في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم يكن انهيار المنزل فجر اليوم في منطقة الصناعة وسط مدينة غزة حادثا منفردا، بل بات مشهدا تختصر فيه عائلات فلسطينية واقعا أكثر قسوة؛ مساكن متصدعة وآيلة للسقوط، يسكنها أصحابها رغم الخطر، بعدما أغلقت الحرب أبواب البدائل، وتركت كثيرين أمام خيار يبدو مستحيلا: البقاء في منزل قد ينهار في أي لحظة، أو الخروج إلى الشارع بلا مأوى.
في منطقة الصناعة، انهارت بناية سكنية مؤلفة من 6 طوابق انهيارا كاملا على رؤوس ساكنيها. وحسب الدفاع المدني، كان داخلها قرابة 100 شخص، بينهم نحو 50 طفلا. ومنذ ساعات الفجر، تتواصل عمليات البحث بين أكوام الركام، وسط محاولات للوصول إلى من بقي عالقا تحت الأنقاض. ويشارك في عمليات الإنقاذ عناصر الدفاع المدني، وآليات هندسية تابعة للجنة المصرية، إلى جانب فرق محلية ومتطوعين يحاولون بأيديهم الوصول إلى أصوات الاستغاثة.
لكن مهمة الإنقاذ نفسها تواجه مأساة أخرى، فالمعدات الموجودة قليلة وصغيرة، ولا تكفي للتعامل مع حجم الركام. كما يهدد النقص الحاد في الوقود وقطع الغيار والزيوت بتوقف عدد من الآليات التي تعمل بما هو متاح من إمكانات محدودة.
ويحذر الدفاع المدني من أن الخطر لا يقتصر على هذه البناية، إذ يقول إن أكثر من ألفي منزل في قطاع غزة باتت في حالة تهدد بالانهيار، مطالبا بتدخل دولي عاجل والضغط من أجل فتح معابر القطاع وإدخال الآليات الثقيلة والمعدات اللازمة لإزالة الأبنية المهددة قبل سقوطها فوق ساكنيها.
ويزداد القلق مع اقتراب فصل الشتاء، حين تضرب المنخفضات الجوية والرياح العاتية القطاع، وهو ما قد يزيد من هشاشة الأبنية المتضررة، ويضع آلاف العائلات أمام خطر إضافي.
وبالتوازي مع مأساة انهيار المبنى، تتواصل عمليات القصف والاستهداف في مناطق مختلفة من قطاع غزة. ففي مخيم البريج، كان طفل يقف في طابور لتعبئة المياه عند مدخل المخيم عندما استهدفت طائرة مسيرة مجموعة من المواطنين، وفق ما أورده مراسل الجزيرة غازي العلول، وأسفر الاستهداف، بحسب مستشفى العودة في النصيرات، عن استشهاد الطفل وإصابة 6 آخرين.
كما أعلن مستشفى شهداء الأقصى وصول شهيد أصيب بنيران زوارق حربية إسرائيلية قبالة سواحل المحافظة الوسطى، في حين أعلن مجمع الشفاء الطبي وفاة فلسطيني متأثرا بجروح أصيب بها في غارة إسرائيلية على مدينة غزة في اليوم السابق.
ويروي أحد سكان غزة، وهو يحمل عكازين، كيف بدأت أجزاء من منزله بالسقوط تدريجيا خلال الليل، قبل أن يلاحظ تشققات في الجدران. وحين أدرك أن المنزل على وشك الانهيار، بدأ بالصراخ على جيرانه طالبا منهم النزول. ولم تمض سوى دقائق حتى خرج الجميع إلى الشارع، ثم انهار المنزل.
ولم يتمكن الرجل وأسرته من إنقاذ سوى بعض الأدوات البسيطة، بينها أوعية للمياه وبعض الأغطية. ويقول إن نحو 15 إلى 18 شخصا أصبحوا بلا مأوى، ولا يملكون سوى عدد قليل من الأغطية للنوم في الشارع.
مسن آخر، يجلس على كرسي متحرك، تحدث عن اللحظة التي شعر فيها بأن المنزل يتحرك. خرج مع أسرته، فاكتشفوا أن المبنى بدأ يميل، فغادروا قبل انهياره. نجا أفراد الأسرة، لكنهم فقدوا البضائع والأدوات، وبات الرجل، بحسب شهادته، بلا منزل أو حتى مكان ينام فيه.
وقال شاب آخر إنهم كانوا يعرفون قبل السكن في المنزل أن أحد أعمدته متضرر وأن البناء غير صالح للسكن، لكنهم اضطروا إلى الإقامة فيه، لأنه لم يكن أمامهم خيار آخر. وفي منزل آخر، يقيم أفراد أسرة وسط تشققات واضحة وتساقط متواصل للحجارة والركام. يقول أحد السكان إنهم لا يستطيعون العيش في الخارج، ولذلك اضطروا إلى البقاء داخل المبنى، رغم إدراكهم خطر انهياره.
وتقول امرأة من داخل منزل مهدم إنها تعيش وأسرتها حالة خوف يومية، خشية أن يسقط السقف عليهم في أثناء النوم، في حين أصبح الوصول إلى بعض أجزاء المنزل محفوفا بخطر السقوط داخل حفرة كبيرة. وأكثر ما تخشاه هو أن يسقط حجر أو جزء من البناء على أطفالها.
وعلى سطح أحد المنازل، يعيش شاب في مكان يقول إنه مائل وغير آمن. الدرج نفسه أصبح مائلا، والسطح الذي نصب عليه خيمته لا يمنحه شعورا بالأمان، في حين يخشى أن ينهار السقف فوق منزل أسرته في أي لحظة. أما الشهادة الأكثر اختصارا للمأساة، فجاءت من شاب يجلس أمام أنقاض منزله. يقول إن أفراد أسرته ما زالوا يعيشون في الجزء المتبقي من المنزل، رغم أنهم يشعرون باهتزازه مع كل حركة.
ويصف الرجل المأوى الذي بقي لهم بأنه آخر ما يملكون، قائلا إن البديل عن هذا المكان ليس مأوى آخر، بل القبر، في ظل اضطرار أطفالهم إلى البقاء في الشمس والشارع حتى يعودوا إليهم إلى الغرفة الوحيدة المتبقية من المنزل.
ومن عمّان، قالت مي الشيخ، المتحدثة باسم المفوضية السامية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إن الانتهاكات التي وثقتها المفوضية لم تتوقف بعد إعلان وقف إطلاق النار، مشيرة إلى توثيق هجمات كان جميع ضحاياها من الأطفال خلال الفترة التي تلت وقف إطلاق النار.
وأكدت مي الشيخ أن استمرار هذه الانتهاكات، وفق توصيفها، يرتبط بما وصفته بغياب المساءلة والمحاسبة، داعية إلى تحرك دولي أكثر فاعلية للضغط من أجل وقفها.
وفي ردها على سؤال بشأن الدور العربي والدولي، قالت إن حركة التضامن في المنطقة العربية كانت موجودة، لكنها رأت أن الإجراءات الحكومية والدولية لم ترق إلى مستوى الأزمة، وأن أدوات الضغط المتاحة بموجب القانون الدولي لم تستخدم، بحسب تقديرها، بالقدر الكافي.
وشددت على أن المجتمع الحقوقي الفلسطيني واصل العمل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأن استخدام لغة القانون الدولي وآلياته يتيح توثيق الانتهاكات وتحديد الالتزامات القانونية الواقعة على الأطراف المعنية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة