق فيه النجومية أحيانًا كمنتج سريع، يأتى نموذجه ليعيد الأمور إلى نصابها.

الشروق المصدر: الشروق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا