مرحلة ما بعد التحالف الدولي.. كيف يرسم العراق ملامح سيادته؟
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
يدخل العراق مرحلة أمنية جديدة مع اكتمال انسحاب قوات التحالف الدولي وإغلاق صفحة المهمة العسكرية التي بدأت عام 2014 لمساندة بغداد في مواجهة تنظيم الدولة. وتقول الحكومة إن انتقال المسؤولية الأمنية إلى مؤسساتها يمثل محطة لاستعادة القرار السيادي وتعزيز قدرات الدولة.
ويرى المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي في حديثه للجزيرة أن انتهاء المهمة جاء نتيجة مسار طويل من التنسيق بين بغداد والتحالف، مشيرا إلى أن الحكومة عملت منذ وقت مبكر على تهيئة الظروف للوصول إلى هذا الموعد، الذي وصفه بأنه "يوم سيادي" للعراق.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 انسحاب قوات التحالف.. ترمب يحتفي وبغداد تتأهب والفصائل تتمسك بسلاحها
* list 2 of 2 على مدى 23 عاما.. مسار انتشار ومغادرة التحالف الدولي للعراق end of list
وبحسب العبودي، فإن طي الصفحة العسكرية للتحالف لا يعني نهاية التعاون الأمني مع الدول التي ساندت العراق، وإنما انتقاله إلى مسار مختلف يقوم على الشراكة وتبادل الخبرات، بعدما أصبحت القوات العراقية، وفق تقييم الحكومة، قادرة على تولي مسؤولياتها الأمنية.
وتزامن ذلك مع إعلان البنتاغون اكتمال الانسحاب المنظم للقوات والمعدات من قاعدة أربيل الجوية، وأن الولايات المتحدة ستواصل تقديم التدريب الموجه والدعم الاستخباري للعراقيين، في إطار علاقة دفاعية ثنائية تحل محل مهمة التحالف العسكرية.
ويستند المسؤول العراقي في تأكيد جاهزية القوات إلى مجموعة من التطورات الأمنية، من بينها تولي القوات العراقية المسؤولية في مناطق كانت تشهد وجودا لقوات أجنبية، إلى جانب خطوات توحيد تشكيلات البيشمركة، بما يعزز، بحسبه، مركزية القرار الأمني العراقي.
الاختبار الأبرز
لكن اكتمال الانسحاب يفتح أمام بغداد ملفا أكثر تعقيدا يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، وهو ملف يقول العبودي إن الحكومة لم تبدأ التعامل معه مع اقتراب موعد الانسحاب، بل فتحته مبكرا عبر حوار مع القوى والفصائل المسلحة.
وأوضح أن الحكومة توصلت إلى تفاهمات مع عدد من تلك القوى بشأن الانضواء تحت مظلة الدولة، بينما حُددت جداول زمنية لاستكمال الإجراءات المتعلقة بالسلاح وتنظيم أوضاع الأفراد، وتمتد المهلة المعلنة حتى نهاية يونيو/حزيران 2027.
ويستند هذا المسار إلى مبدأ دستوري، وفقا للعبودي، يحظر تشكيل مليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة الرسمية. ويرى أن انتهاء الظروف التي استدعت حمل السلاح والاحتفاظ به يوفر أساسا للانتقال إلى مرحلة يكون فيها قرار القوة محصورا في مؤسسات الدولة.
وكانت قضية الفصائل المسلحة حاضرة في ترتيبات ما بعد التحالف، إذ أشارت خلفيات الانسحاب إلى أن الموعد الذي حددته بغداد لنزع سلاح الجماعات المدعومة من إيران جرى تمديده إلى يونيو/حزيران 2027، مع حديث عراقي عن تسليم بعض الفصائل أسلحتها.
ولا يطرح العبودي مواجهة مع القوى التي لا تزال تحتفظ بالسلاح بوصفها السيناريو المقبل، بل يؤكد أن الأطراف المعنية تفهمت، بحسب قوله، ضرورة حماية الدولة وسيادتها، وأن العمل يمضي وفق التوقيتات المتفق عليها لاستكمال هذه العملية.
بين السيادة والتوازنات
وتتجاوز ترتيبات ما بعد التحالف الملف الداخلي إلى البيئة الإقليمية، إذ تؤكد بغداد أنها لا تريد أن تتحول أراضيها إلى ساحة للصراع أو منطلق لأعمال تستهدف دولا أخرى. ويقول العبودي إن هذا الموقف ليس قرارا ظرفيا، بل يستند إلى مبادئ دستورية.
وتتبنى الحكومة، وفق حديثه، سياسة تقوم على حسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الدول، مع رفض استخدام الأراضي العراقية ممرا أو قاعدة للاعتداء على دول المنطقة. ويأتي ذلك في ظل توترات إقليمية متواصلة تحاول بغداد تجنيب اقتصادها تداعياتها.
ويرتبط هذا التوجه أيضا بحسابات اقتصادية، إذ يعتمد العراق بصورة كبيرة على عائدات النفط، مما يجعل حماية صادراته وتأمين الأسواق والحفاظ على الاستقرار الداخلي جزءا من أولويات السياسة الحكومية في المرحلة المقبلة، وفقا لما عرضه المتحدث باسم الحكومة.
وفي الجانب الأمني، يضع العراق حماية الحدود في مقدمة الاستحقاقات المقبلة، مع الاعتماد على القدرات الاستخبارية وتبادل المعلومات مع دول الجوار، ويقول العبودي إن الحكومة بحثت هذه الملفات ضمن المجلس الوزاري للأمن الوطني، ووضعت آليات لتأمين الحدود والمنافذ.
وتأتي هذه الترتيبات في حين لا تزال واشنطن تحتفظ بقدرات استخبارية واستطلاعية في المنطقة، وقد انتقلت القوات التي غادرت العراق إلى ترتيبات إقليمية أخرى، خصوصا في الأردن، وتستمر مهمة مكافحة تنظيم الدولة في سوريا إلى جانب شركاء محليين.
وفي إقليم كردستان، يضيف انتهاء المهمة بعدا أمنيا آخر، في ظل مخاوف رسمية من عودة تنظيم الدولة ووجود مناطق توصف بأنها فراغات أمنية بين القوات العراقية والبيشمركة، فضلا عن الحاجة إلى منظومات دفاع جوي بعد انسحاب تجهيزات تابعة للتحالف.
ومع ذلك، تؤكد بغداد أن انتهاء المهمة العسكرية لا يغلق قنوات التعاون مع الولايات المتحدة والدول الصديقة، بل يفتح، بحسب العبودي، المجال أمام تطوير القدرات الدفاعية والاستفادة من التكنولوجيا والتقنيات الحديثة، في مواجهة تهديدات أمنية أصبحت أكثر تعقيدا من الحروب التقليدية.