يسود القلق أمام مقر "الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان" الفائزة بجائزة نوبل للسلام التي تستعد هذا العام للاحتفاء بخمسين سنة على بدء نشاطها، إذ يأتي هذا الاحتفاء في وقت تلقت فيه المنظمة صدمة بقرار السلطات تعليق نشاطها لمدة شهر، ضمن تحقيقات موسعة بدعوى التدقيق في المعاملات المالية والضريبية للمجتمع المدني، وهو قرار يقول نشطاء إنه لا يخلو من "ضغوط سياسية".
وتجميد أنشطة المنظمات والجمعيات في تونس ليس اجراء جديدا غير أن سحبه على "الرابطة" يعد خطوة ذات رمزية ودلالات ومؤشرا لتعاطي السلطة مع "الأجسام الوسيطة" كما يثير مخاوف من تضييق جديد على إحدى قلاع حقوق الانسان .
يقول نشطاء الرابطة إنه لا يمكن فهم قرار التعليق بمعزل عن المشهد العام في تونس وسط تضييق متصاعد على الجمعيات.صورة من: Tarek Guizaniوفق نشطاء المنظمة ومن بينهم شادي الطريفي الذي تواصلت معه DW عربية، لا يمكن قراءة قرار السلطات بمعزل عن "السياق الذي تعيشه تونس اليوم من بينها القيود على أنشطة الجمعيات والملاحقات القضائية ضد الصحفيين وتداعيات المرسوم الرئاسي 54 المرتبط بجرائم أنظمة الاتصال والمعلومات".
ومع أن قرار السلطات لا يعد مستجدا في تاريخ المنظمة التي شهدت مسارات مماثلة على مدى عقود في ظل نظام الحزب الواحد قبل ثورة 2011، إلا أن الرابطة كما يردد الطريفي، ظلت مستميتة في الدفاع عن حقوق الإنسان .
يعود تأسيس "الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان" إلى 14 آيار/ مايو 1976 تحت حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة اذي يوصف بأنه باني الدولة الحديثة وفي ظل سيطرة الحزب الحاكم "الحزب الاشتراكي الدستوري"، على الحياة السياسية وقيود مشددة على أنشطة المعارضة والمجتمع المدني.
وكانت قد حصلت على الترخيص القانوني بعدها بعام، وهي تعد أول جمعية من نوعها تظهر بإفريقيا والعالم العربي. ويعتبر الرئيس السابق المنصف المرزوقي وكمال الجندوبي وسهام بن سدرين وغيرهم من أبرز النشطاء الذين نشطوا تحت لوائها.
اكتسبت المنظمة زخما كبيرا دوليا مع فوزها بجائزة نوبل للسلام عام 2015، ضمن رباعي الحوار الوطني، الذي منع انزلاق البلاد الى الفوضى بلعبه دور الوساطة بين الفرقاء السياسيين خلال فترة الانتقال الديمقراطي ابان ثورة 2011.
وبسبب ذلك يأخذ قرار التعليق المؤقت لنشاطها لمدة شهر اليوم رمزية بالغة في نظر النشطاء لا يمكن فصله عن مقاربة السلطة مع "الأجسام الوسيطة" في تقديرهم، وهو المفهوم الذي ساد مع صعود الرئيس قيس سعيد الى الحكم والقائم على إلغاء دور الأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات.
وقبل أشهر علقت السلطة اتفاقا مع الرابطة بزيارة المؤسسات السجنية لمراقبة مدى احترام معايير حقوق الانسان، واعتبر ذلك مؤشرا على توتر ضد المنظمة الحقوقية.
في هذا السياق يقول الناشط الحقوقي الفاهم بوكدوس لـDW عربية، إن قرار التجميد يعكس ارتفاعا في مستوى جرأة السلطة في التعاطي مع المجال المدني والقضاء على هامش الاستقلالية الذي تتمتع به المؤسسات غير الحكومية.
