في ظل تطبيق قرارات الإغلاق المبكر للمحال والمقاهي، يبرز تساؤل مهم حول مدى جدوى منح ساعة إضافية للعمل يومي الخميس والجمعة، وهل نجحت هذه الخطوة في تخفيف حدة الخسائر التي تكبدها أصحاب الأنشطة التجارية، أم أنها مجرد حل مؤقت لم يلامس جذور الأزمة المرتبطة بتقليص ساعات النشاط المسائي، خاصة في مجتمع يعتمد بشكل كبير على الحركة الليلية.
فترى الحكومة أن هذا القرار يجنب الحكومة اتخاذ اجراءات أكثر قسوة قد لا يتحملها المواطن، لذا فإنها فضلت اتخاذ مثل هذا القرار لعدم اللجوء إلى إجراءات تصاعدية لا داعي للجوء لها في الوقت الحالي، مؤكدين على أن هذه القرارات اتخذت بعد دراسات متعمقة ودقيقة.
أكد الدكتور أحمد خطاب، الخبير الاقتصادي، في هذا الشأن، أن قرار الحكومة المتعلق بالإغلاق المبكر للمحال والمطاعم وبعض الأنشطة، يهدف بالأساس إلى تخفيف استهلاك الوقود المستخدم في تشغيل محطات الكهرباء، مشيرًا إلى أنه يحقق مصلحة الدولة، لكنه لا يصب في مصلحة المواطن أو أصحاب الأنشطة التجارية.
وأشار الخبير الاقتصادي، إلى أن هذا التوقيت يتزامن مع خروج أغلب العاملين من أعمالهم، ما يدفعهم إلى التوجه سريعًا لتلبية احتياجاتهم اليومية، وهو ما يسبب ازدحامًا شديدًا يعقبه فترات من الهدوء والركود خلال باقي ساعات اليوم، معتبرًا أن هذا النمط “غير متوازن” ولا يتماشى مع طبيعة الحياة اليومية في مصر.
أضاف "خطاب" أن أصحاب المحلات التجارية، خاصة المستأجرين، هم الأكثر تضررًا من القرار، نظرًا لاعتمادهم على ساعات العمل المسائية في تحقيق أرباحهم، لافتًا إلى أن تقليل ساعات العمل بنسبة قد تصل إلى 40% ينعكس بشكل مباشر على حجم المبيعات، ويؤثر سلبًا على قدرتهم على تغطية التكاليف.
وشدد على أن الحكومة كان بإمكانها اتباع بدائل أكثر فاعلية، مثل زيادة أسعار الكهرباء على الأنشطة التجارية مع تطبيق نظام شرائح، بحيث يتحمل النشاط التجاري التكلفة الأعلى مقابل استمراره في العمل، معتبرًا أن هذا الحل يحقق توازنًا بين دعم الدولة وحماية أصحاب المحلات.
قال صاحب أحد المقاهي بمنطقة المهندسين، والذي فضّل عدم ذكر اسمه، إن قرار الإغلاق في الساعة التاسعة لم ينعكس بشكل ملحوظ على حجم المبيعات، موضحًا أن أغلب رواد المقهى اعتادوا بالفعل على هذا التوقيت، ما جعل التأثير محدودًا من وجهة نظره.
وطالب صاحب المقهى خلال حديثه لمصراوي، الحكومة بإعادة النظر في قرار الغلق المبكر، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها المقاهي، وعلى رأسها ارتفاع تكاليف التشغيل والالتزامات المالية، إلى جانب سعيها لتقليل العمالة أو عدد الورديات لمواجهة الضغوط الاقتصادية.
أبدى عدد من رواد المقاهي، على جانب آخر، استياءهم من القرار، معتبرين أن تقليص ساعات العمل يحد من وقتهم للاسترخاء والتجمعات الاجتماعية، خاصة في ظل الاعتياد على السهر والخروج في فترات الليل والعمل الشاق جدًا خلال فترات النهار.
وأشار البعض خلال حديثهم لمصراوي، إلى أن قرار مد ساعات العمل لساعة إضافية في بعض المناسبات، مثل: أعياد المسيحيين، لا يمثل حلًا حقيقيًا، ولا يترك أثرًا ملموسًا على حركة النشاط أو زيادة الأرباح، مطالبين بمرونة أكبر في تطبيق القرار.
ويستمر الجدل حول القرار بين من يراه خطوة لتنظيم استهلاك الطاقة وتخفيف الضغط، وبين من يعتبره قيدًا على النشاط الاقتصادي والاجتماعي، في وقت تتزايد فيه الدعوات للبحث عن حلول تحقق التوازن بين احتياجات الدولة ومتطلبات السوق.
فيما عبر مواطنون على مواقع التواصل الاجتماعي عن سعادتهم بقرار تمديد الساعة يومي الخميس والجمعة، إذ تفاعلوا معه بروح مرحة ومطالبات بتمديده.
وكتبت منى رضا مازحة: "اللي عاوز يتجوز يلحق نفسه.. قاعات الأفراح مفتوحة لحد 10 يومي الخميس والجمعة"، فيما علق أحمد حسن قائلًا: "كل سنة وهما طيبين.. طب ما تخليها لحد 12 علشان ألحق القهوة لأني بخلص شغلي 10".
ووصف إسلام محمد القرار بأنه "ساعة الحظ"، في إشارة إلى ما أحدثه من تحسن في حركة النشاط الليلي، بينما طالب آخرون بتمديد العمل بهذا القرار بشكل دائم لإعادة الحيوية إلى الشوارع ليلًا.
اقترح الخبير الاقتصادي، تطبيق ضريبة كهرباء عادلة على المتر التجاري، يتم توجيه حصيلتها لدعم قطاع الطاقة، بدلًا من فرض قيود مباشرة على ساعات العمل، مؤكدًا أن هذا النموذج معمول به في العديد من الدول.
وأعاد التأكيد على أن الحلول الاقتصادية يجب أن توازن بين مصالح الدولة والمواطن والقطاع الخاص، دون تحميل طرف واحد العبء الأكبر، مشيرًا إلى أن استمرار هذا القرار بصورته الحالية قد يؤدي إلى آثار سلبية على النشاط الاقتصادي وحركة السوق.
استكمل الدكتور أحمد خطاب، أن طبيعة الحياة في مدن كبرى مثل: القاهرة والجيزة والإسكندرية تقوم منذ سنوات طويلة على النشاط الممتد على مدار 24 ساعة، وهي ثقافة راسخة لا يمكن تغييرها بقرارات مفاجئة.
وأوضح أن هناك دولًا عديدة، مثل: فرنسا، تعتمد على نفس النمط من الحياة الاقتصادية التي لا تتوقف، وهو ما يدعم حركة التجارة والسياحة ويعزز النشاط الاقتصادي، متسائلًا عن جدوى تقييد هذا النشاط في مصر بدلًا من تنظيمه بشكل أكثر مرونة.
أشار "خطاب"، إلى أن الحل لا يجب أن يكون في الإغلاق، بل في إتاحة حرية الاختيار لأصحاب المحلات، بحيث يقرر كل نشاط مواعيد عمله وفقًا لقدراته وتكلفته التشغيلية، قائلًا: "من يريد الاستمرار في العمل يتحمل تكلفة أعلى، لكن لا يتم منعه من العمل".
ولفت إلى أن فرض رسوم أو زيادات على استهلاك الكهرباء، خاصة على الإعلانات المضيئة والأنشطة ذات الاستهلاك المرتفع، يمكن أن يكون بديلًا عمليًا يحقق إيرادات للدولة دون الإضرار بحركة السوق، لافتًا إلى أن كثيرًا من أصحاب الأنشطة قد يقبلون بدفع مقابل مادي نظير الاستمرار في العمل.
وأكد "خطاب" أن السوق بطبيعته قادر على التكيف مع مثل هذه الآليات، إذ سيوازن التاجر بين تكلفة التشغيل والعائد المتوقع، وهو ما يخلق حالة من التنظيم الذاتي دون الحاجة إلى قرارات إلزامية قد تؤدي إلى نتائج عكسية.
وشدد الخبير الاقتصادي، على أن فرض قيود مباشرة على النشاط الاقتصادي قد يدفع البعض إلى التحايل أو العمل بشكل غير رسمي، وهو ما يقلل من كفاءة القرار ويضعف من عوائده.
واختتم الدكتور أحمد خطاب تصريحاته بالتأكيد على ضرورة تبني سياسات اقتصادية مرنة تراعي طبيعة المجتمع المصري، وتحقق التوازن بين زيادة موارد الدولة والحفاظ على استقرار السوق، قائلًا: "لا يجب التضييق على الناس، بل يمكن تحقيق نفس الهدف من خلال أدوات اقتصادية أكثر كفاءة وعدالة".
اقرأ أيضًا:
تحرك عاجل لاستثناء المطاعم السياحية بالقاهرة والجيزة من مواعيد الغلق
المصدر:
مصراوي
مصدر الصورة