آخر الأخبار

فى الذكرى المئوية لميلاده.. ما سر اختلاف يوسف شاهين واستمرار حضوره؟

شارك

- يسرا: سابق عصره ولم يستطع أحد من تلاميذه الوصول لدقة تفاصيله
- طارق الشناوى: حريته المالية أكسبته حرية كسر بها كل التابوهات
- أمير رمسيس: كان قادرا على صناعة أفلام بقيمة بصرية عالية وفى ذات الوقت بميزانيات محدودة
- عصام زكريا: نجاح شاهين الحقيقى فى خوض مغامرات غير مأمونة العواقب
- صفاء الليثى: امتلاكه شركة إنتاجه الخاصة حررته من قيود السوق
- ماجدة موريس: كان يرصد زمنًا كاملًا وتحولات مجتمع بعينه داخل سياق أوسع للهوية

اليوم تحل الذكرى المئوية لميلاد المخرج السينمائى يوسف شاهين الذى لم يكن مجرد مخرج مميز بأعماله، بل كان أحد أبرز الرواد الذين أسسوا مدرسة سينمائية جمعت ما بين الواقعية والاجتماعية والجرأة والتمرد والمشاغبة السياسية، والتى استطاع من خلالها أن يصنع حالة فنية وإنسانية اسثنائية، وتميزت أعماله بالعمق والتجريب.

وفى هذه الذكرى طرحت «الشروق» تساؤلًا حول سر اختلافه واستمرار حضوره.
وفى السطور التالية يجيب عدد من الفنانين والنُقّاد عن هذا السؤال، ويفندون أبرز الأعمال فى مسيرته الفنية من وجهة نظرهم.

فى البداية وصفت الفنانة يسرا المخرج يوسف شاهين بالقول: «سابق عصره ولن يتكرر مرة أخرى»، مضيفة: «لم يستطع أحد من تلاميذه أن يصل لرؤيته المستقبلية فى كل تفاصيل العمل الفنى وبهذا القدر من الكفاءة، فكأن عينه كانت مُدرّبة ببراعة على التقاط الكادر الغنى بكل تفاصيله، وعلى الرغم من تعلم كثيرين الإخراج منه، فإن حماسته لتقديم رؤى مستقبلية مختلفة هو ما متعه بخصوصية فريدة».

وأكدت يسرا أن تجربتها معه كانت ممتعة ومُلهمة، لأنه كان يقدم سينما حقيقية قائمة على الإخراج الواعى وبناء فنى برؤية واضحة لا تقبل العشوائية، فضلًا عن دقته فى الكتابة التى وصلت لحد كتابة عشرات النسخ من المعالجات الفنية الى أن يستقر على الشكل النهائى، فكل هذه التفاصيل حفرت اسمه فى الذاكرة الفنية والثقافية.

فيما قال الناقد طارق الشناوى "يوسف شاهين من المخرجين الذين قرروا أن يرسموا طريقهم بأنفسهم، فكما أخبرنى من قبل أن هناك أفلام لم يكن يرضى عنها , وأدرك مبكرًا أن المشكلة الحتمية تكمن فى الإنتاج والتمويل، فقرر أن يكون منتجًا ليملك قراره، وأنتج أفلامًا مع دول عربية مثل الجزائر ومع مؤسسات فرنسية، ليحرر نفسه من قيود المنتج المحلى أو الدولة، وكان تكوينه الفكرى ضد فكرة "النجم"، فى وقت كان هناك جزء كبير من مأزق السينما المصرية انها سينما النجوم، ولكنه كان يتعامل مع النجم باعتباره ممثل فقط فى عمل فنى أكبر".

وأضاف "كان يتمتع بقدر كبير من الجرأة فى الكلام والتعبير عن رأيه، ويطلق للسانه العنان فى أى تجمع حتى لو كان فيه شخصيات مسؤولة، فكان يكسر التابوه بكلمات قد تكون خارجة عن النص، وقد امتلك شاهين قدرًا من الحرية الشخصية وحرية التفكير لأنه كان ينتج لنفسه بفضل السيولة المادية من علاقاته بشركات أجنبية".

وقال الشناوى إنه يحب من أفلام شاهين «المصير وعودة الابن الضال، وكذلك فيلم أنت حبيبى رغم أنه لم يحبه كثيرًا، فالفيلم الأخير تميز بخفة ظل وتلقائية، وقدم فريد الأطرش وشادية بشكل مختلف عن السائد»، وأضاف: «سأتوقف عند فيلم باب الحديد لأن تقمص شاهين لشخصية قناوى كان مذهلًا رغم أنه ليس ممثلًا مُحترفًا، ما جعل الشخصية تنجح وتخلد فى التاريخ»، مؤكدًا شاهين حتى اللحظات الأخيرة من حياته، كان يخطط لمشروعه القادم «الشارع لنا»، وهو يعانى من مشاكل صحية فى الحركة والنظر والتنفس، فكان متمسكًا بالحلم للنهاية.

وعلى الرغم من وصف الشناوى شاهين بأنه حالة مختلفة، فإنه قال عنه: «لم يكن يمتلك عمقًا فكريًا ولا وعيًا سياسيًا بل كان لديه سطحية فى جزء من أفكاره، لكنه استطاع أن يُصدّر للناس أنه عميق، وأن العيب لديهم فيما لم يفهمونه فى أفلامه».

بينما أكد المخرج أمير رمسيس أن جوهر تجربة يوسف شاهين يكمن فى قدرته الفريدة على صناعة أفلام ذات قيمة بصرية وإنتاجية عالية بإمكانات كانت محدودة أحيانًا، ويشير إلى أن أفلامه كانت تظهر على الشاشة بمستوى يفوق ميزانيتها الحقيقية، والتى غالبًا لا تتجاوز ربع أو ثلث ما تتطلبه مثل هذه الأعمال الضخمة، وكشف رمسيس عن سر هذه الخلطة بالقول: «جودة أفلامه تكمن فى التحضير الدقيق لشهور، فلا يدخل موقع التصوير إلا وهو يعرف مسبقًا كل تفصيلة بدقة وفهمًا عميقًا للغة السينما القائمة على مبدأ تكثيف الصورة، ففى فيلم الناصر صلاح الدين، الذى يُنظر إليه كأعلى ميزانية فى تاريخ السينما المصرية، لو كان تم إنتاجه بالمنطق التقليدى السائد، لتكلف أضعاف ما أُنفِق عليه فعليًا، وهذا يؤكد لنا أن شاهين له قدرة استثنائية على التنظيم والتخطيط المسبق، وينطبق الأمر نفسه على أفلام ملحمية أخرى مثل «المهاجر» و«المصير».

وعن تجربته الشخصية مع المخرج يوسف شاهين فقد وصفها بالقول: «بمثابة الالتحاق بمدرسة سينمائية متكاملة الأركان»، مستطردًا: «عملت كمساعد مخرج فى أفلام سكوت حنصور، و11 سبتمبر، وإسكندرية نيويورك»، وتعلمت منه التحضير الصارم والدراسة التفصيلية قبل بدء التصوير، إلى جانب الاستمتاع بصناعة الفيلم أثناء تصويره، لأن مبدأه كان أن العمل بعد عرضه يصبح ملكًا للجمهور وحده، وهذ الخبرة انعكست لاحقًا على طريقتى لكل تفاصيل العمل الفنى».

ويرى رمسيس أن سر اختلاف شاهين واستمراره هى قدرته على كسر الحاجز بين السينما ذات الطموح الفنى والسينما القريبة من الجمهور، فكان يصنع أفلامًا شديدة الذاتية، محمّلة بهاجسه الشخصى، مستخدمًا فى الوقت نفسه أدوات السينما الجماهيرية الجذابة، ليجعل أفكاره المعقدة تصل إلى قطاع عريض من الناس، فضلًا عن تأثره بالمسرح الموسيقى والكوميديا الغنائية الأمريكية، فهذه الخصوصية حولت أفلامه لأيقونية".

ويرى الناقد عصام زكريا أن الحديث عن اختلاف يوسف شاهين لا ينبغى أن يُفهم بوصفه قطيعة مع السينما المصرية وتقاليدها، بل بالعكس كان ابنًا أصيلًا لهذه السينما تشبّع بتقاليدها وعمل داخل منظومتها الصناعية فى عصرها الذهبى، مؤكدًا أن تميّز شاهين الحقيقى بدأ حين رفض الاكتفاء بذلك النجاح التقليدى والمضمون، وعدم اعترافه ب"المنطقة الآمنة"، فكان لديه دافع دائم للتغيير والتجريب وخوض مغامرات فنية جديدة وغير مأمونة العواقب.

وأضاف زكريا "شاهين لا يمكن اختزاله فى فيلم أو مشهد، فمسيرته قائمة على مراحل واضحة ومحطات حاسمة، أولها «باب الحديد»، الذى يعد قفزة مختلفة فى البناء النفسى والشكل السينمائى، وكذلك «العصفور» الذى شكّل لحظة اشتباك سياسى مباشر وجرىء مع الواقع بعد النكسة، وفيلم «إسكندرية ليه؟» الذى دشّن مرحلة السيرة الذاتية بوصفها مدخلًا لقراءة التاريخ والهوية بشكل مغاير، أما فيلم الأرض، الذى لا يعتبر فيلمًا واقعيًا تقليديًا من حيث الشكل، لكنه مثّل نهاية مرحلة وبداية انتقال، ثم جاءت مرحلة جديدة من حياته، منها «المهاجر» و«المصير»، حيث حاول شاهين أن يصنع أفلامًا أكثر شعبية فى ظاهرها، لكنها مشحونة بأسئلة عميقة، أما «الابن الضال» فيعبّر بوضوح عن جوهر اختلاف شاهين، وتحديدًا مشهد التنحى الشهير، فهو لحظة سينمائية مكثفة تتقاطع فيها السياسة بالتعبير الفنى، وتكشف قدرة شاهين على تحويل الحدث العام إلى فعل سينمائى مؤثر.

أما الناقدة صفاء الليثى فأكدت أن شاهين لم يكن مختلفًا بالمعنى التقليدى وإنما كان جزءًا من جيل كان قمة السينما المصرية، وهم: صلاح أبوسيف وهنرى بركات وكمال الشيخ، الذين شكّلوا العمود الفقرى للسينما فى ذروتها، ولكن ما ميزه عن أقرانه هو امتلاكه شركته الخاصة، ووفرت له قدرًا نادرًا من الحرية والاستقلالية وتنفيذ رؤيته السينمائية دون الخضوع لشروط إنتاجية يفرضها السوق، وهو ما ضمن استمرار أفلامه بعد رحيله، من حيث الترميم وإعادة العرض، والحفاظ على حضوره فى الذاكرة الثقافية.

مؤكدة فى الوقت ذاته أن استمرار حضوره ليس بسبب شركة إنتاجه فقط، بل أيضًا بطبيعته كمخرج مجدّد، فقد امتلك نزعة تجريبية واضحة منحت أفلامه قدرة على العبور الزمنى، وجعل الشباب يتعاملون معها بوصفها أفلامًا معاصرة.

واستكملت «عودة الابن الضال» هو العمل الأكثر تعبيرًا عن جوهر تجربة يوسف شاهين، فهو يحمل توازن نادر بين الرؤية السياسية والتجديد الفنى، حيث قدّم قراءة رمزية لما شهده المجتمع المصرى، بأدوات فنية غير تقليدية، وعلى رأسها توظيف الغناء لا استعراضًا منفصلًا، والمشهد الأبرز فيه مشهد سهير المرشدى وهى تنتظر عودة الحبيب خلف الستارة، الذى يُعد من العلامات الفارقة فى تاريخ السينما المصرية.

فيما ترى الناقدة ماجدة موريس أن يوسف شاهين كان مختلفًا عن باقى جيله، وهذا سر بقائه، وتميزه يتجلى فى مشاريعه السينمائية الكبرى التى يصعب تكرارها حتى اليوم، مشيرة إلى أن أفلامه التاريخية والفكرية، وعلى رأسها «الناصر صلاح الدين»، ثم «المصير»، فضلًا عن رباعيته الشهيرة «إسكندرية ليه» و«حدوتة مصرية» و«إسكندرية كمان وكمان» و«إسكندرية - نيويورك»، فم يكن يحكى عن عائلته فقط، بل كان يرصد زمنًا كاملًا وتحولات مجتمع بعينه داخل سياق أوسع للهوية والتاريخ والسياسة، فقد كان صاحب مشروع فكرى واضح، وناقش فى أفلامه الصراع الأزلى بين الفكر المستنير والتطرف، وهى قضايا سبقت زمنها فى كثير بطرحها الجرىء، كذلك فيلم المصير الذى يعتبر من الأفلام المبكرة التى ناقشت بجرأة العلاقة بين التنوير والتشدد.

وأضافت موريس: «أما «الأرض» فهو فى رأيى من أعظم الأفلام فى تاريخ السينما محليًّا وعالميًّا، حيث يُجسِّد معنى الأرض بوصفها العرض والهوية والكنز الذى لا يمكن التفريط فيه بأى ثمن، إلى جانب التحول الجذرى الذى حققه الفيلم فى صورة محمود المليجى، الذى انتقل من أدوار الشر إلى قمة الأداء الإنسانى».

الشروق المصدر: الشروق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا