بين ضجيج المطاردات السينمائية القديمة وهدوء النظرات المثقلة بالوجع في دراما اليوم، تكمن حكاية ممثلة لم تعد إلى الشاشة لمجرد استعادة مكانها، بل لتعيد تعريف مفهوم "الحضور". سماح أنور ، التي تمردت يوماً على قناع "فتاة الشاشة البريئة" بملامحها الحادة وعفويتها الصاخبة، تعود الآن لتمارس سحراً من نوع خاص، سحرٌ لا يحتاج إلى ركضٍ أو صراخ، بل يتنفس من خلال الصمت، التنهيدات، وتلك التفاصيل الصغيرة التي جعلت من حضورها اليوم درساً في بلاغة السكون.
في الدراما، لا تكفي الخبرة وحدها لصنع حضور مؤثر، كما لا تكفي العودة بعد الغياب لاستعادة وهج البدايات. وحدها الموهبة القادرة على التجدد هي التي تمنح الممثل قدرة دائمة على إعادة اكتشاف نفسه. لذلك تبدو تجربة سماح أنور مثالاً واضحاً على هذا النوع من الحضور الذي يتغير مع الزمن دون أن يفقد جوهره. فمنذ ظهورها المبكر في السينما المصرية وحتى أدوارها التلفزيونية الأخيرة، ظلت تبحث عن المساحة التي تسمح لها بتجريب طاقتها التمثيلية بعيداً عن القوالب الجاهزة. ومع مشاركتها في مسلسلي "حكاية نرجس" و"عرض وطلب"، عادت لتؤكد أن الممثل الحقيقي لا يستعيد حضوره بالضجيج، بل بقدرته على الإمساك بالتفاصيل الصغيرة التي تمنح الشخصية حياتها وصدقها.
لقد عرفت سماح أنور دهاليز الفن منذ صغرها، حيث نشأت طفلة في بيت يتنفس المسرح والسينما والتلفزيون، فوالدها هو الكاتب أنور عبد الله ووالدتها الممثلة سعاد حسين، لذا كان الفن بالنسبة لها عالماً مغوياً تارة ومألوفاً تارة أخرى. وقد ظهرت في مرحلة انعطافية من تاريخ السينما المصرية، وصفها الناقد الدكتور أحمد يوسف قائلاً: "شبعت السينما المصرية وتابعت طوال ثلاثة أرباع القرن بفتاة الشاشة البريئة، الطاهرة، منكسرة القلب تارة،والمتوسطة المتفجرة آسرة القلوب تارة أخرى، وفي أحيان نادرة كانت السينما المصرية تنجح في تجسيد فتاة الشاشة الواقعية، التي تسير على قدمين وتمضي في زحام المدينة وراء لقمة العيش وقصة الحب في آن واحد، بعيداً عن القناعين التقليديين لفتاة الشاشة، وكانت تلك هي الفرصة الحقيقية لأن تظهر نجمة مثل سماح أنور، تمهد الطريق من جديد لفتاة تسكن عالمنا الذي نعرفه".
في تلك اللحظة تفجرت موهبتها في فيلم "بيت القاصرات" (1984) للمخرج أحمد فؤاد، حيث قدمت صورة مختلفة عما ظهرت به في أفلام سابقة مثل "الليلة الموعودة" (1984) للمخرج يحيى العلمي. فقد كانت شخصية "نعيمة" وسيلتها للتمرد على النمط الذي حاولت السينما فرضه عليها، إذ خاضت سماح معركتها ومعركة نعيمة في الوقت ذاته، وقدمت الدور بوجهها الحقيقي دون مساحيق تجميل أو افتعال أو بهرجة. بعد ذلك توالت أدوارها ما بين أعمال سهلة لا تعبر تماماً عن طاقتها التمثيلية الكبيرة، ربما نرى ملامحا منها كما في "رجب الوحش" (1985) إخراج كمال صلاح الدين، أو "الفريسة" (1986) إخراج شكري سليم، كذلك فيلم "بنت مشاغبة جداً" (1991) إخراج أحمد السبعاوي، إلى جانب أعمال أخرى. في المقابل قدمت للشاشة الصغيرة أدواراً أكثر ثراء كما في مسلسلي "سنبل بعد المليون" و"رأفت الهجان"، فضلاً عما قدمته على خشبة المسرح في عروض مثل "راقصة قطاع عام"، "أولاد الشوارع"، "سحلب". بين هذه المحطات ظهرت أفلام مهمة، وإن كانت قليلة، بدا حضور سماح فيها متماهياً مع عمقها الفني مثل فيلم "نساء صعاليك" (1991) للمخرجة نادية حمزة. ومما يعمق من تميز هذه التجربة، هو ذلك الانتقال الجوهري في "المدرسة التمثيلية" التي تتبعها سماح أنور، فبينما كانت في بداياتها الثمانينية تعتمد مدرسة "الأداء الحركي المتدفق"، حيث كانت الحركة هي المحرك الرئيسي للشخصية (ديناميكية ابنة البلد، أو الفتاة العصرية المتمردة)، نجدها اليوم في نضجها الأخير قد انتقلت إلى مدرسة "الأداء من الداخل إلى الخارج". في أعمالها الحالية، لم يعد الجسد أداة للفعل المادي بقدر ما صار مرآة لترسبات النفس، إذ استبدلت "عنفوان الحركة" بـ "كثافة السكون"، وصار الانفعال لديها لا ينفجر في صرخة أو إيماءة واسعة، بل يرتشح من خلال نبرة صوت مخنوقة أو نظرة عين تائهة. هذا التحول يعكس وعياً فنياً أدرك أن بريق الممثل في مرحلة النضج لا يأتي من "محاكاة" الشخصية، بل من "تقطير" خبراته الإنسانية داخلها، وهو ما جعلها تنتقل من خانة "النجمة النمطية" إلى رحاب "الممثلة القديرة" التي تملك أدواتها بوعي وتؤديها بروح فنان.
على امتداد مسيرتها التي تجاوزت 142 عملاً بين السينما والمسرح والتلفزيون، ظلت سماح أنور ممثلة تبحث عن أدوار تكشف طاقتها الحقيقية. وبرغم الغياب الطويل عن الشاشة بسبب حادث سيارة قاسٍ أبعدها سنوات عن التمثيل، فإنها عادت إلى الأضواء في مطلع الألفية، لتستأنف بعدها حضورها في الدراما التلفزيونية عبر أعمال عدة. وفي حوارات صحفية متنوعة أكدت أنها تشعر بالامتنان للأعمال الجيدة التي شاركت فيها، وأنها لم تشعر في أي وقت بأنها تعرضت لظلم فني، كما شددت على أنها لا تحب أن تقدم نفسها في دور الضحية رغم الغياب الذي استمر نحو اثنين وعشرين عاماً. ربما من هذه النقطة نستطيع أن ندرك نضجها البين في السنوات الأخيرة وملامح التحول الملحوظ في طبيعة الأدوار التي تقدمها، حيث اتجهت إلى الشخصيات الأكثر عمقاً وتعقيداً، كما في مسلسل "كتالوج" مع المخرج وليد الحلفاوي، وهو العمل الذي تجاوب الجمهور معه لصدقه وبساطته واقترابه من حياة الناس اليومية بعيداً عن المبالغة في تصوير العنف والخيانة في الدراما.
ربما لا أبالغ لو قلت أن أداء سماح أنور يتجلى في أدوارها الدرامية الأخيرة من خلال لغة جسد مشحونة بالدلالات وتعبيرات وجه تختزل عقوداً من الخبرة الإنسانية، حيث طوعت أدواتها التمثيلية لخدمة نقيضين دراميين واضحين، كما سبق أن أشرت. ففي شخصية الأم القاسية في مسلسل "حكاية نرجس" اعتمدت لغة بصرية تقوم على التصلب العضلي، نظراتها حادة ومستقيمة تخلو من اللين، حركات يدها حاسمة ومقتضبة تعكس سلطوية الأم التي ترفض الضعف، بينما جاءت نبرة صوتها جافة تخرج بمخارج حروف قاطعة كأنها تبني جداراً نفسياً بينها وبين ابنتها. على النقيض التام أعادت تشكيل حضورها الجسدي في مسلسل "عرض وطلب" ليعكس الانكسار البيولوجي والوهن العاطفي، إذ ارتخت ملامح وجهها لتسمح لعلامات التعب والوجع بالظهور دون افتعال، غلف الحزن عينيها ببريق يفيض بالحاجة والامتنان في آن واحد، بينما تحولت حركتها إلى إيماءات بطيئة وهادئة تعمق مأساة الشخصية وتدفع المشاهد إلى التماهي مع ضعفها الإنساني. هذا التباين الحركي والانفعالي يؤكد أن سماح أنور لا تؤدي الدور بقدر ما تسكنه، إذ تخلت تماماً عن صورة نجمة الأكشن التي ارتبطت بها في البدايات، لتتبنى فيزيائية الأمومة بتعقيداتها النفسية، مستخدمة الصمت وتنهيداتها كأدوات درامية لا تقل تأثيراً عن الحوار المنطوق، وهو ما جعل حضورها في العملين أشبه بمباراة تمثيلية مع الذات أثبتت فيها أن ملامحها باتت أكثر طواعية للتعبير عن الصراعات الداخلية العميقة.
هكذا، حين عادت سماح إلى الواجهة في موسم درامي مشتعل بالمنافسة، لم تكن مجرد عودة ممثلة إلى الشاشة، بل عودة خبرة إنسانية وفنية تراكمت عبر سنوات طويلة. فقد بدا حضورها امتداداً لروح متوثبة ظهرت منذ بداياتها بين فتيات جيلها، روح ربما تعطلت لبعض الوقت لكنها تعود اليوم بالوثوب ذاته القادر على الإبهار، كاشفة عن موهبة صلبة لا تنضب، وعن ممثلة تعلمت مع الزمن أن القوة الحقيقية في الأداء لا تكمن في الصخب، بل في تلك التفاصيل الصغيرة التي تمنح الشخصية حياتها الكاملة.
كل ما يخص مسلسلات رمضان 2026.. اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026
المصدر:
اليوم السابع