تبدو رؤية المخرجين الإيرانيين لأزمة التفاوض حول الملف النووى والتوترات فى مضيق هرمز مزيجًا معقدًا من القلق السياسى والتأمل الإنسانى، حيث لا تُطرح هذه القضايا غالبًا بشكل مباشر، بل عبر رموز وحكايات شخصية تحمل أبعادًا أوسع.
يميل مخرجون مثل أصغر فرهادى إلى التركيز على الإنسان العادى فى قلب الأزمات، حيث تتحول الضغوط السياسية إلى صراعات أخلاقية داخل الأسرة والمجتمع. فى هذا السياق، تصبح «المفاوضات» رمزًا لفشل التواصل، بينما يعكس مضيق هرمز حالة الاختناق والتهديد المستمر، سواء على المستوى الفردى أو الجماعى.
أطلق المخرج الإيرانى الحائز على جائزتى أوسكار أصغر فرهادى، دعوة صريحة إلى صناع الأفلام والفنانين حول العالم لرفع أصواتهم رفضا للتصعيد العسكرى، وذلك على خلفية التهديدات التى أطلقها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب باستهداف البنية التحتية الإيرانية.
ووصف فرهادى هذه التهديدات بأنها جريمة حرب، مؤكدًا أن استهداف البنية التحتية لا يعنى تدمير منشآت فقط، بل يمثل اعتداء مباشرًا على حياة المدنيين وكرامتهم، ودعا المخرج الإيرانى إلى موقف إنسانى موحد يتجاوز الاختلافات السياسية، قائلًا: «مهاجمة البنية التحتية لأى بلد جريمة حرب.. فلنتحد لوقف هذه العملية اللاإنسانية وغير القانونية».
وجاءت تصريحات فرهادى فى ظل تصاعد حاد للتوترات فى الشرق الأوسط، مع تزايد المخاوف من اندلاع صراع واسع النطاق بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وهو ما دفع عددًا من الفنانين والمشاهير إلى التعبير عن رفضهم الحرب والتحذير من تداعياتها الإنسانية.
ويُعد بيان فرهادى من أبرز المواقف الصادرة عن الوسط السينمائى الدولى فى هذه الأزمة، خاصة أنه يأتى بعد تصريحات لترامب ألمح فيها إلى إمكانية استهداف منشآت حيوية داخل إيران، من بينها الجسور ومحطات الطاقة، فى حال فشل التوصل إلى اتفاق وفى السياق ذاته، أشار فرهادى إلى أن أى تصعيد عسكرى ستكون له عواقب وخيمة على المدنيين، محذرًا من كارثة إنسانية محتملة.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية إضافية فى ظل التطورات الجيوسياسية المتسارعة، بما فى ذلك التهديدات المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة فى العالم، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات اقتصادية عالمية.
يُذكر أن فرهادى، المعروف بأفلامه الحائزة على الأوسكار مثل «انفصال» و«البائع»، دأب على توظيف حضوره الدولى للدفاع عن القضايا الإنسانية، وكان قد قاطع حفل توزيع جوائز الأوسكار عام 2017 احتجاجًا على سياسات حظر السفر التى تبناها ترامب آنذاك.
أما سينمائيون مثل جعفر بناهى ومحمد رسولوف، فيميلون إلى مقاربة أكثر جرأة، حيث تُستدعى السياسة بشكل غير مباشر من خلال نقد السلطة، والقيود المفروضة على الحريات. فى أعمالهم، يظهر الحصار - سواء كان اقتصاديًا أو فكريًا - كحالة يومية يعيشها المواطن، ما يجعل من أى تصعيد فى الخليج امتدادًا طبيعيًا لضغط داخلى مستمر.
من ناحية أخرى، تعكس بعض الأفلام الإيرانية الحديثة إحساسا بالترقب والقلق من المجهول، حيث يُصور مضيق هرمز ليس فقط كممر استراتيجى، بل كرمز لحافة الانفجار. هذا التناول يتقاطع مع رؤية فنية تعتبر أن الحرب، حتى قبل وقوعها، تترك أثرها النفسى العميق على المجتمعات.
من الأفلام الإيرانى مضيق هرمز (2014 Strait of Hormuz) فيلم وثائقى من إخراج شهرام حيدريان، ويتناول المضيق من زاوية جغرافية، اقتصادية وسياسية. يشرح أهميته كأحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة عالميًا، وتأثيره على إيران والمنطقة.
هذا هو العمل الإيرانى الأوضح الذى يضع مضيق هرمز فى مركزهو فيلم «المضيق المفقود» 2018 The Lost Strait لا يتناول مضيق هرمز جغرافيًا، لكنه يستخدم فكرة المضيق كرمز لنقطة اختناق عسكرية ومصيرية، حيث يعكس نفس منطق هرمز: موقع ضيق يحدد مصير المعركة بشكل عام، لا تنفصل السينما الإيرانية عن واقعها السياسى، لكنها تفضل معالجته بلغة إنسانية وشاعرية، تجعل من الأزمات الكبرى قصصًا صغيرة عن الخوف، الأمل، والصمود.
المصدر:
الشروق