ويزداد الأمر دلالة وفق بوكدوس، أن هذا الإجراء يستهدف أكثر الهياكل المدنية انتشارا جغرافيا داخل البلاد، وما تضطلع به من أدوار محورية في التوثيق والمناصرة وحماية الحقوق و الحريات ، وهو ما يجعل استهدافها أو تعطيل نشاطها مؤشرا بالغ الحساسية على طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع المدني.
تأسست الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان عام 1976 خلال حكم الحبيب بورقيبة، وبرز تحت لوائها حقوقيون بارزون من بينهم الرئيس السابق المنصف المرزوقي.صورة من: Tarek Guizaniتعد الرابطة أحدث المنظمات التي شملتها قرارات مماثلة في السابق مثل "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية" و"الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات" و"شبكة نواة" للإعلام الجمعياتي، وهي منظمات معروفة ومؤثرة.
ويثير تواتر مثل هذه القرارات مخاوف حقوقية من محاولات السلطة لإعادة ضبط النظام العام، بعد قرارات الرئيس قيس سعيد بفرض التدابير الاستثنائية في 25 تموز/ يوليو 2021 وتوسيع صلاحياته على رأس السلطة.
وفي تقدير الفاهم بوكدوس فإن فرض قيود على منظمات مؤثرة (الأجسام الوسيطة)، يتجاوز تعطيلها وتحجيم دورها في ترجمة التوتر الاجتماعي وتحويله لفعل سياسي منظم، إلى قطع الطريق أمام الفئات المتضررة على التأثير أو الضغط.
ويوضح الناشط بشكل أوسع أن القرار في النهاية "ينسجم مع نمط إدارة الأزمات الذي يميل إلى التركيز على التحكم في ردود الفعل الاجتماعية بدل معالجة جذور الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية"، في إشارة الى غلاء المعيشة وارتفاع كبير للأسعار وانتقادات نقابية بتدهور المقدرة الشرائية للتونسيين.
لكن على النقيض من انتقادات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية من انحسار كبير للحريات العامة، تقول الحكومة إن الإجراءات الأخيرة قانونية وتطبق على الجميع دون استثناء، وأن الهدف من ورائها هو التصدي للتجاوزات التنظيمية والإدارية، مع التأكيد دائما على أنها إجراءات مؤقتة ولا تمثل استهدافا سياسيا.
ويشير المحلل السياسي بسام حمدي في تعليقه لـDW عربية إلى أن الإجراء يأتي ضمن تدقيق شامل تقوم به الدولة لعدد من الجمعيات بإيعاز من السلطة، وهو إجراء غير مستجد لأنه شمل جمعيات أخرى في وقت سابق واستأنفت نشاطها بعد التثبت من سلامة معاملاتها.
لكن من الناحية السياسية، يرى حمدي أن القرار يترافق كذلك مع رؤية الرئيس قيس سعيد التي لا ترى ضرورة لـ"الأجسام الوسيطة" بدعوى تحولها الى بوابة لأنشطة سياسية، كما أن التعامل معها يقوم على تقدير بأن عدد من من رموز المعارضة تدور في فلكها، "من بينها شخصيات تعيش في الخارج وتعتبرها السلطة متآمرة على الدولة".
ويربط المحلل السياسي أيضا قرارات التعليق بمحاولاتها الدولة منذ سنوات بتعقب ما تسميه "المال السياسي الفاسد"، بما في ذلك التمويل الخارجي الموجه للجمعيات والذي قد يستخدم لأنشطة سياسية معارضة للسلطة.
ووجهت الرابطة انتقادات علنية لحكم الرئيس قيس سعيد وكانت من بين المشاركين في مسيرات واحتجاجات داعمة لقياديي المعارضة القابعين في السجن في قضايا التآمر على أمن الدولة، وهي قضايا تقول المعارضة إنها سياسية وتفتقد إلى أسس قانونية.
تحرير: عماد غانم
المصدر:
DW