فى امتداد لمسيرتها الفنية، افتتحت الفنانة التشكيلية نازلى مدكور معرضها الجديد «أنشودة الأرض»، لتقدم من خلاله خلاصة مرحلة إبداعية ناضجة تعكس عمق تجربتها وتطور رؤيتها عبر أربعة عقود، لا يأتى هذا المعرض، المستمر حتى 7 مايو المقبل، بوصفه مجرد عرض لأعمال فنية، بل كمساحة للتأمل وإعادة قراءة الذات، حيث تتجلى فيه ملامح لغة بصرية خاصة، تشكلت عبر سنوات من البحث والتجريب، وانشغال دائم بالسؤال عن العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وبين الداخل والعالم الخارجى.
ويأتى هذا الحدث بعد فترة وجيزة من تكريمها من السيدة انتصار السيسى فى يوم المرأة العالمى، فى لحظة التقت فيها رحلة الإبداع بالتقدير الرسمى، لتضىء محطة جديدة فى مسيرة لم تكن يومًا تقليدية أو متوقعة.
لم يكن هذا التكريم مجرد احتفاء بإنجازات الفنانة نازلى مدكور، بل اعتراف برحلة استثنائية اتسمت بالجرأة، منذ أن اختارت التخلى عن مسار مهنى مستقر، لتخوض مغامرة الفن بإيمان عميق بأنه ليس خيارًا عابرًا، بل قدر يستحق أن يعاش.
على مدار سنوات، نجحت نازلى مدكور فى أن تصوغ لنفسها تجربة متفردة، لا تكتفى بالبحث عن الجمال، بل تنحاز إلى المعنى، وتغوص فى تلك المساحات الخفية التى تربط الفنان بذاته وبالعالم من حوله، مقدمة أعمالًا تحمل بصمتها وتعكس تطورًا مستمرًا فى الرؤية والتقنية.
فى هذا الحوار، نقترب من عوالم نازلى مدكور، من «أنشودة الأرض» بوصفه أحدث محطاتها، مرورًا بلحظة التكريم، وصولًا إلى البدايات
والقرارات المصيرية التى شكلت ملامح تجربتها، لنكتشف كيف تُبنى رحلة فنية حقيقية، خطوة بخطوة.
ـ هذا المعرض يمثل لى رحلة عمر، ويبرز محطات مختلفة شكلت تجربتى الفنية على مدار أكثر من أربعة عقود، وحاولت من خلال مجموعة أعمال «أنشودة الأرض» أن أعبّر عن علاقتى العميقة بالطبيعة المصرية، كما أنه انعكاس لتجارب شخصية ورؤى فكرية تطورت مع الزمن، خاصة فيما يتعلق بالهوية وقضايا الإنسان والمرأة.
ومن المعروف أن كثيرًا من الفنانين لا يحتفظون بأعمالهم الأولى، لكننى كنت حريصة على الاحتفاظ ببعض اللوحات من كل مرحلة ومع كل معرض، استعدادًا للحظة كهذه.
ـ هذا التكريم أسعدنى كثيرًا، خاصة أننى لم أكن أتوقعه إطلاقًا. فى الحقيقة، لم أكن أعلم بوجود هذه الجوائز، رغم أنها تُمنح منذ عدة سنوات، كما عرفت لاحقًا. وعندما تم التواصل معى، لم أكن مدركة تمامًا لطبيعة التكريم، فبحثت وسألت حتى فهمت. شعرت حينها أنه تكريم مميز وذو قيمة كبيرة، فكل إنسان يسعد بتقدير بلده له، ويشعر أن جهده قد تم تقديره ورؤيته، وهو ما يُعد أهم من أى مقابل مادى بالنسبة للفنان.
ـ لا يمكن التعميم على جميع الفنانين، لكن معظم الفنانين الجادين يستمدون سعادتهم من العمل نفسه. خلال العمل، يكتشفون علاقات جمالية جديدة ويصلون إلى مناطق لم يتخيلوا الوصول إليها، وهذه هى متعتهم الحقيقية. عادة لا يفكر الفنان فى الجوائز، لكن هناك نوعية من الفنانين لديهم روح تنافسية، يحبون المسابقات والجوائز، وهذا لا يتعارض مع كونهم فنانين جيدين، فالأمر يرتبط بطبيعة كل فنان.
ـ الجوائز تسلط الضوء على أهمية الفن والفنان، وعلى دوره فى تعزيز القوة الناعمة المصرية. كما أن الفنان يسعد بها لأنها تأتى من تقدير نخبة من المثقفين، فيشعر أن أقرانه يقدّرون عمله. وغالبًا ما تأتى هذه الجوائز بعد سنوات طويلة من العمل، لذلك يكون لها وقع خاص وسعادة كبيرة.
ـ درست السياسة والاقتصاد بجامعة القاهرة، ثم حصلت على دبلوم إدارة أعمال وماجستير فى الاقتصاد السياسى، وعملت فى الأمم المتحدة ومركز التنمية الصناعية التابع لجامعة الدول العربية. رغم ذلك، كنت أحب الفن منذ الصغر، وكنت أمارسه كهواية، ولكنى لتفوقى الدراسى نصحنى الأهل بأن ألتحق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية.
بعد إنهاء دراساتى، بدأت أخذ دروسًا أولية فى الفن، ثم اهتممت بدراسة تاريخ الفن وفلسفته، وزيارة المعارض والمتاحف بنظرة مختلفة. مع الوقت، أدركت أن الفن ليس مجرد هواية، بل شىء أريد التعمق فيه وممارسته طوال حياتى.
