ماذا تخبرنا أسرار الطيران عن أحداث طائرة “فلاي دبي”؟
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
حطّت الطائرة البديلة لشركة "فلاي دبي" في مطار بن غوريون بتل أبيب حاملة الركاب الذين عاشوا أحداثا دراماتيكية لتُسدل الستار على رحلة حبست أنفاس الملاحة الجوية في المنطقة.
لكن قبل هذا الوصول بساعات، ترقبت وسائل الإعلام العالمية ومنصات رصد الطيران فصولا غير مسبوقة لرحلة طائرة " بوينغ 737 ماكس 8″ الأصلية، بعدما تحولت قمرة قيادتها إلى ساحة للعراك بأدوات حادة بين قائد الطائرة ومساعده، مما أدى إلى انحدار عمودي حاد هوت خلاله الطائرة آلاف الأقدام نحو الأرض في ثوانٍ معدودة، قبل أن يتم تحييد المنفذ وتحويل مسارها للهبوط اضطراريا في مطار تبوك.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 موعد مباراة الإمارات ضد عُمان في نصف النهائي خليجي 27
* list 2 of 2 السعودية بالعلامة الكاملة وعُمان من بوابة القرعة.. حصاد دور المجموعات في خليجي 27 end of list
وتثير هذه الواقعة أسئلة كثيرة حول ما جرى في الكواليس: كيف نجت الطائرة من كارثة حتمية على الصعيدين الفني والتقني؟ وما الثغرات والبروتوكولات الأمنية التي سمحت باختراق الكابينة واستعادة السيطرة؟ وكيف تمكن الطاقم من الهبوط بأمان رغم الأضرار المادية التي لحقت بأسطح التوجيه؟
ويفكك هذا التقرير التفاصيل الفنية للأحداث مستشهدا بحوادث طيران سابقة، وكاشفا أسرار اللحظات الحرجة بين ديناميكا الهواء وقوانين السلامة الصارمة.
لغز 29 ثانية والسقوط الحر
أظهرت بيانات الرادار أن الطائرة شهدت ما يشبه "السقوط الحر المنضبط"؛ فبين توقيتي (08:22:07 و08:22:36) صباحا، هوت الطائرة من ارتفاع أكثر من 30 ألف قدم إلى نحو 16 ألف قدم، فاقدةً أكثر من 14 ألف قدم خلال 29 ثانية فقط، بمعدل انحدار تجاوز 29 ألف قدم في الدقيقة.
ويوضح خبير الطيران المدني المهندس أسامة محمد أن معدلات الهبوط الاضطراري الطبيعية لا تتجاوز 4 آلاف قدم/دقيقة تجنبا لتفكك الهيكل بفعل قوى الضغط الهوائي، مؤكدا أن ما جرى كان "غوصا حادا متعمدا" بمقدمة الطائرة نحو الأرض بسرعة عمودية ناهزت 535 كيلومترا في الساعة.
ويبيّن خبير الطيران المدني -في تصريحاته للجزيرة نت- أن هذه المناورة تطلبت فصلا يدويا كاملا لنظام الطيار الآلي (Autopilot) ودفع مقبض التحكم للأمام بأقصى قوة. وبحسب قراءته، فإن الهدف لم يكن التوجه نحو هدف أرضي محدد نظرا لبُعد الطائرة الشاسع جغرافيا عن وجهتها، بل إسقاط الطائرة وتحطيمها في أقصر زمن ممكن في ظل الصراع المستعر داخل الكابينة.
الكابينة المحصنة.. كيف فُتح الباب المغلق؟
منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، أصبحت أبواب مقصورات الطائرات حصونا مصفحة ضد الرصاص والاقتحام ولا تُفتح إلا بقرار من القائد في الداخل، لكن حادثة طائرة "جيرمان وينغز" عام 2015 فرضت تعديلات تقنية تتيح التدخل عند استعصاء الداخل، ويجملها خبير الطيران المدني في:
* كود الطوارئ الخارجي يدخل طاقم الضيافة رمزا سريا في لوحة رقمية عند الطوارئ، لتبدأ الكابينة عدًّا تنازليا أوتوماتيكيا (لنحو دقيقتين) يُفتح بعده القفل تلقائيا، ما لم يلغه الطيار من الداخل يدويا.
* قاعدة الوجود الثنائي تحظر بقاء أي طيار منفردا في قمرة القيادة؛ فإذا غادر أحدهما يدخل أحد أفراد الضيافة بديلا مؤقتا لحين عودته.
ويرى المهندس محمد أن انحدار الطائرة المفاجئ دفع الطاقم الخارجي فورا لتفعيل كود الطوارئ، في حين عجز مساعد الطيار المنفذ عن إبطال العد التنازلي بسبب انشغاله بالعراك العنيف مع قائد الرحلة، وهو ما سمح بكسر عزلة القمرة في التوقيت الحاسم.
الطيار الخفي.. من أنقذ الرحلة؟
ترجح المعطيات الميدانية وتحديدا حجم الدماء والإصابات البالغة في كابينة القيادة أن السيطرة على المنفذ تمت بتدخل عناصر مدربة من "حراس الجو" الذين يرافقون مثل هذه الرحلات الحساسة، مستخدمين القوة المسلحة الحازمة لتحييد الخطر، حسب خبير الطيران المدني.
ويضيف المتحدث نفسه أن عامل الحسم التقني تمثل في وجود طيارين مسافرين كركاب عاديين ضمن ما يُعرف بـ"طاقم الترحيل الملاحي"، ويبين محمد أن أحد هؤلاء الطيارين -وهو خبير متمرس على طراز بوينغ 737 ماكس- تسلم مقاليد القيادة فور تحييد المنفذ، وتمكن من كبح زاوية الهبوط الحاد، وأعاد تشغيل أجهزة الاتصال والملاحة، والتنسيق المباشر مع المراقبة الأرضية.
صراع أكواد الاستغاثة
ورصدت منصات التتبع تنازعا ملاحيا على جهاز الاستجابة اللاسلكي (Transponder)؛ حيث أرسلت الطائرة في البداية رمز الطوارئ العام (7700)، ثم تحول للحظات إلى الرمز (7500) الذي يعني "عملية اختطاف وتدخل غير مشروع"، قبل أن يعود للرمز العام.
وجسّد هذا التناوب -حسب تصريحات خبير الطيران المدني- صراع السيطرة على أجهزة التحكم في الكابينة. وعقب استقرار القيادة للربان البديل، فُعّلت بروتوكولات الملاحة الدولية المنبثقة عن معاهدة شيكاغو، حيث تلاشت الاعتبارات السياسية ومُنحت الطائرة أولوية قصوى للهبوط الفوري في مطار تبوك، باعتباره أقرب مدرج قادر على استيعاب الحالة.
ملاحة بأجنحة جريحة
وكشفت الصور الميدانية في مطار تبوك عن مفارقة فنية لافتة فسرها المهندس أسامة محمد استنادا إلى وقائع الهبوط؛ فقد أدى الهبوط الانحداري العنيف إلى تلف في زعانف التوجيه بـ"ذيل الطائرة"؛ جراء تحطم المشغلات الهيدروليكية والميكانيكية تحت وطأة الضغط الهوائي الكبير وتجاوز حدود السرعة الآمنة لأسطح التحكم.
ورغم هذه الأضرار المادية لم تلجأ الطائرة إلى سيناريو "الإخلاء الاضطراري الحرج" المتبع عادة بالتوقف المفاجئ فوق المدرج وفتح أبواب الطوارئ ونشر الزلاقات المطاطية، بل هبطت بسلاسة، واستخدمت المكابح بانتظام، وأجرت عملية تدريج وسير اعتيادية عبر الممرات حتى وصلت إلى "المنطقة الأمنية المعزولة" المخصصة للطائرات المشتبه فيها أمنيا، وهناك فُتحت الأبواب بالطريقة الاعتيادية ونزل الركاب عبر السلالم الأرضية.
ويجزم خبير الطيران بأن هذه التفاصيل تؤكد إحكام السيطرة الأمنية التامة داخل الطائرة قبل الهبوط بوقت كافٍ، وتبرهن على أن من قاد الطائرة كان متمرسا على الطراز ذاته، واستطاع موازنة طائرة جريحة وأسطح تحكمها متضررة واستطاع إنزالها من دون انحراف.
وكان متحدث باسم شركة فلاي دبي صرح لشبكة سي إن إن بأن أحد أفراد طاقم الطائرة المتجهة إلى تل أبيب قام بتحويل مسارها وهبط بها في السعودية بعد اندلاع مشادة في قمرة القيادة فيما لم يتم تحديد الدافع بعد، مضيفا أنه تم تأمين الطائرة بنجاح من قبل طاقم فلاي دبي المناوب الذي كان مسافرا على متن الرحلة.
وذكر مراسل صحيفة جيروزاليم بوست أن 4 طيارين تابعين لشركة "فلاي دبي" كانوا على متن الطائرة عندما بدأ الهجوم داخل قمرة القيادة.
مصدر الصورة
الصناديق السوداء وحل الألغاز
ويختتم خبير الطيران المدني تصريحاته بالتأكيد على أن سلامة هيكل الطائرة وبقاءها متماسكة يضعان لجان التحقيق أمام كنز معلوماتي توفره الصناديق السوداء؛ ممثلة في مسجل أصوات الكابينة الذي يوثق شجار اللحظات الأخيرة والتحذيرات الصوتية، ومسجل بيانات الرحلة الراصد لزوايا الأسطح وسرعات الهواء.
ويشدد المهندس محمد على أن الحادثة -خلافا لأزمات الطراز نفسه السابقة- لا تمت بصلة لأي عيب تصنيعي أو برمجي، بل تعد خرقا أمنيا وبشريا خالصا داخل قمرة القيادة، وستكون لها تداعيات موسعة على معايير الفحص النفسي والتدقيق الأمني الدوري لأطقم الطيران مستقبلا.
يذكر أن شركة فلاي دبي أعلنت أنها أرسلت طائرتين بديلتين إلى تبوك لمساعدة ركاب وطاقم الرحلة التي تم تحويل مسارها كما تم فتح تحقيق في الحادث. وأضافت الشركة أنه في هذه المرحلة المبكرة لا تزال الأسباب والدوافع الكامنة وراء هذا الحدث غير معروفة وتخضع لتحقيق رسمي.