من مصافي النفط في نيجني نوفغورود وريازان وساراتوف وياروسلافل، الواقعة في الجزء الأوروبي من روسيا وعلى مسافات متفاوتة شرق وجنوب شرق موسكو، إلى ميناء نوفوروسيسك على البحر الأسود وماخاتشكالا على بحر قزوين، اتسعت رقعة الهجمات الأوكرانية التي استهدفت منشآت حيوية داخل روسيا منذ مطلع سبتمبر/أيلول الجاري، في تصعيد يشمل قطاع الطاقة والإمداد، ويمتد بعيدا عن خطوط الجبهة.
وخلال الفترة من 1 إلى 17 سبتمبر/أيلول، ترصد بيانات -جمعتها وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة- نحو 15 عملية استهداف أو حادثة مرتبطة بالضربات الأوكرانية، شملت مصافي نفط ومرافق تخزين وموانئ ومنشآت لوجستية وعسكرية.
وحددت وحدة المصادر المفتوحة مواقع الاستهداف وبياناتها الجغرافية بالاعتماد على التصريحات والبيانات الرسمية مع المشاهد الميدانية المتداولة بعد التحقق منها وصور الأقمار الصناعية المتاحة، بهدف توثيق النطاق الجغرافي لانتشار هذه الضربات، وبناء خريطة ترصد مسار الهجمات على البنية التحتية الروسية.
بدأت سلسلة الاستهدافات التي يرصدها التقرير في الأول من سبتمبر/أيلول الجاري، عندما طالت ضربات منشآت نفطية أكثر من موقع روسي.
في منطقة نيجني نوفغورود، استُهدفت مصفاة "نيجني نوفغورود" التابعة لشركة لوك أويل، بينما تعرض مجمع "نوفاتيك-أوست لوغا" في مقاطعة لينينغراد لهجوم في اليوم نفسه.
وقالت هيئة الأركان العامة الأوكرانية لاحقا إن مصفاة نيجني نوفغورود توقفت عن العمل بعد ضربة سابقة في 26 أغسطس/آب الماضي، كما أكدت أن هجوم الأول من سبتمبر/أيلول أصاب منشآت في مجمع أوست لوغا، بينها وحدة لمعالجة مكثفات الغاز ووحدتان من وحدات التكسير الهيدروجيني، إضافة إلى خط أنابيب في منطقة خزانات التخزين.
وفي اليوم ذاته، تشير بيانات الرصد التي جمعتها الوحدة إلى استهداف مصفاة ياروسلافل، قبل أن تعود المنشأة نفسها إلى واجهة الأحداث في 17 سبتمبر/أيلول، عندما قالت السلطات الروسية إن هجوما بالطائرات المسيّرة ألحق أضرارا بالمصفاة وأشعل حريقا فيها.
وفي سياق تبنّي هذه الهجمات، نشر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي منشورا مرفقا بمشاهد ليلية توثق لحظة وقوع انفجار وتصاعد لألسنة اللهب من المنشأة.
وأكد زيلينسكي -في منشور على منصة إكس- أن ضرب مصفاة "ياروسلافل" للنفط جاء تتويجا لعملية مشتركة، نفذتها أجهزة الأمن والمخابرات وقوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية.
وفي 6 سبتمبر/أيلول، استهدفت ضربة أوكرانية مصفاة ريازان، وأسفرت عن حريق داخل المنشأة، وفق هيئة الأركان العامة الأوكرانية.
وقالت الهيئة إن المصفاة تُستخدم في إمداد القوات الروسية بالوقود، بينما ذكرت مصادر أوكرانية أن طاقة تكريرها تبلغ نحو 17 مليون طن سنويا.
وعلى الجانب الروسي، تقاطعت المشاهد الميدانية مع التصريحات الرسمية، إذ وثقت مقاطع فيديو تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان الأسود واندلاع حريق ضخم في مصفاة ريازان.
وفي إقرار بالهجوم، أعلن حاكم المقاطعة بافيل مالكوف تصدي الدفاعات الجوية لطائرات مسيّرة، مشيرا إلى أن تساقط حطامها تسبب في أضرار بمبانٍ سكنية واندلاع حريق داخل ما وصفه بـ"إحدى المنشآت".
وبعد يومين، تعرضت مصفاة ساراتوف لهجوم جديد، ثم تكرر استهدافها في 11 سبتمبر/أيلول، بالتزامن مع إصابة مركز لوجستي تابع لشركة "أوزون" في المدينة نفسها.
وتفيد رويترز بأن مصفاة ساراتوف توقفت عن معالجة الخام في 11 سبتمبر/أيلول بعد أضرار لحقت بالمعدات واندلاع حرائق، وذلك عقب هجوم آخر في 8 سبتمبر/أيلول. وقالت مصادر في قطاع النفط إن التوقف جاء في وقت كانت فيه المصفاة قد تعرضت لهجمات سابقة أيضا.
لم تقتصر الاستهدافات على منشآت التكرير فحسب، ففي 9 سبتمبر/أيلول، تعرض ميناء نوفوروسيسك على البحر الأسود لضربة، وأفادت مصادر أوكرانية باندلاع حرائق في قاعدة بحرية ومحطة للوقود في الميناء.
وقالت الاستخبارات العسكرية الأوكرانية إن الفرقاطة "أدميرال إيسن" تعرضت لأضرار، بينما أكدت هيئة الأركان الأوكرانية لاحقا استهداف منشآت لتخزين زيت الوقود في نوفوروسيسك.
ونشر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بيانا مرفقا بمشهد ليلي، يوثق اندلاع حريق ضخم وتصاعد ألسنة اللهب إثر الاستهداف. وأكد زيلينسكي في بيانه تحقيق ضربات في مدينة نوفوروسيسك بإقليم كراسنودار، موضحا أن الهجوم طال قاعدة بحرية، ومحطة مخصصة لتحميل النفط، ومرافق عسكرية، إضافة إلى سفن حربية وحاملات صواريخ "كاليبر".
ويكتسب استهداف نوفوروسيسك أهمية إضافية لأنه أحد المراكز الرئيسية لخروج النفط الروسي إلى البحر الأسود. وأظهر تحليل مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف (CREA) أن هجمات سابقة عطلت تحميلات النفط في ميناء نوفوروسيسك خلال أغسطس/آب، مع انخفاض التحميلات في محطة شيشكاريس بنسبة 58% على أساس شهري.
وفي 10 سبتمبر/أيلول، امتدت الضربات إلى ميناء ماخاتشكالا التجاري على بحر قزوين، حيث قالت هيئة الأركان الأوكرانية إن حريقا سُجل داخل المنشأة.
ويتمتع الميناء بأهمية لوجستية تتجاوز النشاط التجاري المحلي، فهو ميناء روسي عميق وخالٍ من الجليد على بحر قزوين، ويرتبط بممر النقل بين روسيا وإيران.
وتُظهر بيانات الرصد أيضا استهداف منشآت تخزين وإمداد إلى جانب المصافي.
في 11 سبتمبر/أيلول، أصابت ضربة مركز "أوزون" اللوجستي في ساراتوف بالتزامن مع استهداف المصفاة المجاورة لها، بينما سجلت البيانات استهداف مستودعات النفط في تاغانروغ في 12 سبتمبر/أيلول، ثم عاد مركز "أوزون" في تاغانروغ إلى قائمة المواقع المستهدفة في 15 سبتمبر/أيلول.
وفي محيط تاغانروغ، قالت هيئة الأمن الأوكرانية في 12 سبتمبر/أيلول إنها استهدفت مستودعين للطائرات المسيّرة ومنشأة لإنتاج طائرات (FPV) ومخزنا للوقود ومواد التشحيم، إضافة إلى رادار ومنظومة دفاع جوي.
وكانت الوحدة قد رصدت -في وقت سابق- عبر صور الأقمار الصناعية آثار الهجوم الذي استهدف مستودعات الوقود المتاخمة للمطار العسكري بمدينة تاغانروغ الروسية ليلة 12 سبتمبر/أيلول.
وكشفت مقارنة الصور الملتقطة عبر شركة "بلانت" الأمريكية -بتاريخ 11 و12 سبتمبر/أيلول الجاري- تصاعد سحب دخان سوداء كثيفة من الخزانات، زحفت لتغطي أجزاء واسعة من مدارج المطار، مما يؤكد تضرر البنية التحتية للطاقة في القاعدة إثر الاستهداف.
يأتي اتساع الاستهداف في وقت بدأت فيه آثار ضرب المصافي تظهر على سوق الوقود الروسي.
فبحسب تحليل نشرته رويترز في 15 سبتمبر/أيلول، خفضت 3 من أكبر 6 مصافٍ روسية لإنتاج الديزل عملياتها أو أوقفتها خلال سبتمبر/أيلول بعد هجمات بالطائرات المسيّرة. وتشمل المجموعة مصافي كيريشي ونيجني نوفغورود وفولغوغراد، وهي منشآت تمثل مع ثلاث مصافٍ أخرى نحو نصف إنتاج الديزل الروسي، وفق التحليل.
وأدى تراجع الإنتاج إلى إجراءات روسية للحد من صادرات الوقود، في حين أفادت تقارير بأن القيود على صادرات البنزين والديزل ووقود الطائرات امتدت مع استمرار الضغط على المصافي.
وفي 16 سبتمبر/أيلول، قالت مصادر في قطاع النفط لرويترز إن مصفاتي سيزران وساراتوف توقفتا عن العمل بعد هجمات حديثة، وقدّرت المصادر أن وحدة التقطير الرئيسية في سيزران -التي تمثل نحو 71% من طاقة التقطير في المصفاة- تعرضت لأضرار كبيرة، بينما توقفت ساراتوف عن معالجة الخام في 11 سبتمبر/أيلول.
وهكذا لم تعد آثار الضربات محصورة في موقع الحريق نفسه، إذ يمكن أن تمتد إلى قدرة التكرير وتوافر الوقود والتصدير.
وتأتي هذه الضربات في وقت دخل فيه استهداف البنية التحتية للطاقة في صلب النقاش السياسي بشأن الحرب، ففي 15 سبتمبر/أيلول، قال الكرملين إنه يرحب بمقترح أمريكي لوقف متبادل لاستهداف منشآت الطاقة الروسية والأوكرانية، بينما قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن كييف مستعدة لوقف ضرباتها على الأراضي الروسية إذا حصلت على التزام مماثل من موسكو.
وأفاد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب -الاثنين الماضي- بأن روسيا و أوكرانيا اتفقتا على وقف استهداف منشآت الطاقة، في خطوة تهدف إلى الحد من استهداف البنية التحتية الحيوية وتخفيف الضغط على أسعار الوقود والديزل عالميا.
وربط ترمب ارتفاع أسعار الديزل عالميا بالحرب الروسية الأوكرانية، نافيا أن تكون الحرب الأمريكية على إيران وإغلاق مضيق هرمز السبب وراء ارتفاع الأسعار.
المصدر:
الجزيرة