لم تكن إيران طرفًا في هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، لكن التداعيات الجيوسياسية للحرب الأمريكية التي أعقبتها ساهمت في تهيئة ظروف مواتية لصعود طهران كقوة إقليمية، وفقا لتقرير بصحيفة نيويورك تايمز.
وكان غزو العراق عام 2003 نقطة التحول الأبرز، وفقا للتقرير، إذ أدى إسقاط نظام الزعيم العراقي الراحل صدام حسين، الذي كان أحد أهم خصوم إيران، إلى فتح المجال أمام طهران لتوسيع نفوذها داخل العراق، ثم نقل النموذج إلى ساحات أخرى في الشرق الأوسط.
ويختصر عنوان التقرير هذه المفارقة بقوله إن غزو العراق عام 2003 مهد الطريق أمام طهران للهيمنة على جارتها، كما أن نجاحها في العراق "أثار شهية طهران لتوسيع نفوذها عبر الشرق الأوسط الأوسع".
كانت إيران قد سعت لعقود إلى التخلص من نظام صدام لكنها لم تحقق ذلك، وجاءت النتيجة من جهة غير متوقعة: الولايات المتحدة التي غزت العراق في مارس/آذار 2003 وأسقطت النظام.
ويقول ستيفان لاكروا، الأستاذ في جامعة سيانس بو الفرنسية إن حرب العراق "غيّرت كل شيء" لأنها جعلت إيران طرفًا أكبر بكثير في المعادلة الإقليمية، مضيفا أن الحرب التي هدفت إلى إعادة تشكيل العراق والمنطقة تحولت إلى فرصة لطهران لتعزيز حضورها السياسي والأمني في العراق.
ويوضح التقرير أن الحرب الأمريكية على "الإرهاب" التي أعقبت احداث 11 سبتمبر/أيلول، توسعت بعد تصنيف الرئيس الأميركي جورج بوش الابن إيران والعراق وكوريا الشمالية ضمن ما سماه "محور الشر".
ويقول السفير الأمريكي السابق ريان كروكر إن إيران أصبحت مقتنعة -بعد خطاب "محور الشر"- بأن الولايات المتحدة "غدت تستهدف النظام الإيراني". ووفق التقرير، دفع هذا الشعور طهران للتحرك بقوة أكبر لمواجهة النفوذ الأمريكي في المنطقة.
لكن إيران، حسب التقرير، لم تختر المواجهة العسكرية المباشرة، بل لجأ الحرس الثوري إلى تسليح وتمويل وتدريب مليشيات عراقية، وهو نموذج أصبح لاحقًا إحدى أهم أدوات النفوذ الإيراني.
يقول أفشون أوستوفار مؤلف كتاب "حروب الطموح" الذي يتناول تاريخ الصراع الحديث بين الولايات المتحدة وإيران "كان الهدف هو إثارة قدر كافٍ من الفوضى في العراق على يد مسلحين يصعب تحديد هويتهم، إلى درجة تجعل الولايات المتحدة عاجزة عن التغلب على ذلك التحدي بسهولة".
أوستوفار: كان الهدف هو إثارة قدر كافٍ من الفوضى في العراق على يد مسلحين يصعب تحديد هويتهم، إلى درجة تجعل الولايات المتحدة عاجزة عن التغلب على ذلك التحدي بسهولة
ولم يتوقف الأمر عند العراق. فقد أصبح نجاح إيران هناك، بحسب التقرير، محفزًا لتوسيع نفوذها في المنطقة.
ويوضح أوستوفار أن العراق أصبح "مُضخِّمًا" لطموحات إيران، وكلما ازداد نفوذها فيه ازدادت طموحاتها الإقليمية.
وبقيادة قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، دعمت إيران شبكة من القوى المسلحة والحليفة في سوريا ولبنان وغزة واليمن، وقد عبّر سليماني عن اتساع هذا الدور في رسالة إلى الجنرال الأمريكي ديفيد بترايوس عام 2008، قائلًا "أيها الجنرال بترايوس، ينبغي أن تعلم أنني أتحكم في سياسة إيران تجاه العراق، وكذلك تجاه سوريا ولبنان وغزة وأفغانستان".
ويعكس هذا الاقتباس، وفقا للتقرير، تصور طهران لنفوذها الممتد عبر عدد من الساحات الإقليمية.
وتكمن المفارقة التي يعرضها التقرير في أن الولايات المتحدة، بعد 11 سبتمبر/أيلول، أزاحت أنظمة كانت تعادي إيران، ولا سيما نظام صدام، بينما استطاعت طهران استثمار الفراغ السياسي والأمني الذي نشأ بعد ذلك.
ولم يكن مكسب إيران مقتصرًا على العراق، فقد تحول الأخير إلى "محفز" لاختبار نموذج جديد يقوم على النفوذ غير المباشر والاعتماد على القوى المحلية بدل المواجهة العسكرية المباشرة.
وعليه، فإن التقرير لا يخلص إلى أن إيران استفادت من هجمات 11 سبتمبر/أيلول نفسها، بل من بعض التداعيات غير المقصودة للحروب والسياسات الأمريكية التي أعقبتها.
وكان غزو العراق عام 2003 الحلقة الأهم في هذا المسار، إذ أزال خصمًا إقليميًا رئيسيًا لطهران، وفتح أمامها مجالًا لتوسيع نفوذها، قبل أن يتحول النموذج العراقي إلى إستراتيجية إقليمية أوسع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة