استيقظت قرية شبرابابل التابعة لمركز المحلة الكبرى بمحافظة الغربية، على صرخة مكتومة سافرت إليها من ضجيج منطقة إمبابة بالجيزة؛ لتعلن رحيل ثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم ما بين 3 إلى 10 سنوات في فاجعة هزت القلوب.
في إحدى شقق منطقة إمبابة، غادرت الأم المنزل لدقائق معدودة لتدبير مستلزمات بسيطة لصغارها، تاركة خلفها "ليلى" (10 سنوات)، و"زين" (7 سنوات)، والصغير "يونس" (3 سنوات)؛ لم تكن تعلم أن ماساً كهربائياً في شاحن الهاتف سيشعل حريقاً لن يقوى الأطفال على إخماده أو الفرار منه.
عادت الأم لتجد الدخان يتصاعد من المنزل، لم تسأل عن جدران أو أثاث، بل صرخت بأسماء صغارها، لكنها صدمت برحيل "ليلى" التي بدأت تشتد قامتها، و"زين" الذي كان يملأ البيت حركة، و"يونس" الذي لم يرتوِ بعد من حنانها.
أما الأب، محمد أحمد عبد الله، المحامي الذي اعتاد المرافعة عن حقوق الناس، وجد نفسه يقف عاجزاً أمام "حكم القدر" في أعز ما يملك؛ إذ وصفه شهود عيان من جيرانه بإمبابة بأنه تحول إلى جسد بلا روح، وعيناه لا تغادر صناديق خشبية صغيرة تحمل بداخلها أبنائه الثلاثة.
وكتب الأب تدوينة على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، قال فيها: الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، انتقل الى جوار ربهم احباب الرحمن و عرسان الجنان و الورد و الفل والريحان، أميرة قلبي و ملكتي الجميلة ليلى محمد عبدالله، و توأم روحي والقلب الحنون زین محمد عبدالله، و صديقي الصدوق اجمل ضحكة في الدنيا يونس محمد عبدالله، آن لكم الآن أن ترتاحو من هذه الدنيا الظالمه، آن لكم الآن أن تلاعبكم الملائكه، لا حزن لكم يا مهجة الفؤاد بعد اليوم، ولكن حزني عليكم ابد الدهر، سامحوني ان قصرت في حقكم.. ليا طلب عندكم اشفعولي عند ربكم فأنا لم أشبع منكم في الدنيا وأسألكم بالله أن تشفعولي عسانا نلتقي في الجنه بلا فراق ابدا، وإنا لله و إنا إليه راجعون".
وفي قرية شبرابابل، اصطف الأهالي والحزن يكسو وجوههم على مداخل القرية؛ حيث وقف الرجال بملابس العمل يبكون في صمت، بينما اتشحت النساء بالسواد وتجمعن حول منزل الجد والعم، فالكل يتحدث عن الصغار ليس كأبناء للمحامي محمد عبد الله فحسب، بل كأبناء للقرية كلها.
ومع اقتراب صلاة المغرب، تهيأ "الجامع الكبير" لاستقبال جثامين الصغار؛ غابت الكلمات ولم يبقَ على ألسنة المشيعين سوى "إنا لله وإنا إليه راجعون"، وسط دعوات تنبض بالرجاء بأن يربط الله على قلب الأم المكلومة والأب الذي فقد سنده وفرحة عمره في غمضة عين.
وكانت الأجهزة الأمنية في محافظة الجيزة، تلقت بلاغًا يفيد بنشوب حريق داخل إحدى الشقق السكنية بدائرة قسم شرطة إمبابة وسقوط ضحايا، وتحركت قوات الشرطة والحماية المدنية إلى مكان البلاغ، وتبين أن الحريق اندلع نتيجة ماس كهربائي في شاحن هاتف محمول، ما أدى إلى اشتعال النيران داخل الشقة وامتداد الأدخنة الكثيفة في أرجائها.
بدورها، تمكنت قوات الحماية المدنية من السيطرة على الحريق ومنع امتداد النيران إلى الشقق المجاورة، فيما جرى نقل جثامين الأطفال إلى المستشفى تحت تصرف النيابة العامة، وقررت انتداب الطب الشرعي لتشريح الجثامين لبيان سبب الوفاة والتصريح بالدفن عقب الانتهاء من الإجراءات القانونية.
المصدر:
مصراوي