كان قرار ترك العمل بعد أكثر من ١١ عاما صعبًا لأننى استثمرت سنوات طويلة فى مجال آخر، لكنه كان من أهم قرارات حياتى ولم أندم عليه. وأشجع الشباب على اتخاذ قرارات جذرية إذا شعروا بشغف حقيقى.
ـ بالتأكيد، فهى تحتاج إلى شجاعة وقرار مدروس. استغرق الأمر وقتًا حتى حسمته، ومن العوامل التى شجعتنى نجاح أول معرض خاص لى،
بالإضافة إلى دعم بعض الفنانين.
ـ لم تؤثر بشكل مباشر، لكنها جعلت دخولى للفن أكثر منهجية. تعاملت معه بجدية من خلال دراسة الفنانين والمدارس الفنية والنقد والفلسفة، وهذا انعكاس لطبيعتى الدراسية السابقة.
ـ الإنسان يتغير باستمرار، خاصة الفنان الذى يتعرض لمؤثرات بصرية وفكرية يومية. بدأتُ بالتركيز على المرأة والمناظر الطبيعية، ثم عدت إليها لاحقًا بأسلوب مختلف. الروح واحدة، لكن التقنية والرؤية تغيرتا؛ انتقلت من السرد وتجميل الطبيعة إلى التعبير عن الحالة النفسية داخل العمل، وهذا يتطور مع الخبرة.
ـ هذا أيضًا تغيّر مع الوقت. فى البداية كنت أرسم من الواقع، من الأماكن التى أزورها. أما الآن، فأبدأ بلوحة فارغة وذهن خال، وأترك الخيال
يقودنى دون مرجع مباشر، بل مرجع داخلى.
ـ نعم، التجريد يعبر عن المشاعر بشكل أعمق، من خلال ضربات الفرشاة، والخطوط، والألوان. بينما الفن التشخيصى يروى حكاية أقرب للمتلقى، الذى لا يزال معتادًا على الفهم السردى أكثر من استقبال المشاعر المجردة.
ـ المتلقى الأجنبى غالبًا يكون أكثر استعدادًا معرفيًا لاستقبال الفن، ويمتلك خلفية تساعده على فهمه. كما يكون لديه فضول لاكتشاف الاختلافات الثقافية، بينما فى مصر لا يزال التجريد يُنظر إليه أحيانًا كفن غربى.
ـ يحتاج إلى دعم من التعليم والإعلام، لتقديم الفن بشكل مبسط ومتاح للجميع، إلى جانب جهده الشخصى فى زيارة المتاحف والمعارض.
ـ هناك طفرة واضحة، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة النهضة الكاملة. هناك زيادة فى الاهتمام الإعلامى وعدد الفنانين، ودعم من الدولة، لكن
الصورة لم تكتمل بعد.
ـ تاريخ المرأة فى الفن التشكيلى المصرى متميز جدًا، وشاركت منذ بداياته. لم يكن هناك تمييز واضح بينها وبين الفنانين الرجال، لكن فى
التسعينيات حدث انسحاب لبعض الفنانات بسبب الظروف الاجتماعية والدينية آنذاك، وهناك رائدات فى الفن التشكيلى. ومجال النحت حاليا ملىء بالفنانات رغم صعوبته من الناحية العضلية والعائد المادى.
ـ التخوف الأكبر هو سرقة الأعمال والتزوير، لكن فى المقابل هناك مزايا كبيرة، مثل سهولة الوصول للمعلومات والتعلم، وإمكانية كشف التزوير أيضًا.
ـ أفضل المعارض الفردية لأنها تقدم تجربة متكاملة للفنان. أما الجماعية، فأفضلها حين تكون قائمة على فكرة مشتركة.
ـ نعم، ما زلت أحرص على التجريب وتقديم تقنيات جديدة، لأن ذلك يمنحنى سعادة.
ـ الأمر صعب، خاصة فى فترة تربية الأبناء. لكننى أؤمن أن على المرأة أن تحمى مساحتها الخاصة، وتمنح نفسها وقتًا لتحقيق ذاتها.
ـ السعادة الحقيقية تكون أثناء العمل، أما بعد الانتهاء فتكون مؤقتة، ثم يبدأ الفنان فى البحث عن تجربة جديدة.
ـ النجاح بالنسبة لى هو تحقيق قيمة فنية، وليس مجرد جمال. الفنان هو من يحدد ذلك، وهذا المعيار يتغير مع تطوره.
ـ نعم، لكنها ليست بالضرورة الأجمل، بل تلك التى مثلت نقلة فنية فى تجربتى.
ـ أجد صعوبة فى الإجابة، لأن التأثيرات تأتى من تجارب وأفكار أكثر من أشخاص، كما أن الفنانين المؤثرين يتغيرون مع الوقت.
ـ هناك دعم متبادل ونقاشات مستمرة حول الأعمال، ما يثرى تجربة كل منا.
ـ لقد صممت أغلفة لبعض كتبه فى بداياته، لكن فى الحقيقة هذا ليس توجهى أن أشارك برسومات أو أغلفة كتب، رغم أننى بعد مشاركتى مع الكاتب محمد سلماوى شاركت فى عمل فنى مرتبط بأعمال نجيب محفوظ عام 2003، حيث قدمت رسومًا داخل كتاب.
ـ لأننى أفضل العمل بحرية دون قيود، فالعمل الموجه يضع ضغوطًا على الفنان.
ـ كانت رحلة شيقة.
ـ الجرأة مهمة جدًا، وعدم الاستعجال فى تحقيق النتائج، لأن النضج يحتاج وقتًا، والتقليد الزائد قد يعيق الإبداع.
المصدر:
الشروق