دوّى صوت حاجب المحكمة داخل قاعة الدائرة الحادية عشرة بمحكمة جنايات أسيوط قائلاً: «محكمة»، ليقف الجميع احترامًا.. دخل رئيس المحكمة وأعضاء الهيئة القضائية وسجل حضور المتهمين ناصر عثمان جابر وعبد العال محمود عبد العال، المتهمين بقتل مساعد وزير الداخلية الأسبق اللواء محمد محسن بداري وزوجته هدى بداري داخل مسكنهما، والاستيلاء على مصوغاتهما وأموالهما، وإضرام النيران بالمنزل لإخفاء آثار الجريمة، وهي واقعة هزت الرأي العام وأسرت المجتمع المحلي في صدمة كبيرة.
وقف ممثل النيابة العامة، المستشار عمرو أبوسديرة، مرتديًا بدلته الرسمية، خطواته متزنة، وحضوره واضح، صوته ثابت وهادئ، بينما كانت عيناه تتابع المتهمين بحزم، وكانت حركته تعكس وقار المهنة وثقل المسؤولية.. فى جلسة يوم الخميس الماضي.. ثم خاطب المحكمة قائلاً: «سيدي الرئيس، حضرات المستشارين، الحضور الكريم.. نحن اليوم أمام جريمة تجاوزت حدود الانتهاك إلى انتهاك واضح لكل قيم الإنسانية والأمانة والثقة، جريمة لم تُرتكب في لحظة غضب عابرة، بل نفذت بعد تخطيط مسبق، ومراقبة دقيقة، وانتهاك صارخ لكل مبادئ الحياة والأمان».
استهل وكيل النيابة مرافعته مؤكّدًا أن الجريمة كانت مدبرة ومخطط لها منذ أيام، وأن المتهمين استغلوا معرفتهم السابقة بالمنزل والمجني عليهما لتنفيذ مخططهم الإجرامي، وقال: المتهم الأول، ناصر، كان عاملاً مألوفًا في منزل المجني عليه، يدخل ويخرج بحرية، فكان يعرف كل مداخل ومخارج المنزل، وأماكن المصوغات والنقود، لقد خان الأمانة التي وُكلت إليه، ثم استدعى شريكه عبد العال، المعروف بـ«سيد العفريت».. ليشارك في تنفيذ جريمة قتل بشعة، لم يسبق لها مثيل في المنطقة.
وأضاف: لقد دبر المتهمان الجريمة على مدى أيام، رصدا تحركات المجني عليه وزوجته، وتحققا من خلو المكان من المراقبة، وحددا الأوقات المناسبة للتنفيذ، وفي يوم 26 أكتوبر 2024، صعد المتهم الأول إلى الشقة بحجة العمل، بينما كان المتهم الثاني يختبئ خارج المنزل انتظارًا للإشارة، بمجرد دخولهم وقع الاعتداء على المجني عليه وزوجته بطريقة وحشية مستخدمين السلاح الأبيض والنار في محاولة لإخفاء الجريمة، لم تكتف الجريمة بالقتل بل تجاوزت ذلك إلى سرقة المصوغات والأموال وإشعال النار بالمنزل لإخفاء الأدلة، وهو ما يعكس مدى التخطيط المسبق والنية المبيتة لدى المتهمين، وقد تم نقل المسروقات وأدوات الجريمة إلى أماكن مختلفة لإخفائها، محاولين تضليل العدالة.. لكن يقظة أجهزة الأمن حالت دون الإفلات بالجناة.
وأكد ممثل النيابة أن التحقيقات وأقوال الشهود ونتائج الأدلة الجنائية أثبتت تورط المتهمين بالكامل، وأنهما اتفقا على تقسيم الأدوار، والتخلص من المسروقات وأدوات الجريمة، ثم الفرار من مكان الحادث، ولفت إلى أن الجريمة كانت مدروسة ومخطط لها بدقة، حيث استغل المتهمان معرفة كل تفاصيل المنزل وحركة السكان داخله، فكان المكان قد تحول إلى مسرح للدماء والفزع، بيت آمن تحوّل إلى مأساة.
واختتم وكيل النيابة مرافعته قائلاً: «نحن لا نحاكم مجرد متهمين بل نحاكم قسوة فكر بشري تخلى عن كل قيم الرحمة واستباح دماء بريئة في بيت آمن.. نطالب عدالتكم بالقصاص العادل لتكون عبرة لكل من تسول له نفسه الاعتداء على الإنسان وأمنه».
وعقب انتهاء النيابة من عرض مرافعتها خيّم صمت ثقيل على القاعة قبل أن تعود هيئة المحكمة للانعقاد.. وأصدرت المحكمة قرارها بإحالة أوراق المتهمين إلى فضيلة مفتي الجمهورية لأخذ الرأي الشرعي في إعدامهما، مع تحديد جلسة الثالث من مارس المقبل للنطق بالحكم، عند سماع القرار خفّض المتهمان رأسهما للحظات والتزما الصمت داخل القفص الزجاجي.. بينما خيّم الترقب على أرجاء القاعة.. ثم رفعت المحكمة الجلسة، وتم ترحيل المتهمين إلى محبسهما في انتظار الجلسة المقبلة، وسط متابعة واسعة من الرأي العام في قضية أثارت صدمة كبيرة في أسيوط.
المصدر:
الوطن