آخر الأخبار

ليس لديه خيار آخر.. “الضفدع” الذي سيبتلعه ترمب مكرها

شارك

قال الكاتب الأمريكي مارك توين في مقولته الشهيرة: "إذا كانت مهمتك هي أكل ضفدع، فمن الأفضل أن تفعل ذلك أول شيء في الصباح، وإذا كانت مهمتك هي أكل ضفدعين، فمن الأفضل أن تأكل الأكبر أولا".

عندما يتعلق الأمر بالحرب مع إيران، فإن الرئيس ترمب أمامه على الأقل ضفدع واحد مقيت للغاية يجب أن يأكله، لكن بدلا من أن يمد يده إلى أدوات الطعام، يواصل البحث بشكل يائس في قائمة الطعام بحثا عن خيارات أخرى. لا توجد أي خيارات أخرى، وقد فات الأوان منذ زمن طويل وعلى هذه الإدارة الأمريكية أن تأكل الضفدع.

لكن أولا، ينبغي أن نكون ممتنين لأن الإدارة الأمريكية قد أدركت أخيرا، بعد مرور 6 أشهر على هذه الحرب غير المدروسة، أن القوة العسكرية الأمريكية المتفوقة لن تترجم إلى نجاح إستراتيجي.

وفي حين أن الرئيس ترمب يستحق الثناء لتخليه عن سياسة فاشلة (على الأقل حتى ما بعد انتخابات التجديد النصفي)، فمن المؤسف أنه استبدلها بسياسة معيبة بنفس القدر، وهي السياسة التي أعلن عنها وزير الخزانة سكوت بيسنت في مؤتمر صحفي عقد في 24 أغسطس/آب.

ينبغي أن نكون ممتنين لأن الإدارة الأمريكية قد أدركت أخيرا، بعد مرور 6 أشهر على هذه الحرب غير المدروسة، أن القوة العسكرية الأمريكية المتفوقة لن تترجم إلى نجاح إستراتيجي

كان الكشف عن عملية "المنبوذ الاقتصادي"، شأنه شأن الكثير من الأمور الأخرى المتعلقة بسياسة الإدارة تجاه إيران "مليئا بالضجيج والغضب، دون أن يعني شيئا"، على حد تعبير شكسبير، فقد كان مجرد تصريحات رنانة أكثر منه سياسة سليمة.

ووفقا للوزير بيسنت، تتمثل أحدث إستراتيجية للإدارة في تشديد العقوبات الثانوية ضد الدول التي تتعامل تجاريا مع إيران، على أمل "إحداث انهيار في الاقتصاد الإيراني"، أو "قطع شرايين الحياة الاقتصادية لإيران".

مكررا نقطة الحوار التي كان يرددها الرئيس جورج بوش الابن بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول "كل دولة، في كل منطقة، عليها الآن أن تتخذ قرارا. إما أن تكونوا معنا، أو أن تكونوا مع الإرهابيين"، حذر بيسنت قائلا: "أولئك الذين يقفون إلى جانب الولايات المتحدة سيجنون ثمار شراكتنا، أما أولئك الذين يربطون أنفسهم بطهران فيجب أن يتوقعوا أن يشاركوا في عزلة نظام آخذ في الاضمحلال".

إعلان

أولا، دعونا نلاحظ أنه من الصعب القول إن هذه السياسة ستفشل، في حين أن الوزير كان غير واضح تماما بشأن هدفها النهائي. إذا كان الهدف هو "إفلاس الاقتصاد الإيراني"، فلنفترض ما هو غير محتمل ونقول إننا حققنا ذلك. ثم ماذا بعد؟ هل هدف الإدارة حقا هو خلق دولة فاشلة تضم 95 مليون نسمة في قلب الشرق الأوسط؟

أما إذا كان هدف الإدارة هو إجبار إيران على الاستسلام والتخلي عن خطوطها الحمراء، على سبيل المثال التنازل عن حقها المفترض في تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية، وتسليم 440 كيلوغراما من اليورانيوم عالي التخصيب إلى الولايات المتحدة، والسماح بعمليات تفتيش تدخلية لمنشآتها النووية والعسكرية، فإن تحقيق مثل هذا الهدف يبدو مستبعدا للغاية.

وحتى الهدف الأكثر تواضعا بلا شك، وهو أن تسمح إيران بعودة مضيق هرمز إلى وضعه قبل الحرب، هو هدف مستبعد للغاية. والأرجح بكثير أن تفشل هذه السياسة الأمريكية الأحدث لإنهاء الحرب كما فشلت سياساتها السابقة، أي إنها ستؤدي بالفعل إلى جعل حياة الإيرانيين العاديين أسوأ بكثير، لكنها لن تجبر النظام الإيراني على التخلي عن خطوطه الحمراء الرئيسية، وإليكم الأسباب:

من غير المرجح أن تؤدي الضغوط الاقتصادية الأمريكية إلى تليين موقف إيران، حيث يفترض الحرس الثوري الإيراني أن أي تنازل من هذا القبيل لن يؤدي إلا إلى تسريع سقوطهم

السبب الأول: تستند نظرية "عملية العزلة الاقتصادية" إلى فكرة أنه إذا جعلت الولايات المتحدة حياة الإيرانيين العاديين بائسة بما فيه الكفاية، فسوف يمارسون ضغطا فعالا على قادتهم للتوصل إلى تسوية مع الولايات المتحدة، وهذه الفرضية معيبة بشكل عميق.

فالنظام الإيراني، على عكس الرئيس ترمب، لا يواجه قريبا انتخابات نصفية قد تضعف سلطته، لقد بنى النظام الإيراني على مدى عقود جهازا ضخما وفعالا لقمع مواطنيه، وقد أظهر مؤخرا، في يناير/كانون الثاني من هذا العام، أنه مستعد تماما لسحق الآلاف من مواطنيه من أجل البقاء في السلطة.

لذا، فإن سرد الحكومة الأمريكية المتسارع للمصاعب الاقتصادية المتزايدة التي تعاني منها إيران لا صلة له بالموضوع إلى حد كبير، لأن إفقار الشعب الإيراني لا يؤدي إلى إجبار قادته على تخفيف أولوياتهم الإستراتيجية.

وتجدر الإشارة أيضا إلى أن نخب النظام التي تدير إيران -والتي يطلق عليها الإيرانيون العاديون اسم "تجار العقوبات"- تستفيد ماليا بالفعل من العقوبات الأمريكية، لأنها تتحكم في وسائل التحايل عليها. لذا، فهي لن تكون فقط آخر من يتضرر اقتصاديا من أي تشديد اقتصادي أمريكي، بل ستكون أيضا أول من يستفيد منه.

السبب الثاني: النظام الإيراني الحالي، الذي يتسم بمزيد من التشدد والعسكرة وأقل تجنبا للمخاطر مقارنة بالقيادة الإيرانية التي قضينا عليها في بداية الحرب، يفترض أنه يخوض معركة وجودية مع الولايات المتحدة.

وهو يعتبر من المسلمات أن الولايات المتحدة ستواصل السعي للإطاحة بجمهورية إيران الإسلامية، باستخدام مزيج من الوسائل العسكرية والحرب الاقتصادية والهجمات الإلكترونية وإثارة التمرد الداخلي.

إعلان

بالنسبة لضباط " الحرس الثوري الإسلامي" المتقدمين في السن الذين يديرون إيران حاليا، فإن أي تنازل في مواجهة الضغط الأمريكي المتواصل لن يؤدي إلا إلى زيادة الضغط، لا تقليله. وكما جادل ريد بولي وماثيو سيبول في "فن الإكراه المفقود: لماذا تعتبر عدوانية ترمب علامة على الضعف" (مقال بمجلة فورين أفيرز الأمريكية): "…التهديدات وحدها لا تكفي لنجاح الإكراه، لأن حتى التهديدات ذات المصداقية العالية تفشل إذا لم تكن مشروطة. لكي ينجح الإكراه، يجب أن يثق الهدف في أنه سيتمكن من تجنب الأذى من خلال الامتثال".

لذا، من غير المرجح أن تؤدي الضغوط الاقتصادية الأمريكية إلى تليين موقف إيران، حيث يفترض الحرس الثوري الإيراني أن أي تنازل من هذا القبيل لن يؤدي إلا إلى تسريع سقوطهم.

عملت إدارة أوباما بشكل مكثف مع الحلفاء بطريقة جادة ومستمرة لتنفيذ عقوبات متعددة الأطراف ضد إيران، مما ساعد في جلبها إلى طاولة المفاوضات الدبلوماسية، وأدى إلى التوصل إلى خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015

السبب الثالث: وكما تقول المقولة العسكرية الشهيرة: "للعدو حق التصويت"، وبناء على ذلك، لن يكون الرد الإيراني المحتمل على "عملية العزلة الاقتصادية" استسلاما خانعا، بل تصعيدا عدوانيا.

وإذا نجحت الولايات المتحدة في تصعيد الضغط الاقتصادي على إيران، فسوف يؤدي ذلك في مرحلة ما إلى انتقام عسكري إيراني، ليس فقط ضد القواعد الأمريكية في المنطقة، بل أيضا ضد الأهداف الاقتصادية والطاقة الأمريكية والخليجية.

وبالتالي، فإن هذه المبادرة الأمريكية الأخيرة تنطوي بطبيعتها على تصعيد، لأنها قد لا تنجح في إحداث ألم اقتصادي ملموس للقيادة الإيرانية، أو قد تنجح وتستفز العدوان الإيراني لوقفها.

السبب الرابع: لكي تنجح هذه السياسة، فإنها تتطلب ثلاثة عوامل لا تمتلكها الولايات المتحدة:


* التعاون الكامل من الشركاء التجاريين الاقتصاديين الرئيسيين لإيران، بما في ذلك الصين والإمارات وتركيا.
* الوقت.
* جهاز بيروقراطي أمريكي كفء في مجال السياسة الخارجية لتنفيذها.

بالنسبة للعامل الأول، على الرغم من إعلان الإمارات مؤخرا عن إنهاء التجارة مع إيران، فإن مصير هذه المبادرة برمته يتوقف على الصين، الشريك التجاري الأهم لإيران، وقد أظهر التاريخ أن الصين لا تتقبل الترهيب الاقتصادي الأمريكي.

وبصرف النظر عن إحجام الصين المعلن عن التعاون، فإن تنفيذ العقوبات يتطلب جهازا إداريا فعالا للسياسة الخارجية الأمريكية، وقد قضت هذه الإدارة على هذا الجهاز.

عملت إدارة أوباما بشكل مكثف مع الحلفاء بطريقة جادة ومستمرة لتنفيذ عقوبات متعددة الأطراف ضد إيران، مما ساعد في جلبها إلى طاولة المفاوضات الدبلوماسية، وأدى إلى التوصل إلى خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) لعام 2015.

أما هذه الإدارة، التي تعجز أو ترفض القيام بالجهد الشاق الذي تتطلبه الدبلوماسية المتعددة الأطراف، فقد اختارت بدلا من ذلك تهديد بقية العالم على أمل إجبار الجميع على الامتثال لأوامرها.

وأخيرا، فإن مثل هذه العقوبات تستغرق وقتا حتى تؤتي ثمارها، وبالنظر إلى الإغلاق الإيراني المستمر لمضيق هرمز، أو على الأقل تقييده بشكل كبير، فإننا لا نملك هذا الوقت.

إن محاولات الإدارة الأمريكية للتأثير على الأسواق بالكلام فقط آخذة في الفشل، فقد بدأت الأسعار في الولايات المتحدة في الارتفاع، وبدأت أسواق السندات في الذعر، ولن تتمكن أي نقاط حوارية للإدارة، بغض النظر عن عدد المرات التي تكرر فيها، من إقناع الناس بأن النجاح على الأبواب.

إذن، وبالنظر إلى أن إدارة ترمب تسلك الآن طريقا جانبيا يؤدي إلى طريق مسدود، فما هو بالضبط "الضفدع" الأفضل (أو بالأحرى الأقل سوءا) الذي يتعين عليها أن تبتلعه؟ هذا "الضفدع" هو قبول الهزيمة (مع "الادعاء بالنصر" بالطبع)، والسعي إلى إبرام اتفاق مع إيران يتيح لها سيطرة شبه كاملة على مضيق هرمز، مقابل قيام إيران بزيادة حركة الملاحة البحرية عبره إلى أقصى حد ممكن وبأسرع ما يمكن.

بالنسبة للإدارة، فإن تحمل الضربة السياسية الآن، قبل شهرين من انتخابات التجديد النصفي، أفضل من شهرين من الأخبار الاقتصادية المتزايدة السوء الناجمة عن الصراع المستمر

هناك مشاكل حتى مع هذا الهدف البسيط:

إعلان

أولا، ترى طهران حاليا أن الإدارة الأمريكية لم تتكبد خسائر كافية لتعزيز الردع ضد أي هجمات مستقبلية، ولذا يجب أن يظل المضيق مغلقا في الوقت الحالي.

ثانيا، قد يكون الأوان قد فات على الدبلوماسية الأمريكية، حتى لو كانت هذه الإدارة راغبة وقادرة على محاولة ذلك. بعد شن حربين في غضون ما يزيد قليلا عن عام، مما أدى إلى مقتل قيادة إيران وأكثر من 3 آلاف مواطن إيراني، وتسبب في أضرار تقدر بمئات المليارات من الدولارات، أصبحت التربة التي يمكن أن ينبثق منها حل دبلوماسي أقل خصوبة بكثير، إن لم تكن جرداء تماما.

بالإضافة إلى ذلك، تريد إيران الكثير من المال، والآن، وليس في مستقبل غير محدد. لذا قد تضطر الولايات المتحدة إلى تقديم "حافز" يتمثل على الأقل في رفع الحظر عن الأصول الإيرانية المجمدة، وهو أمر سيصعب إقناع الرأي العام الأمريكي به.

وأخيرا، لن تلقى مثل هذه التهدئة قبولا لدى حلفائنا في الخليج، الذين تركتهم المظلة الأمنية الأمريكية وحدهم، يبحثون عن "بدائل أمنية" لتعويض الحماية الأمريكية غير الموثوق بها. وعلى أقل تقدير، سيترك لهم أن يعقدوا سلامهم المنفصل مع إيران، بالنظر إلى اللامبالاة الواضحة التي أبدتها إدارة ترمب تجاه أمنهم.

وبالمثل، لن يقبل أي جزء من هذا الحل "الأقل سوءا" بسهولة في الولايات المتحدة، لكنه على الأرجح الثمن الذي لا مفر منه لتجنب خيار أسوأ بكثير في المستقبل.

وبالنسبة للإدارة، فإن تحمل الضربة السياسية الآن، قبل شهرين من انتخابات التجديد النصفي، أفضل من شهرين من الأخبار الاقتصادية متزايدة السوء الناجمة عن الصراع المستمر.

دعونا من فكرة أن الاتفاق النووي سيكون أفضل من اتفاق أوباما أو حتى بنفس جودته: يجب أن يكون هدف الإدارة الآن هو استعادة حركة الملاحة البحرية في المضيق. لقد كسر الرئيس ترمب شيئا أساسيا في الشرق الأوسط لا يمكن استعادته، لكن عليه الآن، في أحسن الأحوال، أن يسعى إلى التخفيف من حدة الضرر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا