لم يكن "أحمد المسلماني" يعلم أن مصافحته الأخيرة ستكون لـ "يد الغدر"، وأن الرجل الذي ظن أنه جاء لينهي خلافاً قديماً، لم يكن يحمل في جيبه سوى نية القتل ومطواة حادة. فبينما كان هدوء الليل يلف مدينة رشيد، كانت كاميرات المراقبة توثق مشهداً سينمائياً مرعباً لتاجر ذهب شاب، سقط مدرجًا في دمائه أمام منزله، لتبدأ رحلة من الألم انتهت بصعود روحه إلى السماء، وبحكم قضائي اليوم يضع الجناة خلف القضبان لـ 15 عامًا.
في مساء أحد أيام يونيو، أنهى أحمد المسلماني يومه المعتاد داخل محل الذهب الذي يملكه، وهو شاب عُرف بين أهل رشيد بحسن السيرة والاستقامة، ولم يكن له عداوات سوى خلافات قانونية ظن أنها باتت خلفه. استقل سيارته عائدًا إلى منزله، وبرفقته صديقه أحمد السيد الديباني، دون أن يعلم أن هناك من ينتظره على بُعد خطوات من باب بيته.
عند وصوله، فوجئ بوجود شاب يعرفه جيدًا، هو فارس، العامل السابق لديه، والذي انتهت علاقتهما بخلافات وصلت إلى ساحات القضاء بعد اتهامه بسرقة مشغولات ذهبية. وبرغم كل ما حدث، لم يتردد أحمد في النزول من سيارته، مستجيبًا لطلب الحديث، في محاولة أخيرة لاحتواء الموقف.
مدّ أحمد يده لمصافحة من كان يومًا أحد العاملين لديه، في مشهد لم يستغرق سوى ثوانٍ، لكنها كانت كافية لقلب كل شيء. فجأة، تحولت اليد الأخرى إلى مطواة، وانهالت الطعنات على جسد تاجر الذهب، بينما ظهر شريك ثانٍ للمتهم، هاجم المجني عليه من الجهة الأخرى، في اعتداء مباغت لا يترك فرصة للنجاة.
حاول صديقه أحمد الديباني التدخل لإنقاذه، لكنه لم يسلم من الضربات، ليسقط هو الآخر مصابًا، وسط صرخات اخترقت هدوء المكان، قبل أن يفر الجناة تاركين خلفهم جسدًا ينزف وحياة توشك على الرحيل.
تلقت الأجهزة الأمنية بمركز شرطة رشيد بلاغًا يفيد بتعرض شخصين لاعتداء بسلاح أبيض، وعلى الفور جرى نقلهما إلى مستشفى رشيد العام في حالة حرجة. وبالفحص، تبين أن المصاب الأول هو أحمد محمود المسلماني، تاجر ذهب معروف بمحافظتي البحيرة والإسكندرية، بينما المصاب الثاني صديقه الذي حاول الدفاع عنه.
التحريات كشفت أن المتهم الرئيسي فارس.ع.م (19 عامًا – طالب)، استعان بصديقه سيف الدين.أ (18 عامًا)، وتربصا بالمجني عليه أمام منزله، بعد اتفاق مسبق على تنفيذ الاعتداء.
ما منح القضية زخمًا واسعًا، أن كاميرات المراقبة المحيطة بمكان الواقعة وثقت لحظة استيقاف السيارة، والمصافحة الخادعة، ثم الطعنات المتتالية، في تسجيلات صادمة جرى ضمها إلى ملف القضية، وكانت دليلًا حاسمًا أمام جهات التحقيق.
وأشار التقرير الطبي الخاص بالمجني عليه إلى إصابته بجروح قطعية عميقة بالذراع والرقبة والرأس، وقطع في أوردة رئيسية مع اشتباه في تمزق شريان، إضافة إلى إصابات بالغة في الوجه والأنف، بينما تعرض صديقه لجروح قطعية وسطحية في الذراع والصدر.
ورغم محاولات الأطباء إنقاذه، ظل أحمد المسلماني يصارع الموت داخل العناية المركزة، إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة متأثرًا بجراحه.
زوجة المجني عليه، نوال أحمد، لم تخفِ ألمها، ونشرت كلمات مؤثرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أكدت فيها أن ما جرى لم يكن مشاجرة، بل جريمة قتل متعمدة، مطالبة بالقصاص لزوجها وحق ابنها.
كما اتهم والد المجني عليه أسرة المتهم الرئيسي بالتحريض على الجريمة، وهو ما خضع للفحص والتحقيق من جانب النيابة العامة.
أحالت النيابة العامة المتهمين للمحاكمة الجنائية، مطالبة بتوقيع أقصى عقوبة، وبعد تداول القضية، قضت محكمة جنايات دمنهور – الدائرة السادسة، بالسجن المشدد 15 عامًا على المتهمين، وإلزامهما بدفع مليون جنيه تعويضًا مدنيًا مؤقتًا لأسرة المجني عليه.
اقرأ أيضًا:
دماء على الذهب.. القصة الكاملة للاعتداء على تاجر مصوغات أمام المارة بالبحيرة
المصدر:
مصراوي