قال نظير الدكتور عياد، مفتى الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم، إن الفتوى الرسمية لدار الإفتاء استقرت على أن التبرع بالأعضاء البشرية بعد الوفاة يعد أمرا جائزًا شرعًا إذا توافرت ضوابط واضحة تحفظ كرامة الإنسان وتحترم إرادته الحرة.
وأضاف مفتى الجمهورية فى حواره مع «الشروق» أن الدار تلعب دورا فعالا فى ترسيخ مفهوم التيسير فى الزواج والحض عليه، مشيرا إلى أنه من الممكن التفكير فى وثيقة توجيهية أو إطار إرشادى يحد من ظواهر المغالاة فى المهور.
واستعرض عياد ملامح خطة دار الإفتاء خلال شهر رمضان، وعدد من القضايا المعاصرة وجهود الدار فى تعزيز الوسطية ومواجهة الفكر المتطرف، والضوابط والمحددات التى يترتب عليها الحكم بالتكفير. وإلى نص الحوار:
ـــــ سعت الدار عبر خطتها الرمضانية إلى تأصيل المعنى الشرعى للصيام، باستثمار أوقاته فى العبادة والتزكية، وارتكزت الخطة على هدفين هما تيسير وصول الفتوى الصحيحة بدقة وسرعة، وتحصين المجتمع من الأفكار الشاذة أو المغلوطة.
كما تم تعزيز جاهزية وحدات الفتوى لاستقبال الاستفسارات عبر القنوات الرقمية والهاتفية، مع نشر أحكام الصيام والزكاة بأسلوب مبسط، وكثفنا الحضور الإعلامى لعلماء الدار للإجابة عن أسئلة الصائمين، إلى جانب البث المباشر اليومى عبر الصفحة الرسمية للدار على مواقع التواصل الاجتماعى، وأطلقنا المسلسل الكرتونى «أنس AI» لبناء وعى الأسرة، بجانب تحديث كتاب «أحكام الصيام» لمواكب المستجدات، وتنظيم ملتقيات بالتعاون مع وزارات الأوقاف، والشباب والرياضة، والثقافة.
ــــ استقرت الفتوى الرسمية لدار الإفتاء على أن التبرع بالأعضاء البشرية بعد الوفاة يعد أمرا جائزًا شرعًا إذا توفرت ضوابط واضحة تحفظ كرامة الإنسان وتحترم إرادته الحرة، وتعمل ضمن إطار قانونى وطبى معترف به، ونقل الأعضاء من الميت إلى الحى جائز شرعًا بشرط تحقق الوفاة الكاملة والبينة الطبية الدقيقة، وأن يكون المتبرع قد أوصى بهذا التصرف فى حياته وهو بكامل قواه العقلية، دون إكراه مادى أو معنوى، وألا يفضى النقل إلى انتهاك لكرامة الميت أو الجسد الإنسانى، والنقل يجب أن يتم وفق ضوابط شرعية وقانونية واضحة تحترم دعاوى الإسلام فى حفظ الحياة ودرء المفاسد.
وأوضحنا عبر فتاوى أخرى أن التبرع بالأنسجة البشرية، مثل جلد الميت لصالح حالات الحروق الضرورية، جائز أيضا إذا أُخذ فى إطار ضرورة طبية واضحة، ودون مقابل أو إساءة استغلال، وأن يتم ذلك فى منشآت طبية مرخصة وتحت إشراف مختصين لضمان عدم التحول إلى تجارة فى الأعضاء والأنسجة.
ـــــ يعتمد منهج الدار فى التعامل مع مثل هذه النوازل العلمية والطبية على قاعدة شرعية راسخة: حفظ النفس من مقاصد الشريعة الأساسية، مع عدم انتهاك كرامة الإنسان أو استغلال جسده، وضرورة أن تتطابق الإجراءات مع القواعد الإسلامية والضوابط القانونية.
ــــــ تسعى دار الإفتاء إلى تعزيز التنسيق مع البرلمان عبر اللجنة الدينية والاجتماعية لتقديم الاستشارات الشرعية فى القوانين والمشروعات التى تمس الشأن الدينى والأسرة والمجتمع، كما تشارك الدار فى دراسة مشروعات القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية، والأسرة، والعلاقات الاجتماعية لضمان توافقها مع الشريعة الإسلامية والمصلحة العامة.
ــــ أطلقنا هذه الدورة إدراكا منا لأهمية تعزيز وعى المجتمع بالقضية الفلسطينية من منظور شرعى وتاريخى وإنسانى، وفصل الحقائق عن الروايات المغلوطة التى تتداول أحيانا بشكل مضلل، ووجهناها للهيئة المعاونة من جامعة الأزهر وأمناء وأمينات الفتوى بدار الإفتاء والواعظات من وزارة الأوقاف والإعلاميين المتخصصين، لأنهم معنيون بخطابات تؤثر مباشرة فى الرأى العام، وحرصنا على أن يحصلوا على أدوات معرفية تمكنهم من التعامل مع القضية بعقلانية وموضوعية، بعيدًا عن الانفعال أو التسطيح.
كما أعددنا برنامج الدورة بعناية علمية شملت جلسات ومحاضرات متعددة الأبعاد بمشاركة أساتذة وعلماء ومفكرين وخبراء لتقديم رؤى فكرية وثقافية وسياسية متكاملة. ونسعى عبر هذه الدورة إلى بناء وعى موثوق لدى المشاركين، وتمكينهم من تناول القضية الفلسطينية كمسألة دينية وإنسانية ووطنية، وتعزيز خطاب رشيد يعكس الموقف الشرعى الصحيح ويقوى الجبهة المعرفية للمجتمع تجاه هذه القضية المصيرية.
ــــ دار الإفتاء تلعب دورا فعالا فى ترسيخ مفهوم التيسير فى الزواج والحض عليه بما يتوافق مع مقاصد الشريعة الإسلامية وواقع المجتمع المصرى، استنادا إلى النصوص الشرعية والأحاديث النبوية التى تشدد على تسهيل أمر الزواج وتقليل العوائق، والسنة النبوية دعت إلى تيسير الزواج عند الاستطاعة، والمغالاة فى المهور والتكاليف التى تعيق الزواج تعد مخالفة لهدى الشرع وتتنافى مع الغرض الأصيل من الزواج، والدار تتصدى لهذه الظواهر عبر الفتوى والتوعية.
وعلى مستوى التطبيق العملى، توسع الدار من خلال مركز الإرشاد الزواجى العمل على تقديم حلول فقهية واجتماعية متوازنة تعزز استقرار الأسرة وحمايتها من التفكك، بما يتوافق مع الواقع الاجتماعى دون التفريط فى الضوابط الشرعية، كما تنشر إصدارات توعوية مثل دليل الأسرة فى الإسلام، وتكثف التواصل عبر منصاتها الرسمية لنشر الوعى الدينى الصحيح، بما يدعم خطاب الوسطية ويحد من المغالاة فى العادات الاجتماعية التى قد تثقل كاهل الشباب وتؤدى إلى ارتفاع نسب الطلاق أو تأخير الزواج.
ــــ من الممكن التفكير فى وثيقة توجيهية أو إطار إرشادى يحد من ظواهر المغالاة فى المهور، بما يحقق التوازن بين الحرية الشخصية وضوابط الشرع، لتقديم نموذج ثقافى واجتماعى متوافق مع مقاصد الشريعة يحافظ على كرامة الأسرة ويسهل الزواج دون أن يفرط فى الحقوق أو المسئوليات الشرعية.
ـــــ ندرك أن الذكاء الاصطناعى فى الاستفتاء يمثل فرصة كبيرة، لكنه أيضا يحمل مخاطر فقهية حقيقية إذا لم تراع المرجعية الشرعية الدقيقة، لذلك تضع دار الإفتاء معايير واضحة لتغذية هذه النماذج بالمعلومات الشرعية الصحيحة، بحيث تعتمد على المصادر الموثوقة من القرآن والسنة، وفتاوى دار الإفتاء الرسمية، واجتهادات كبار العلماء، مع التأكيد الدائم على إشراف البشرى على كل ما ينتج من مخرجات، ونحرص على وضع ضوابط وأطر أخلاقية صارمة تمنع إساءة استخدام هذه التقنيات، ونعمل على تدريب الباحثين والمفتين على كيفية التعامل مع الذكاء الاصطناعى كأداة مساعدة لا بد أن تخضع للمراجعة الشرعية الدقيقة.
ــــــ تعمل الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم على مواجهة التحديات المستجدة فى الدول الأعضاء من خلال تأسيس منظومة عمل إفتائى متعدد الأبعاد يواكب الواقع المتغير ويصون الثوابت الشرعية، عبر تنسيق واسع بين مؤسسات الفتوى الوطنية والإقليمية والدولية، وقد جسدت هذه الجهود فى الندوة الدولية الثانية التى نظمتها الأمانة تحت عنوان «الفتوى وقضايا الواقع الإنسانى: نحو اجتهاد رشيد يواكب التحديات المعاصرة»، حيث ناقش العلماء والمفتون من مختلف الدول قضايا إنسانية واجتماعية معاصرة مثل الفقر والصحة والتعليم والغزو الثقافى.
كما تعكس التوصيات الصادرة عن المؤتمر الدولى العاشر للأمانة العامة حرصها على مواجهة التحديات الكبرى التى تواجه الدول الأعضاء، من خلال الدعوة إلى تبنى أطر فقهية وأخلاقية واضحة فى التعامل مع الفتاوى الرقمية، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الإفتائية لحماية المجتمعات من الفتاوى المغلوطة، ووضع ضوابط لاستخدام الذكاء الاصطناعى فى العمل الإفتائى، وتشمل جهود الأمانة أيضا تعزيز الشراكة الدولية، ومنها حصولها على صفة الشراكة الدائمة مع منظمة الأمم المتحدة لتحالف الحضارات، لتعزيز الحوار والتفاهم بين الثقافات والأديان المختلفة، وبناء شبكات تعاون دولية قوية لمواجهة الأفكار المتطرفة والأزمات الاجتماعية والفكرية التى تشهدها الدول الأعضاء فى العالم.
ــــــ الكفر شرعا هو إنكار ما علم ضرورة أنه من الدين، كإنكار وجود الخالق أو النبوة أو المحرمات القطعية كالزنا.
والتكفير حكم بالغ الخطورة يلزمه «اليقين والإثبات»، وقد حذر النبى ﷺ من التسرع فيه قائلا: «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما».
كما أن الإسلام يدعو إلى التماس الأعذار للآخرين والبعد عن الظنون السيئة، والجهل، والخطأ، والإكراه، وسوء التأويل من الموانع التى تحول دون الحكم بالكفر على الشخص، والتسرع فى إطلاق أحكام التكفير قد يكون مدفوعًا بالهوى الشخصى أو الإعجاب بالرأى، مما يؤدى إلى فساد فى الأرض واستباحة النفوس.
لا شك أن إطلاق حكم التكفير بلا ضوابط شرعية يترتب عليه نتائج خطيرة، مثل منع الميراث والزواج، واستباحة الدماء، وحرمان الشخص من الدفن فى مقابر المسلمين، وهو أمر شديد الخطورة يتطلب حذرا بالغا من الأفراد والمؤسسات، والحكم بالتكفير ليس من صلاحيات الأفراد، وإنما مسئولية الجهات المختصة مثل القضاء والمؤسسات الدينية الرسمية، مع ضرورة أن تضطلع هذه الجهات بتحرير المصطلحات ووضعها فى سياقاتها الشرعية الصحيحة.
ـــــ تهتم دار الإفتاء بتعزيز العقيدة الأشعرية؛ لأنها تمثل منهجًا راسخًا فى توضيح عقيدة أهل السنة والجماعة.
وقد كان المنهج الأشعرى عبر التاريخ إطارًا منهجيًا لحفظ أصول الاعتقاد وصيانتها من الانحراف أو الغلو، وأوضحت الدار فى أكثر من فتوى أن الأشاعرة هم جمهور علماء الأمة الذين تصدوا لبيان العقيدة بالحجج العقلية والنقلية، وأن نسبتهم إلى الخروج عن أهل السنة دعوى باطلة تخالف الإجماع التاريخى والعلمى.
وفى ظل ما يشهده الواقع المعاصر من بروز تيارات متشددة أو قراءات حرفية تنتج اضطرابًا فكريًا، تبرز أهمية إعادة طرح هذا المنهج بوصفه نموذجًا فى التوازن بين النص والعقل، وقادرًا على مواجهة الشبهات الفكرية المعاصرة بمنهج علمى رصين يعزز الاستقرار الفكرى ويحفظ وحدة الصف.
وانعكس هذا التوجه فى خطابنا العلمى والمحتوى التوعوى الذى تقدمه الدار، سواء عبر الفتاوى المنشورة أو البيانات الرسمية أو المشاركات العلمية لعلماء الدار؛ حيث يجرى التأكيد على مرجعية المنهج الوسطى الذى استقر عليه علماء الأمة، وفى مقدمتهم المدرسة الأشعرية فى العقيدة، إلى جانب المذاهب الفقهية المعتبرة والتصوف السنى المنضبط.
كما تحرص الدار، من خلال منصاتها الرقمية وإصداراتها العلمية، على تصحيح المفاهيم المتعلقة بعلم الكلام وبيان مكانته، تأكيدًا لدورها فى دعم الأمن الفكرى وترسيخ الهوية الدينية الوسطية التى تمثل أحد ثوابت الخطاب الإفتائى الرسمى.
ـــــ عبارة «الأزهر لا يُكفر أهل القبلة» ليست شعارًا إعلاميًا، وإنما تعبير عن أصل عقدى راسخ استقر عليه منهج أهل السنة والجماعة عبر القرون، ومفاده أن المسلم الذى ثبت إسلامه بيقين لا يخرج منه إلا بيقين مثله، وأن باب التكفير باب منضبط بضوابط صارمة، لا يُفتح لمجرد خلاف فقهى أو تأويل عقدى.
ومفهوم «أهل القبلة» معيار جامع يحفظ وحدة الأمة، ويغلق الطريق أمام دعاوى الإقصاء والتفسيق والتكفير التى عانت منها المجتمعات فى فترات الاضطراب.
أما «أهل القبلة» فى الاصطلاح الشرعى فهم كل من انتسب إلى الإسلام نطقًا بالشهادتين، واستقبل الكعبة فى صلاته، ولم يُنكر معلومًا من الدين بالضرورة؛ استنادًا إلى الحديث النبوى الشريف: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم».
ومن ثم فإن هذا الوصف يشمل عموم المسلمين بمذاهبهم الفقهية واتجاهاتهم الكلامية ما داموا داخل دائرة الإسلام.
ـــــ البدعة شرعا ليست كل مستحدث، بل هى ما أُحدث على خلاف أصول الشريعة ومقاصدها، دون أن يكون له أصل معتبر فى الشرع، أما الوسائل الجديدة التى تحقق مصلحة معتبرة وتندرج تحت أصل عام، فلا تدخل فى «البدعة المذمومة»، وقد بينت الدار فى غير موضع أن تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة هو من باب النظر الفقهى المقاصدى الذى يراعى طبيعة الفعل وآثاره، لا مجرد كونه جديدا.
وفى المقابل، تفرق الدار بين «المغالاة» و«تعظيم الشعائر» تفريقا دقيقا؛ فتعظيم شعائر الله أصل قرآنى مشروع، يقوم على إظهار الاحترام للشعائر والاحتفاء بها بما يعكس محبة الله ورسوله، فى حدود ما أقرته الشريعة.
أما المغالاة فهى مجاوزة الحد المشروع، سواء بإدخال ما ليس من الدين فى الدين، أو بتحويل الشعائر إلى ممارسات تفضى إلى الحرج أو التنازع أو الادعاء بما لا أصل له، ومن ثم فالمعيار الفاصل هو موافقة الفعل لأصول الشريعة ومقاصدها، وانتفاء الاعتقاد الفاسد أو الادعاء التعبدى غير المستند إلى دليل.
وفى تنزيل هذه الضوابط على الواقع المصرى، نؤكد أن العادات الاجتماعية المرتبطة بالمواسم الدينية كصور الاحتفاء أو مظاهر الفرح، تنظر إليها من زاوية الحكم الشرعى العام، فإن كانت خالية من المخالفات الشرعية، ومعبرة عن الفرح المشروع، ومحققة للتآلف الاجتماعى، فإنها تعد من قبيل العادات المباحة أو المستحبة بحسب قصدها وأثرها، أما إن اقترنت بمخالفة شرعية أو اعتقاد غير صحيح، فينبه عليها ويصحح مسارها دون تهوين من أصل الشعيرة أو تجريح للمجتمع.
المصدر:
الشروق